الكتاب لسيبويهباب الوقف في آخر الكلم

باب الوقف في آخر الكلم

؟ المتحركة في الوصل التي لا تلحقها زيادةٌ في الوقف

فأما المرفوع والمضموم فإنه يوقف عنده على أربعة أوجه: بالإشمام، وبغير الإشمام كما تقف عند المجزوم والساكن، وبأن تروم التحريك، وبالتضعيف.
فأما الذين أشموا فأرادوا أن يفرقوا بين ما يلزمه التحريك في الوصل وبين ما يلزمه الإسكان على كل حال.
وأما الذين لم يشموا فقد علموا أنهم لا يقفون أبداً إلا عند حرف ساكن، فلما سكن في الوقف جعلوه بمنزلة ما يسكن على كل حال؛ لأنه وافقه في هذا الموضع.
وأما الذين راموا الحركة فإنهم دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه إسكانٌ على كل حال، وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال.
وذلك أراد الذين أشموا؛ إلا أن هؤلاء أشد توكيداً.
وأما الذين ضاعفوا فهم أشد توكيداً؛ أرادوا أن يجيئوا بحرفٍ لا يكون الذي بعده إلا متحركاً لأنه لا يلتقي ساكنان.
فهؤلاء أشد مبالغةً وأجمع؛ لأنه لو لم تشم كنت قد أعلمت أنها متحركة في غير الوقف.

ولهذا علاماتٌ.
فللإشمام نقطةٌ، وللذي أجري مجرى الجزم والإسكان الخاء، ولروم الحركة خطٌّ بين يدي الحرف، وللتضعيف الشين.
فالإشمام قولك: هذا خالد؛ وهذا فرج؛ وهو يجعل.
وأما الذي أجري مجرى الإسكان والجزم فقولك: مخلد، وخالد، وهو يجعل.
وأما الذين راموا الحركة فهم الذين قالوا: هذا عمر؛ وهذا أحمد؛ كأنه يريد رفع لسانه.
حدثنا بذلك عن العرب الخليل وأبو الخطاب.
وحدثنا الخليل عن العرب أيضاً بغير الإشمام وإجراء الساكن.
وأما التضعيف فقولك: هذا خالد، وهو يجعل، وهذا فرج.
حدثنا بذلك الخليل عن العرب.
ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي سبسبا يريد: السبسب، وعيهل يريد: العيهل، لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك.
كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا يدخله ياءٌ ولا واوٌ في الكلام، وأجروا الألف مجراهما لأنها شيركتهما في القوافي، ويمد بها في غير موضع التنوين،

ويلحقونها في التنوين فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام، وجعلوا سبسب كأنه مما لا تلحقه الألف في النصب إذا وقفت.
قال رجلٌ من بني أسدٍ: ببازلٍ وَجنْاءَ أو عَيهَلِّ وقال رؤبة: لقد خَشِيتُ أن أرَى جَدَبّا ... في عامِنا ذا بعدَ ما أَخْصَبّا أراد: جدبا.
وقال رؤبة: بدءٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأضْخَمّا

فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا.
فإن كان الحرف الذي قبل آخر حرفٍ ساكناً لم يضعفوا، نحو عمرٍو وزيدٍ وأشباه ذلك، لأن الذي قبله لا يكون ما بعده ساكناً لأنه ساكن.
وقد يسكن ما بعد ما هو بمنزلة لام خالد وراء فرج، فلما كان مثل ذلك يسكن ما بعده ضاعفوه وبالغوا، لئلا يكون بمنزلة ما يلزمه السكون.
ولم يفعلوا ذلك بعمرٍو وزيدٍ، لأنهم قد علموا أنه لا تسكن أواخر هذا الضرب من كلامهم وقبله ساكن، ولكنهم يشمون ويرومون الحركة لئلا يكون بمنزلة الساكن الذي يلزمه السكون.
وقد يدعون الإشمام وروم الحركة أيضاً كما فعلوا بخالد ونحوه.
وأما ما كان في موضع نصب أو جرٍّ فإنك تروم فيه الحركة، وتضاعف، وتفعل فيه ما تفعل بالمجزوم على كل حال، وهو أكثر في كلامهم.
وأما الإشمام فليس إليه سبيل، وإنما كان ذا في الرفع لأن الضمة من الواو، فأنت تقدر أن تضع لسانك في أي موضع من الحروف شئت ثم تضم شفتيك، لأن ضمك شفتيك كتحريكك بعض جسدك، وإشمامك في الرفع للرؤية وليس بصوتٍ للأذن.
ألا ترى أنك لو قلت هذا معن فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشمم، فأنت قد تقدر على أن تضع لسانك موضع الحرف قبل تزجية الصوت ثم تضم شفتيك، ولا تقدر على أن تفعل ذلك ثم تحرك موضع الألف والياء.

فالنصب والجر لا يوافقان الرفع في الإشمام.
وهو قول العرب ويونس والخليل.
فأما فعلك بهما كفعلك بالمجزوم على كل حال فقولك: مررت بخالدٍ، ورأيت الحارث.
وأما روم الحركة فقولك: رأيت الحارث ومررت بخالد.
وإجراؤه كإجراء المجزوم أكثر، كما أن الإشمام وإجراء الساكن في الرفع أكثر، لأنهم لايسكنون إلا عند ساكنٍ، فلا يريدون أن يحدثوا فيه شيئاً سوى ما يكون في الساكن.
وأما التضعيف فهو قولك: مررت بخالدٍ، ورأيت أحمد.
وحدثني من أثق به أنه سمع عربياً يقول: أعطني أبيضه، يريد: أبيض، وألحق الهاء كما ألحقها في: هنه وهو يريد: هن.

؟؟

جارٍ التحميل