باب وجوه القوافي في الإنشاد
أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مد الصوت، وذلك قولهم - وهو لامرىء القيس:
قِفاَ نَبكِ مِن ذِكْرَى حبيبٍ ومَنْزِلي وقال في النصب - ليزيد بن الطثرية: فَبتناَ تَحِيدُ الوحشُ عنّا كأننا ... قتيلان لم يَعلمْ لنا الناسُ مَصْرعَا وقال في الرفع - للأعشى: هُرَيْرَةَ ودِّعْهَا وإنْ لامَ لائمُو هذا ما ينون فيه؛ وما لا ينون فيه قولهم - لجرير: أَقلِّي اللوْمَ عاذِلَ والعِتابا
وقال في الرفع - لجرير:
مَتى كان الخِيامُ بِذي طلوحٍ ... سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتهاَ الخيِامُو
وقال في الجر - لجرير أيضاً:
أَيْهاتَ مَنزِلُنا بنعفِ سويقةٍ ... كانت مباركةً من الأيامى
وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروي لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فأحلقوا كل حرف الذي حركته منه.
فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافي ما نون منها وما لم ينون على حالها في الترنم، ليفرقوا بينه وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء.
وأما ناسٌ كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون
وما لم ينون، لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نوناً ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون:
يا أبَتا عَلَّكَ أو عَساكَن
وللعجاج:
يا صاحِ ما هاجَ الدُّموعَ الذُّرَّفَنْ
وقال العجاج:
مِن طللٍ كالأتْحَمِيِّ أنهْجَن
وكذلك الجر والرفع.
والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كالمجرور والمنصوب والمرفوع.
وأما الثالث فأن يجروا القوافي مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعرٍ، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا، وتركو المدة لعلمهم أنها في أصل البناء، سمعناهم يقولون - لجرير:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابْ
وللأخطل:
واسْألْ بَمصقْلَةَ البَكْرِيِّ ما فَعَلْ
وكان هذا أخف عليهم.
ويقولون:
قد رابَنِي حفصٌ فحرِّكْ حفصا
يثبتون الألف لأنها كذلك في الكلام.
واعلم أن الياءات والواوات اللواتي هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروي فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألحقتا للمد في القوافي، لأنها تكون في المد بمنزلة الملحقة، ويكون ما قبلها روياً كما كان ما قبلت تلك رويا، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألحقت بها في هذه المنزلة الأخرى.
وذلك قولهم - لزهير:
وبعضُ القومِ يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرْ
وكذلك: يغزو، لو كانت في قافيةٍ كنت جاذفها إن شئت.
وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو ههنا أجدر أن يحذف، إذ كنت تحذف هنا ما لا يحذف في الكلام.
وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الألف، لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي تكون في الوقف بدلاً من التنوين، فكما تبين تلك الألف في القوافي فلا تحذف، كذلك لا تحذف هذه الألف.
فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلا في القوافي لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضي، حيث شبهتها بالياء التي في الأيامي
فإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي لم تكن التي هي لامٌ أسوأ حالاً منها.
إلا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول:
لم يَعْلم لنا الناسُ مَصْرَعْ
فتحذف الألف، لأن هذا لا يكون في الكلام، فهو في القوافي لا يكون.
فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو لأن بناءهما لا يخرج نظيره إلا في القوافي.
وإن شئت حذفته، فإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام وألحقت تلك بما يثبت على كل حال.
ألا ترى أنك تقول:
دَايَنْتَ أَرْوَى والدُّيُونُ تُقْضى ... فمطَلَتْ بَعْضاً وأَدَّتْ بَعْضاً
فكما لا تحذف ألف بعضاً كذلك لا تحذف ألف تقضى.
وزعم الخليل أن ياء يقضي وواو يغزو إذا كانت واحدةٌ منها حرف الروي لم تحذف، لأنها ليست بوصل حينئذ، وهي حرف روريٍّ كما أن القاف في:
وقاتِم الأعْماقِ خاوي المخترق
حرف الروي.
وكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدةٌ منهما.
وقد دعاهم حذف ياء يقضي إلى أن حذف ناسٌ كثير من قيس وأسدٍ الياء والواو اللتين هما علامة المضمر.
