باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء
يضاف إليها أسماء الدهر.
وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيدٌ، وآتيك يوم يقول ذاك.
وقال الَّله عز وجل: " هذا يوم لا ينطقون " وهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ". وجاز هذا في الأزمنة واطرد فيها كما جاز للفعل أن يكون صفةً؛ وتوسَّعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم، فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو ابنٍ، وإنما أصله للفعل وتصريفه.
ومما يضاف إلى الفعل أيضاً قولك: ما رأيته منذ كان عندي.
ومذ جاءني ومنه أيضاً " آية ".
قال الأعشى:
بآيةِ تُقْدمون الخيلَ شُعْثاً ... كأنّ على سَنابِكِها مُدامَا
وقال يزيد بن عمرو بن الصعق:
ألا مَن مبلغٌ عنِّي تميماً ... بآيةِ ما تحبُّون الطعامَا
فما لغوٌ.
ومما يضاف إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، المعنى: لا أفعل بسلامتك، وذو مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله، كأنَّه قال: لا أفعل بذي سلامتك.
فذو ههنا الأمر الذي بسلّمك وصاحب سلامتك.
ولا يضاف إلى الفعل غير هذا كما أن لدن لا تنصب إلاَّ في غدوة.
واطَّردت الأفعال في آية اطّرد الأسماء في أتقول إذا قلت: أتقول زيداً منطلقاً، شبّهت بتطنّ.
وسألته عن قوله في الأزمنة كان ذاك زمن زيدٌ أمير؟ فقال: لمَّا كانت في معنى إذ أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعضٍ، كما يدخلون إذ على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيرونه، فشبَّهوا هذا بذلك.
ولا يجوز هذا في الأزمنة حتَّى تكون بمنزلة إذ.
فإن قلت: يكون هذا يوم زيدٌ أميرٌ، كان خطأ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب؛ لأنَّك لا تقول: يكون هذا إذا زيدٌ أميرٌ.
جملة هذا الباب أنَّ الزمان إذا كان ماضياً أضيف إلى الفعل، وإلى الابتداء والخبر؛ لأنَّه في معنى إذ، فأضيف إلى ما يضاف إليه إذ.
وإذا كان لما لم يقع لم يضف إلاَّ إلى الأفعال؛ لأنه في معنى إذا، وإذا هذه لا تضاف ألاَّ إلى الأفعال.
هذا باب إنَّ وأنَّ
أما أنَّ فهي اسم وما عملت فيه صلةٌ لها، كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون أن اسماً.
ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلقٌ، فأنك
في موضع اسم منصوبٌ كأنك قلت: قد عرفت ذاك.
وتقول: بلغني أنك منطلقٌ، فأنَّك في موضع اسم مرفوع، كأنك قلت: بلغني ذاك.
فأن الأسماء التي تعمل فيها صلةٌ لها، كما أن أنِ الأفعال التي تعمل فيها صلةٌ لها.
ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك، قولك: رأيت الضارب أباه زيدٌ، فالمفعول فيه لم يغيَّره عن أنه اسمٌ واحد، بمنزلة الرجل والفتى.
فهذا في هذا الموضع شبيهٌ بأن، إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، فهذا ليعلم أنَّ الشيء يكون كأنه من الحرف الأول وقد عمل فيه.
وأما إنَّ فإنَّما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في أنَّ، كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء، ولا تكون إن إلا مبتدأة، وذلك قولك: إن زيداً منطلقٌ، وإنك ذاهب.
هذا باب من أبواب أن
تقول: ظننت أنَّه منطلقٌ، فظننت عاملة، كأنّك قلت: ظننت ذاك.
وكذلك وددت ذاك.
وتقول: لولا أنَّه منطلقٌ لفعلت، فأنَّ مبنيَّة على لولا كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنه ذاهبٌ لكان خيراً له، فأنَّ مبنيَّة على لو كما كانت مبنيَّة على لولا، كأنك قلت: لو ذاك، ثم جعلت أنَّ وما بعدها في موضعه فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على لو غير أن، كما كان تسلم في قولك بذي تسلم في موضع اسم، ولكنَّهم لا يستعملون الاسم لأنّهم مما مستغنون بالشيء عن الشيء حتَّى يكون المستغنى عنه مسقطاً.
وقال الَّله عز وجل: " قل لو أنتم تملكون جزائن رحمة ربِّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ". وقال:
لو بغيرِ الماء حَلِقي شَرِقٌ
وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنَّ الَّله خلقني؟ فقال: أنَّ في موضع اسمٍ، كأنه قال: مذ ذاك.
وتقول: أما إنَّه ذاهبٌ، وأما أنه منطلقٌ، وإذا قال: أما إنه منطلقٌ، فسألت الخليل عن ذلك فقال: إذا قال: أما أنه منطلقٌ، فإنه يجعله كقولك: حقاً أنه منطلقٌ، وإذا قال: أما إنه منطلقٌ، فإنه بمنزلة قوله: ألا، كأنَّك قلت: ألا إنَّه ذاهبٌ.
