الكتاب لسيبويهباب تحقير المؤنَّث

باب تحقير المؤنَّث

اعلم أن كل مؤنَّث كان على ثلاثة أحرف فتحقيره بالهاء، وذلك قولك في قدمٍ: قديمةٌ، وفي يدٍ: يديَّة.
وزعم الخليل أنَّهم إنَّما أدخلوا الهاء ليفرقوا بين المؤنث والمذكر.
قلت: فما بال عناقٍ؟ قال: استثقلوا الهاء حين كثر العدد، فصارت القاف بمنزلة الهاء، فصارت فعيلةً في العدد والزنة، فاستثقلوا الهاء.
وكذلك جميع ما كان على أربعة أحرف فصاعدا.
قلت: فما بال سماءٍ، قالوا: سميَّة؟ قال: من قبل أنها تحذف

في التحقير، فيصير تحقيرها كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف، فلمَّا خفَّت صارت بمنزلة دلوٍ، كأنَّك حقَّرت شيئاً على ثلاثة أحرف.
فإن حقّرت امرأة سقَّاء قلت: سقيقيٌّ ولم تدخلها الهاء؛ لأنَّ الاسم قد تم.
وسألته عن الذين قالوا في حبارى: حبيِّرة فقال: لمَّا كانت فيه علامة التأنيث ثابتةً أرادوا أن لا يفارقها ذلك التحقير، وصاروا كأنَّهم حقروا حبارة.
وأمَّا الذين تركوا الهاء فقالوا: حذفنا الياء والبقية على أربعة أحرف، فكأنا حقرنا حبارٌ.
ومن قال في حبارى: حبيِّرة قال: في لغيزى: لغيغيزةٌ، وفي جميع ما كانت فيه الألف خامسة فصاعداً إذا كانت ألف تأنيث.
وسألته عن تحقير نصفٍ نعت امرأة فقال: تحقيرها نصيفٌ، وذاك لأنه مذكر وصف به مؤنث.
ألا ترى أنك تقول: هذا رجلٌ نصفٌ.
ومثل ذلك أنك تقول: هذه امرأةٌ رضىً، فإذا حقّرتها لم تدخل الهاء؛ لأنَّها وصفت بمذكر، وشاركت المذكّر في صفته لم تغلب عليه.
ألا ترى أنك لو رخمت الضامر لم تقل ضميرةٌ.

وتصديق ذلك فيما زعم الخليل قول العرب في الخلق: خليقٌ وإن عنوا المؤنَّث؛ لأنه مذكّر يوصف به المكّر، فشاركه فيه المؤنث.
وزعم الخليل أن الفرس كذلك.
وسألته عن الناب من الإبل فقال: إنما قالوا: نييبٌ؛ لأنَّهم جعلوا الناب الذكر اسماً لها حين طال نابها على نحو قولك للمرأة: إنَّما أنت بطينٌ ومثلها أنت عينهم فصار اسماً غالباً وزعم أن الحرف بتلك المنزلة، كأنَّه مصدر مذكر كالعدل، والعدل مذكر؛ وقد يقال: جاءت العدل المسلمة.
وكأنَّ الحرف صفةٌ، ولكنَّها أجريت مجرى الاسم، كما أجري الأبطح، والأبرق، والأجدل.
وإذا رخَّمت الحائض فهي كالضامر؛ لأنَّه إنما وقع وضفاً لشيء، والشَّيء مذكَّر.
وقد بيَّنا هذل فيما قبل.
قلت: فما بال المرأة إذا سمِّيت بحجر قلت: حجيرة؟ قال: لأن حجر قد صار اسماً لها علما وصار خالصاً؛ وليس بصفة ولا اسماً شاركت فيه مذكراً على معنىً واحد، ولم ترد أن تحقِّر الحجر، كما أنَّك أردت أن تحقِّر المذكر حين قلت: عديلٌ وقريشٌ؛ وإنَّما هذا كقولك للمرأة: ما أنت إلا رجيلٌ، وللرجل: ما أنت إلا مريَّة، فإنما حقَّرت الرجل والمرأة.
ولو سميت امرأة بفرسٍ لقلت: فريسة كما قلت: حجيرة، فإذا حقَّرت الناب والعدل وأشباههما، فإنَّك تحقِّر ذلك الشيء، والمعنى يدلُّ على ذلك،

وإذا سمَّيت رجلاً بعين أو أذنٍ فتحقيره بعينٍ أو أذنٍ فتحقيره بغير هاء، وتدع الهاء ههنا كما أدخلتها في حجرٍ اسم امرأة.
ويونس يدخل الهاء؛ ويحتجّ بأذينة، وإنما سمَّى بمحقَّر.

جارٍ التحميل