ولم تكثر واحدةٌ منها في الحذف ككثرة ياء يقضي، لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما، فهما بمنزلة الهاء في:
يا عَجَباً للدهر شَتَّى طَرائِقُه
سمعت ممن يروي هذا الشعر من العرب ينشده:
لا يُبْعِدُ الله أصْحَاباً تَرَكْتُهُمُ ... لم أدْرِ بعد غَداةِ البَيْنِ ما صنع
يريد: صنعوا.
وقال:
لو ساوَفَتْنَا بسوفٍ مِن تَحِيَّتهَا ... سَوْفَ العَيُوفِ لَراحَ الركْبُ قد قَنِعْ
يريد: قنعوا.
وقال:
طافت بأَعْلاقِه خودٌ يمانيةٌ ... تَدْعُو العَرانِينَ مِن بكرٍ وما جَمَعْ
يريد: جمعوا.
وقال ابن مقبلٍ:
جَزَيْتُ ابنَ أرْوَى بالمدِينة قَرضَهُ ... وقلتُ لشُفّاعِ المدينة أوْجِفْ
يريد: أوجفوا.
وقال عنترة:
يا دارَ عَبْلَة بالجواء تكلم
يريد: تكلمي.
وقال الخرز بن لوذان:
كَذَبَ العَتِيقُ وماءُ شنٍّ باردٌ ... إنْ كَنْتِ سائِلَتي غَبُوقاً فاذْهَبْ
يريد: فاذهبي.
وأما الهاء فلا تحذف من قولك: شتى طرائقه لأن الهاء ليست من حروف اللين والمد، فإنما جعلوا الياء، وهي اسمٌ، مثلها زائدةً نحو الياء الزائدة في نحو:
الحَمْدُ لله الوَهُوبِ المُجْزِلي
فهي بمنزلتها إذا كانت مداً وكانت لا تثبت في الكلام.
والهاء لا يمد بها ولا يفعل بها شيءٌ من ذلك.
وأنشدنا الخليل:
خليلَيَّ طِيراَ بالتفرق أوقعا
فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من تقضى.
وقال:
وأعْلَمُ عِلْمَ الْحَقِّ أنْ قد غَوَيْتُمُ ... بني أسدٍ فاسْتَأخِرُوا أو تَقَدَّمْ
فحذف واو تقدموا، كما حذف واو صنعوا.
واعلم أن الساكن والمجزوم يقعان في القوافي، ولو لم يفعلوا ذلك لضاق عليهم، ولكنهم توسعوا بذلك، فإذا وقع واحدٌ منهما في القافية حرك، وليس إلحاقهم إياه الحركة بأشد من إلحاق حرف المد ما ليس هو فيه، ولا يلزمه في الكلام.
ولو لم يقفوا إلا بكل حرف فيه حرف مدٍّ لضاق عليهم، ولكنهم توسعوا بذلك، فإذا حركوا واحداً منهما صار بمنزلة ما لم تزل فيه الحركة،
فإذا كان كذلك أحلقوه حرف المد، فجعلوا الساكن والمجزوم لا يكونان إلا في القوافي المجرورة حيث احتاجوا إلى حركتها، كما أنهم إذا اضطروا إلى تحريكها في التقاء الساكنين كسروا، فكذلك جعلوها في المجرورة حيث احتاجوا إليها، كما أن أصلها في التقاء الساكنين الكسر، نحو: انزل اليوم.
وقال امرؤ القيس:
أغَرَّكِ منِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلي ... وأنَّكِ مَهْمَا تَأمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ
وقال طرفة:
متى تَأْتِنا نَصْبَحْكَ كَأْساً رَويّةً ... وإنْ كُنْتَ عنها غانِياً فاغْنَ وازْدَدِ
ولو كانت في قوافٍ مرفوعةٍ أو منصوبةٍ كان إقواء.
وقال الراجز، وهو أبو النجم:
إذا استحثوها بحوبٍ أوحلى
وحل مسكنة في الكلام.
ويقول الرجل إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه: قالا: فيمد قال؛ ويقولوا، فيمد يقول، ومن العامي فيمد العام؛ سمعناهم يتكلمون به في الكلام ويجعلونه علامة ما يتذكر به ولم يقطع كلامه.
فإذا اضطروا إلى مثل هذا في الساكن كسروا.
سمعناهم يقولون: إنه قدي في قد، ويقولون: ألي في الألف واللام، يتذكر الحارث ونحوه.
وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول: هذا سيفني، يريد سيفٌ، ولكنه تذكر بعد كلاماً ولم يرد أن يقطع اللفظ، لأن التنوين حرف ساكن، فيكسر كما تكسر دال قد.
؟؟