وتقول: قد عرفت أنه ذاهبٌ ثم أنه معجل، ولأن الآخر شريك الأول في عرفت.
وتقول قد عرفت أنه ذاهبٌ ثم إني أخبرك أنه معجل، لأنك ابتدأت إني ولم تعجل الكلام على عرفت.
أما والَّله ذاهب أنه ذاهبٌ، كأنك قلت: قد علمت والَّله أنه ذاهبٌ.
وإذا قلت: أما والَّله إنه ذاهبٌ: كأنك قلت: ألا إنه والَّله ذاهبٌ.
وتقول: رأيته شاباً وإنه يفخر يومئذٍ، كأنك قلت: رأيته شاباً وهذه حاله.
تقول هذا بتداء ولم يجعل الكلام على رأيت.
وإن شئت حملت الكلام على الفعل ففتحت.
قال ساعدة بن جؤيَّة:
رأتهْ على شَيْبِ القَذالِ وأنْها ... تُوَاقِعُ بَعْلاً مَّرة وتئيمُ
وزعم أبو الخطَّاب: أنَّه سمع هذا البيت من أهله هكذا.
وسألته عن قوله عز وجل: " وما يشعركم إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون "، ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إنما قال: وما يشعركم، ثم ابتدأ فأوجب فقال: إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون.
ولو قال: وما يشعركم أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون، كان ذلك عذراً لهم.
وأهل المدينة يقولون " أنها ". فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السُّوق أنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلَّك، فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون.
وتقول: إنَّ لك هذا علي وأنَّك لا تؤذي، كأنك قلت: وإن لك أنَّك لا تؤذي.
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على إنَّ لك.
وقد قرئ هذا الحرف على وجهين، قال بعضهم: " وأنك لا تظمأ فيها ". وقال بعضهم: " وأنّك ".
واعلم أنه ليسس يحسن لأنَّ أن تلي إنَّ ولا أن كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداؤك الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء، والثقيلة تزول فتبدأه.
ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء.
واعلم أنه ليس يحسن أن تلي إن أنَّ ولا أنَّ إن.
ألا ترى أنك لا تقول إن أنك ذاهبٌ في الكتاب، ولا تقول قد عرفت أ، إنِّك منطلقٌ في الكتاب.
وإنما قبح هذا ههنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول أن تقول أنك منطلقٌ بلغني أو عرفت، لأنَّ الكلام بعد أن وإن غير مستغنٍ كما أن المبتدأ غير مستغن.
وإنما كرهوا ابتداء أن لئَّلا يشبِّهوها بالأسماء التي تعمل فيها إنَّ، ولئلا يشِّبهوها بأن الخفيفة، لأنَّ أن والفعل بمنزلة مصدر فعله الذي ينصبه، والمصادر تعمل فيها إن وأنَّ.
ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريفٌ، كأنه قال: قلت لمه قلت لأن ذاك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني تجد إذا ابتدأت كما تبتدىء أي أنا نجدٌ.
وإن شئت قلت أي أنِّى نجدٌ، كأنك قلت: أي لأني نجدٌ.
هذا باب آخر من أبواب أن
َّ
تقول: ذلك وأن لك عندي ما أحببت، وقال الَّله عز وجل: " ذلكم وأن الَّله موهن كيد الكافرين " وقال: " ذلكم فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النار "؛ وذلك لأنها شركت ذلك فيما حمل عليه، كأنه قال: الأمر ذلك وأن الَّله.
ولو جاءت مبتدأةً لجازت، يدلك على ذلك قوله عزَّ وجل: " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثمَّ بغي عليه لينصرنه الَّله.
فمن ليس محمولاً على ما حمل عليه ذلك فكذلك يجوز أن يكون إن منقطعةً من ذلك قال الأحوص:
عَوّدتُ قومي إذا ما لضيَّف نبَّهي ... عَقْرَ العِشارِ على عُسْرِي وإيساري
إنَّي إذا خَفِيَتْ نارٌ لمرملةٍ ... أُلْفَي بأَرْفعِ تلٍّ رافعاً ناري
ذاك وإنَّي على جاري لذو حدبٍ ... أَحْنو عليه بما يُحْنَى على الجارِ
فهذا لا يكون إلا مستأنفاً غير محمول على ما حمل عليه ذاك.
فهذا أيضاً يقوي ابتداء إن في الأول.
هذا باب آخر من أبواب أن
تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنَّما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:
وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكريمِ أّدِخاره ... وأُعْرِضُ عن ذَنْب الَّلئيم تكرُّمَا
أي: لادخاره.
وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربُّكم فاتقون "، فقال: إنَّما هو على حذف
اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتقون.
