الكتاب لسيبويهباب ما ينتصب من المصادر لأنه حال

باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال

صار فيه المذكور وذلك قولك: أَمّا سِمَناً فسَمينٌ، وأَمّا عِلْماً فعالم.
وزعم الخليل رحمه الله أنه بمنزلة قولك: أنت الرجل علماً ودِيناً، وأنت الرجلُ فَهماً وأَدَباً، أي أنت الرجلُ فى هذه الحال.
وعَمِلَ فيه ما قبله وما بعده، ولم يَحسن فى هذا الوجه الألفُ واللام كما لم يَحسن فيما كان حالاً وكان فى موضع فاعلٍ حالا.
وكذلك هذا، فانتَصب المصدرُ لأنَّه حالٌ مَصِيرٌ فيه.
ومن ذلك قولك: أَمّا عِلْماً فلا عِلْمَ له، وأَمّا عِلْماً فلا عِلْمِ عنده، وأَمّا عِلْماً فلا عِلْمَ وتضمِرُ له، لأنَّك إنّما تَعنى رجلا.
وقد يُرْفَعُ هذا فى لغة بنى تميم، والنصبُ فى لغتها أحسن؛ " لأنهم

يَتوهَّمون الحالَ ". فإِن أُدخلت الألفُ واللام رَفعوا، لأنه يَمتنع من أن يكون حالا.
وتقولُ: أَمّا العلْمُ فعالمٌ بالعلم، وأَمّا العلمَ فعالمٌ بالعلم.
فالنصبُ على أنَّك لم تَجعل العلم الثانىَ العلمَ الأوّلَ الذى لفظتَ به قبله، كأنك قلت: أَمَّا العلمَ فعالمٌ بالأشياء.
وأما الرفعُ فعلى أنه جعل العلمَ الآخِرَ هو العلمَ الأوّلَ، فصار كقولك: أَمّا العلمُ فأَنا عالمٌ به، وأما العلمُ فما أَعلمنى به.
فهذا رفعٌ لأنَّ المضمر هو العِلمُ، فصار كقولك: أَما العلمُ فحسنٌ.
فإِنْ جعلتَ الهاءَ غيرَ العلم الأوّل نصبتَ، كأَنَّك قلت: أَمّا علماً فما أَعلمنى بعبد الله.
وإذا قلت: أَما الضَّرْبَ فضاربٌ، فهذا يَنتصب على وجهينِ: على أن يكون الضربُ مفعولا كقولك: أَمّا عبدَ الله فأَنا ضاربٌ، ويكونُ نصباً على قولك: أَمّا عِلْماً فعالمٌ، كأَنّك قلت: أَمّا ضَرْباً فضاربٌ، فيصير كقولك: أَمّا ضربا فذو ضربٍ.
وقد يَنصب أهلُ الحجاز فى هذا الباب بالألف واللام، لأنهم قد يتوهمون في هذا الباب غيرَ الحال، وبنو تميم كأَنهم لا يَتوهّمون غيرَه، فمن ثَمّ لم يَنصبوا فى الألف واللام، وتركوا القُبْحَ.
فكأَنَّ الذى تَوهّم أهلُ الحجاز البابُ الذى يَنتصب لأنه موقوعٌ له، نحوَ قولك فعلتُه مَخافةَ ذلك.
وذلك قولهم:

أَمّا النُّبْلَ فنبيلٌ، وأمّا العقلَ فهو الرجلُ الكاملُ، كأَنّه قال: هو الرجلُ الكاملُ العقلَ والرأي، أي للعَقل والرأىِ، وكأَنّه أَجاب مَنْ قال: لِمَه؟ وعلى هذا الباب فأَجْرِ جميعَ ما أَجريتَه نكرةً حالا إذا أَدخلتَ فيه الألف واللام.
قال الشاعر: أَلا ليت شِعْرِى هل إلى أُمَّ مَعْمَرٍ ... سَبيلٌ فأَمّا الصَّبْرَ عنها فلا صَبْرَا وأَمَّا بنو تميم فيرَفعون لِما ذكرتُ لك، فيقولون: أَمّا العلمُ فعالمٌ، كأَنه قال: فأنَا أو فهو عالمٌ به.
وكان إضمارُ هذا أحسنَ عندهم من أن يُدخِلوا فيه مالا يجوز، كما قال سبحانه: " يوما لا تجزي نفس "، أَضمر " فِيهِ " وقال الشاعر، " عبد الرحمن بن حسّان ": أَلا يا لَيْلَ وَيْحَك نَبِّئينا ... فأَمّا الجُودُ منكِ فليس جودُ أى فليس لنا منك جودٌ.

ومما ينتصب من الصِفات حالاً كما انتَصب المصدرٌ الذى يوضع موضعه ولا يكون إلاّ حالاً، قوله: أما صديقاً مصافياً فليس بصديق مُصافٍ، وأَمّا طاهراً فليس بطاهرٍ، وأَمّا عالما فعالمٌ.
فهذا نصبٌ لأنَّه جعله كائنا فى حال علمٍ وخارجا من حال طهورٍ ومصادقةٍ.
والرفعُ لا يجوز هنا، لأنَّك قد أَضمرت صاحبَ الصفةِ، وحيث قلتَ أمّا العلمُ فعالمٌ فلم تضمِرْ مذكورا قبل كلامك وهو العلمُ، فمن ثمّ حَسُنَ فى هذا الرفعُ ولم يَجز الرفع في الصَّفة.
ولا يكون فى الصفة الألفُ واللام؛ لأنَّه ليس بمصدَر فيكونَ جوابا لقوله لمَهْ، وإنَّما المصدرُ تابعٌ له ووُضع فى موضعه حالا.
واعلم أَنَّ ما ينتصب فى هذا الباب فالذى بعده أو قبله من الكلام قد عَمِلَ فيه، كما عَمل فى الحَذَرِ ما قبله، إذا قلت: أَكرمتُه حَذَرَ أن أُعابَ، وكما عَمل فى قوله: أتاه مشياً وماشياً.

جارٍ التحميل