باب ما يحسن أن يشرك المظهر المضمَر
فيما عمل وما يقبح أن يشرك المظهر المضمَر فيما عمل فيه.
أما ما يحسن أن يشركه المظهر فهو المضمر المنصوب، وذلك قولك: رأيتك وزيدا، وإنك وزيدا منطلقان.
وأما ما يقبح أن يشركه المظهر فهو المضمر في الفعل المرفوع وذلك قولك: فعلت وعبدُ الله، وأفعل وعبدُ الله.
وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أن هذا الإضمار يُبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمَراً يغير الفعل عن حاله إذا بعد منه.
وإنما حسنتْ شِركتُه المنصوب لأنه لا يغيَّر الفعل فيه عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر، فأشبه المظهر وصار منفصلا عندهم بمنزلة المظهر، إذ كان الفعل لا يتغير عن حاله قبل أن يضمَر فيه.
وأما فعلتُ فانهم قد غيروه عن حاله في الإظهار، أُسكنتْ فيه اللام فكرهوا أن يشرك المظهر مضمَراً يُبنى له الفعل غير بنائه في الإظهار حتى صار كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيتُ.
فإن نعته حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيدٌ، وقال الله عز وجل: " اذهبْ أنت وربُّك " و: " اسكُنْ أنت وزوجُك الجنة ". وذلك أنك لما وصفتَه حسن الكلام حيث طوله وأكده كما قال: قد علمتُ أن لا تقول ذاك، فإن أخرجتَ لا قبُح الرفع.
فأنت وأخواتها تقوى المضمَر وتصير عوضا من السكون والتغيير ومِن ترك العلامة في مثل ضربَ.
وقال الله عز وجل: " لو شاء اللهُ ما أشركنا ولا آباؤُنا ولا حرمنا "، حسُن لمكان لا.
وقد يجوز في الشعر، قال الشاعر:
قلتُ إذْ أقبلتْ وزُهْرٌ تَهادى ... كنعاجِ المَلا تعسّفْنَ رَمْلاَ
واعلم أنه قبيح أن تصفَ المضمَر في الفعل بنفسك وما أشبهه؛ وذلك أنه قبيح أن تقول فعلتَ نفسُك، إلا أن تقول: فعلت أنت نفسُك.
وإن قلت فعلتم أجمعون حسن؛ لأن هذا يعم به.
وإذا قلت نفسُك فإنما تريد أن تؤكد الفاعل، ولما كانت تفسُك يتكلم بها مبتدأة وتحمل على ما يُجرّ ويُنصب ويُرفع، شبهوها بما يشرك المضمَر، وذلك قولك: نزلتُ بنفس الجبل، ونفس الجبل مُقابلي، ونحو ذلك.
وأما الأجمعون فلا يكون في الكلام إلا صفة.
وكلُّهم قد تكون بمنزلة أجمعين لأن معناها معنى أجمعين، فهي تجرى مجراها.
وأما علامة الإضمار التي تكون منفصلة من الفعل ولا تغير ما عمل فيها عن حاله إذا أُظهر فيه الاسم فإنه يشركها المظهر؛ لأنه يشبه المظهر، وذلك قولك: أنت وعبدُ الله ذاهبان، والكريم أنت وعبدُ الله.
واعلم أنه قبيح أن تقول: ذهبت وعبدُ الله، وذهبتُ وعبدُ الله، وذهبت وأنا، لأن أنا بمنزلة المظهر.
ألا ترى أن المظهر لا يشركه إلا أن يجيء في الشعر.
