الكتاب لسيبويهباب ما يكون فيه هو وأنت

باب ما يكون فيه هو وأنت

وأنا ونحن وأخواتهن فصلا

اعلم أنهن لا يكن فصلا إلا في الفعل، ولا يكن كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء.
فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، إعلاما بأنه قد فصل الاسم، وأنه فيما ينتظر المحدَّث ويتوقعه منه، مما لابد له من أن يذكره للمحدَّث؛ لأنك إذا ابتدأت الاسم فإنما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لابد منه، وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك، فكأنه ذكر هو ليستدل المحدَّث أن ما بعد الاسم ما يُخرجه مما وجب عليه، وأن ما بعد الاسم ليس منه.
هذا تفسير الخليل رحمه الله.

وإذا صارت هذه الحروف فصلا وهذا موضع فصلها في كلام العرب، فأجرِه كما أجروه.
فمن تلك الأفعال: حسبتُ وخلْتُ وظننت ورأيت إذا لم ترد رؤية العين؛ ووجدتُ إذا لم ترد وجدانَ الضالة، وأُرى، وجعلتُ إذا لم ترد أن تجعلها بمنزلة عملت ولكن تجعلها بمنزلة صيرته خيرا منك، وكان وليس وأصبح وأمسى.
ويدلك على أن أصبح وأمسى كذلك، أنك تقول أصبح أباك، وأمسى أخاك، فلو كانتا بمنزلة جاء وركب، لقبُح أن تقول أصبح العاقلَ وأمسى الظريفَ، كما يقبح ذلك في جاء وركب ونحوهما.
فمما يدلك على أنهما بمنزلة ظننتُ أنه يُذكر بعد الاسم فيهما ما يُذكر في الابتداء.
واعلم أن ما كان فصلا لا يغير ما بعده عن حاله التي كان عليها قبل أن يُذكر، وذلك قولك: حسبتُ زيدا هو خيرا منك، وكان عبد الله هو الظريف، وقال الله عز وجل: " ويرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق ". وقد زعم ناسٌ أن هو ها هنا صفة، فكيف يكون صفة وليس من الدنيا عربي يجعلها ها هنا صفة للمظهر.
ولو كان ذلك كذلك لجاز مررتُ بعبد الله هو نفسه، فهو ها هنا مستكرهة لا يتكلم بها العرب لأنه ليس من مواضعها عندهم.
ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنا

لنحن الصالحين.
فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون.
ولو كان صفة لم يجز أن يدخل عليه اللام؛ لأنك لا تُدخلها في ذا الموضع على الصفة فتقول: إن كان زيد للظريف عاقلا.
ولا يكون هو ولا نحن ها هنا صفة وفيهما اللام.
ومن ذلك قوله عز وجل: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم "، كأنه قال: ولا يحسبن الذين يبخلون البُخل هو خيرا لهم.
ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطَب بأنه البخل، لذكره يبخلون.
ومثل ذلك قول العرب: " مَنْ كَذَب كان شرَّا له "، يريد كان الكذب شرا له، إلا أنه استغنى بأن المخاطَب قد علم أنه الكذب، لقوله كذب في أول حديثه؛ فصار هو وأخواتُها هنا بمنزلة ما إذا كانت لغوا، في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله قبل أن تُذكَر.

واعلم أنها تكون في إن وأخوتها فصلا وفي الابتداء، ولكن ما بعدها مرفوع، لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل.
واعلم أن هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال ولم تدخله الألف واللام، فضارع زيدا وعمرا نحو خير منك ومثلك، وأفضل منك وشر منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة أو ما ضارعها، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها.
لو قلت: كان زيد هو منطلقاً، كان قبيحاً حتى تذكر الأسماء التي ذكرتُ لك من المعرفة أو ما ضارعها من النكرة مما لا يدخله الألف واللام.
وأما قوله عز وجل: " إنْ تَرَنِى أنَا أقلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً " فقد تكون أنا فصلا وصفة، وكذلك " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظمَ أجراً ". وقد جعل ناسٌ كثير من العرب هو وأخواتها في هذا الباب بمنزلة اسمٍ مبتدأ وما بعده مبني عليه، فكأنك تقول: أظن زيدا أبوه خيرٌ منه، ووجدتُ عمرا أخوه خيرٌ منه.
فمن ذلك أنه بلغنا أن رؤبة كان يقول: أظن زيدا هو خيرٌ منك.
وحدثنا عيسى أن ناساً كثيراً يقرؤونها:

" وَمَا ظَلَمنْاهُمْ وَلَكِنْ كَانوا هُمُ الظَّالِمُونَ ". وقال الشاعر، قيس بن ذريح: تُبَكّي على لُبنى وأنتَ تركتَها ... وكنتَ عليها بالمَلا أنتَ أقدرُ وكان أبو عمرو يقول: إن كان لهو العاقل.
وأما قولهم: " كلُّ مولود يُولَدُ على الفطرة، حتى يكون أبواه اللذان يهودانه وينصرانه "، ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان والنصب وجه واحد.
فأحد وجهى الرفع أن يكون المولود مضمَراً في يكون، والأبوان مبتدآن، وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه

اللذان يهودانه وينصرانه.
ومن ذلك قول الشاعر، رجل من بني عبس: إذا ما الَمرْءُ كانَ أبوه عَبْسٌ ... فحسبُك ما تريد إلَى الكَلامَ وقال آخر: متى ما يُفِد كسبًا يكنْ كلُ كسبه ... له مطعمٌ من صدرِ يومٍ ومأكلُ والوجه الآخر: أن تعمل يكون في الأبوين، ويكون هُما مبتدأ وما بعده خبرا له.
والنصب على أن تجعل هُما فصلا.
وإذا قلت: كان زيد أنت خيرٌ منه، وكنت أنا يومئذ خيرٌ منك فليس إلا الرفع؛ لأنك إنما تفصل بالذي تعنى به الأول إذا كان ما بعد الفصل هو الأول وكان خبره، ولا يكون الفصل ما تعنى به غيره.
ألا ترى أنك

لو أخرجت أنت لاستحال الكلام وتغير المعنى، وإذا اخرجت هو من قولك كان زيد هو خيرا منك لم يفسد المعنى.
وأما إذا كان ما بعد الفصل هو الأول قلت: هذا عبد الله هو خيرٌ منك، وضربتُ عبدَ الله هو قائمٌ، وما شأن عبد الله هو خيرٌ منك، فلا تكون هو وأخواتها فصلاً فيها وفي أشباهها ها هنا؛ لأن ما بعد الاسم ها هنا ليس بمنزلة ما يُبنى على المبتدإ، وإنما ينتصب على أنه حالٌ كما انتصب قائم في قولك: انظُر إليه قائما.
ألا ترى أنك لا تقول هذا زيد هو القائم، ولا ما شأنُك أنت الظريفُ.
أوَلا ترى أن هذا بمنزلة راكبٍ في قولك مر زيدٌ راكبا.
فليس هذا بالموضع الذي يحسن فيه أن يكون هو وأخواتها فصلا؛ لأن ما بعد الأسماء هنا لا يفسد تركُه الكلام، فيكون دليلا على أنه فيما تكلمه به، وإنما يكون هو فصلاً في هذه الحال.
؟

جارٍ التحميل