وقال: ونظيرها: " لإيلاف قريشٍ " لأنه إنما هو: لذلك " فليعبدوا ".
فإن حذفت اللام من أن فهو نصبٌ، كما أنَّك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً.
هذا قول الخليل.
ولو قرؤها: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيداً، وقد قرىء.
ولو قلت: جئتك إنَّك تحب المعروف، مبتدأ كان جيداً.
وقال سبحانه وتعالى: " فدعا ربه أنِّي مغلوبٌ فانتصر ". وقال: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أنَّي لكم نذير مبين "، إنما أراد بأنِّي مغلوبٌ، وبأنيِّ لكم نذيرٌ مبين، ولكنه حذف الباء.
وقال أيضاً: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحدا " بمنزلة: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة "، والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحداً.
وأما المفِّسرون فقالوا: على أوحي، كما كان " وأنه لما قام عبد الله يدعوه " على أوحي.
ولو قرئت: وإن المساجد لله كان حسناً.
واعلم أن هذا البيت ينشد على وجهين على إرادة اللام، وعلى الابتداء.
قال الفرزدق.
منعتٌ تميماً منك أنِّى أنا ابنُها ... وشاعرُها المعروفُ عند المَواسِمِ
وسمعنا من العرب من يقول: إنِّي أنا ابنها.
وتقول: لبيك إن الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت أن.
ولو قال إنسان: إن " أنَّ في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرفٌ كثر استعماله في كلامهم، فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم:
وبلدٍ تَحْسَبُه مَكْسُوحاً
لكان قولاً قوياً.
وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك والأول قول الخليل.
ويقوي ذلك قوله: " وأن المساجد لله "؛ لأنهم لا يقدِّمون أنّ
ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها.
إلا أنه يحتجُّ الخليل بأن المعنى معنى اللام.
فإذا كان الفعل أو غيره موصلاً إليه باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى، فاحتملوا هذا المعنى كما قال: حسبك ينم الناس؛ إذ كان فيه معنى الأمر.
وسترى مثله، ومنه ما قد مضى.
هذا باب إنَّما وأنَّما
اعلم أنَّ كلِّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنَّما، وما ابتدىء بعدها صلةُ لها كما أنّ الذي ابتدىْ بعد الذي صلة له.
ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملاً فيما بعده.
فمن ذلك قوله عز وجل: " قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحدٌ ". وقال الشاعر، ابن الإطنابة:
أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذِرَ النُّذور عليَّا
أنَّما تقتل النِّيام ولا تقت ... ل يقظان ذا سلاحٍ كميَّا
فإنما وقعت أنما ههنا لأنك لو قلت: أن إلهكم إلهٌ واحدٌ، وأنك تقتل النيام كان حسناً.
وإن شئت قلت: إنَّما تقتل النيام، على الابتداء.
زعم ذلك الخليل.
فأما إنَّما فلا تكون اسماً، وإنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغى، مثل: أشهد لزيد خير منك، لأنَّها تعمل فيما بعدها ولا تكون إلاَّ مبتدأة بمنزلة إذا، لا تعمل في شيء.
واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه أنَّ لا تكون فيه إنَّما إلاَّ مبتدأة وذلك قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل خنىً لم يجز ذلك، لأنَّك إذا قلت أرى أنه منطلقٌ فإنما وقع الرأي على شيء لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوها من الأسماء
فمن ثم لم يجز لأنك لو قلت وجدتك أنك صاحب كل خنى رأيتك أنك منطلقٌ، فإنما أدخلت إنَّما على كلامٍ مبتدإ؛ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كلِّ خىً، ثم أدخلت إنما على هذا الكلام، فصار كقولك: إنَّما أنت صاحب كل خنىً، لأنَّك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض.
ولم تضع إنَّما في موضع ذاك إذا قلت وجدتك ذاك، لأن ذاك هو الأول، وأنَّما وأنَّ إنما يصيِّران الكلام شأناً وحديثاً، فلا يكون الخبر ولا الحديث الرجل ولا زيداً، ولا أشباه ذلك من الأسماء.
وقال كثيَّر.
أراني ولا كُفْرَانَ لَّله إنَّما ... أواخي مِن الأقوامِ كلَّ بخيلٍ
لأنه لو قال: " أنَّى " ههنا كان غير جائز لما ذكرنا، فإنَّما ههنا بمنزلتها في قولك: زيدٌ إنما يواخي كلَّ بخيل.
وهو كلام مبتدأ، وإنَّما فى موضع خبره، كما أنك إذا قلت: كان زيدٌ أبوه منطلقٌ.
فهو مبتدأ وهو في موضع خبره.
وتقول: وجدت خبره أنَّما يجالس أهل الخبث؛ لأنك تقول: أرى أمره أنَّه يجالس أهل الخبث، فحسنت أنَّه ها هنا لأنّ الآخر هو الأوّل.