قال الراعى:
فلمَّا لَحِقنْا والجيادُ عشيةً ... دعَوا يا لَكَلبٍ واعتزَيْنا لعامرِ
ومما يقبح أن يشركه المظهر علامةُ المضمَر المجرور، وذلك قولك: مررتُ بك وزيدٍ، وهذا أبوك وعمرٍو، كرهوا أن يشرك المظهر مضمَراً داخلا فيما قبله؛ لأن هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعتْ أنها لا يُتكلّم بها إلا معتمدة على ما قبلها، وأنها بدلٌ من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين، فلما ضعفتْ عندهم كرهوا أن يُتبعوها الاسمَ، ولم يجز أيضا أن يُتبعوها إياه وإن وصفوا؛ لا يحسن لك أن تقول مررت بك أنت وزيدٍ كما جاز فيما أضمرتَ في الفعل نحو قمتَ أنت وزيد، لأن ذلك وإن كان قد أُنزل منزلة آخر الفعل، فليس من الفعل ولا من تمامه، وهما حرفان يستغنى كلُ واحدٍ منهما بصاحبه كالمبتدإ والمبني عليه، وهذا يكون من تمام الاسم، وهو بدل من الزيادة التي في الاسم، وحال الاسم إذا أضيف إليه مثلُ حاله منفردا، لا يستغنى به، ولكنهم يقولون: مررتُ بكُم أجمعين، لأن أجمعين لا يكون إلا وصفا.
ويقولون: مررتُ بهم كلهم؛ لأن أحد وجهَيها مثلُ أجمعين.
وتقول أيضا: مررتُ بك نفسك، لما أجزْتَ فيها ما يجوز
في فعلتُم مما يكون معطوفا على الأسماء احتملت هذا؛ إذ كانت لا تغير علامة الإضمار ها هنا ما عمل فيها، فضارعتْ ها هنا ما ينتصب، فجاز هذا فيها.
وأما في الإشراك فلا يجوز، لأنه لا يحسن الإشراكُ في فعلتَ وفعلتُم إلا بأنت وأنتم.
وهذا قول الخليل رحمه الله وتفصيله عن العرب.
وقد يجوز في الشعر أن تُشرك بين الظاهر والمضمر على المرفوع والمجرور، إذا اضطر الشاعر.
وجاز قمتَ أنت وزيدٌ، ولم يجز مررتُ بك أنت وزيدٍ؛ لأن الفعل يستغنى بالفاعل، والمضاف لا يستغنى بالمضاف إليه، لأنه بمنزلة التنوين.
وقد يجوز في الشعر.
قال:
آبَكَ أيّهْ بي أو مُصدَّرِ ... من حُمُر الجِلَّة جأبٍ حَشْوَرِ
وقال الاخر: فاليومَ قرّبتَ تَهْجُونا وتشتمِنا ... فاذهبْ فما بك والأيامِ من عجبِ ؟
هذا باب
ما لا يجوز فيه الإضمارُ من حروف الجر
وذلك الكاف في أنت كزيد، وحتى، ومُذ.
وذلك لأنهم استغنوا بقولهم مثلى وشِبهي عنه فأسقطوه.
واستغنوا عن الإضمار في حتى بقولهم: رأيتُهم حتى ذاك، وبقولهم: دعْهُ حتى يوم كذا وكذا، وبقولهم: دعهُ حتى ذاك، وبالإضمار في إلى إذا قال دعهُ إليه؛ لأن المعنى واحد، كما استغنوا بمثلى ومثله عن كى وكَهُ.
واستغنوا عن الإضمار في مُذ بقولهم: مذ ذاك؛ لأن ذاك اسمٌ مبهَم، وإنما يذكر
حين يُظن أنه قد عرفت ما يعنى.
إلا أن الشعراء إذا اضطُروا أضمروا في الكاف، فيجرُونها على القياس.
قال العجاج: وأمَّ أوعالٍ كَها أو أقرَبا وقال العجاج:
فلا تَرَى بَعْلاً ولا حَلائِلاً ... كَهُ ولا كهُنّ إلاَّ حاظِلا
شبهوه بقوله له ولهن.
ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف إلى نفسه قال: ما أنت كِي.
وكَي خطأ؛ من قبل أنه ليس في العربية حرفٌ يُفتح قبل ياء الإضافة.
؟