باب تحقير الأسماء المبهمة
اعلم أن التحقير يضم أوائل هذه الأسماء، فإنه يترك أوائلها على حالها قبل أن تحقر؛ وذلك لأنَّ لها نحواً في الكلام ليس لغيرها - وقد بيّنَّا ذلك - فأرادوا أن يكون تحقيرها على غير تحقير ما سواها.
وذلك قولك في هذا: هذيَّا، وذاك: ذياك، وفي ألا: أليَّا.
وإنَّما ألحقوا هذه الألفات في أواخرها لتكون أواخرها عل غير حال أواخر غيرها، كما صارت أوائلها على ذلك.
قلت: فما بال ياء التصغير ثانيةً في ذا حين حقرت؟ قال: هي في الأصل ثالثة، ولكنَّهم حذفوا الياء حين اجتمعت الياءات، وإنَّما حذفوها من ذييَّا.
وإما تيَّا فإنما هي تحقيرتا، وقد استعمل ذلك في الكلام.
قال الشاعر، كعبٌ الغنويٌّ:
وخبَّرتماني أنَّما الموتُ في القُرى ... فكيف وهَاتَا هَضْبةٌ وقليب
وقال عمران بن حطَّان:
وليسَ لعَيْشِنا هذا مَهاهٌ ... وليست دارُنا هاتَا بدارِ
وكرهوا أن يحقَّروا المؤنث على هذه فيلتبس الأمر.
وأما من مدَّ ألاء فيقول: ألياءٍ، والحقوا هذه الألف لئلا يكون بمنزلة غير المبهم من الأسماء، كما فعلوا ذلك في آخر ذا وأوّله.
وأولئك هما أولا، وأولاء، كما أنَّ هو ذا، إلا أنَّك زدت الكاف للمخاطبة.
ومثل ذلك الذي والتي، تقول: اللذيَّا واللتّيَّا.
قال العجاج:
بعد اللَّتيَّا واللّتيَّا والتي
وإذا ثنَّيت هذه الألفات كما تحذف ألف ذواتا، لكثرتها في الكلام، إذا ثنيَّت.
وتصغير ذلك في الكلام ذيَّاك وذيالك، وكذلك اللَّذيا إذا قلت: اللذيُّون، والتي إذا قلت: اللَّتيات، والتثنية إذا قلت: اللّذيَّان واللَّتيَّان وذيَّان.
ولا يحقر من ولا أيٌّ إذا صارا بمنزلة الذي، لأنهما من حروف الاستفهام، والذي بمنزلة ذا، أنَّها ليست من حروف الاستفهام، فمن لم يلزمه تحقيرٌ كما يلزم الذي، لأنه إنَّما يريد به معنى الذي وقد أستغني عنه بتحقير الذي، مع ذا الذي ذكرت لك.
واللاتي لا تحقَّر، استغنوا بجمع الواحد إذا حقر عنه، وهو قولهم: اللّتيَّات، فلمَّا استغنوا عنه صار مسقطاً.
فهذه الأسماء لمَّا لم يكن حالها في التحقير حال غيرها من الأسماء غير المبهمة، ولم تكن، حالها في أشياء قد بيَّناها حال غير المبهمة، صارت يستغني ببعضها عن بعض، كما استغنوا بقولهم: أتانا مسيّاناً وعشيَّاناً عن تحقير القصر في قولهم: أتانا قصراً، وهو العشيّ.