الكتاب لسيبويهباب ما يُختار فيه إعمالُ الفعل مما

باب ما يُختار فيه إعمالُ الفعل مما

يكون فى المبتدإ مبنياً عليه الفعلُ وذلك قولك: رأيتُ زيدا وعمراً كلَّمتهُ ورأيتُ عبد الله وزيداً مررتُ به، ولقيتُ قيسا وبكراً أخذْتُ أباه، ولقيتُ خالدا وزيدا اشتريتُ له ثوبا.
وإنَّما اختيرَ النصبُ ههنا لأنّ الاسم الأوّلَ مبنىٌّ على الفعل، فكان بناءُ الآخِرِ على الفعل أحسنَ عندهم إذ كان يُبْنَى على الفعل وليس قبله اسمٌ مبنىٌّ على الفعل، لَيجرىَ الآخِرُ على ما جَرَى عليه الذي يليه قبله، إذ كان

لا ينقض المعنى لو بنيتهَ على الفعل.
وهذا أولى أن يُحمَلَ عليه ما قَرُبَ جِوارهُ منه، إذ كانوا يقولون: ضربونى وضربتُ قومَك، لأنّه يليه، فكان أن يكونَ الكلامُ على وجهٍ واحدٍ - إذا كان لا يمتَنِعُ الآِخرُ من أن يكونَ مبنياً على ما بُنى عليه الأولُ - أقربَ فى المأْخَذ.
ومثلُ ذلك قوله عزَّ وجلَّ: " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ". وقوله عزَّ وجلَّ: " وَعَاداً وَثَمُوداً وَأَصْحَابَ الرَّسَّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً.
وكُلاَّ ضَرَبْنَا لهُ اْلأَمثَالَ ". ومثلُه: " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ". وهذا فى القرآن كثير.
ومثل ذلك: كنتُ أخاك وزيدا كنتُ له أخاً، لأنّ كنتُ أخاك بمنزلة ضربتُ أخاك.
وتقول: لستُ أخاك وزيدا أعنتُك عليه، لأنها فعلّ وتَصَرَّفُ فى معناها كتصرُّف كانَ.
وقال الشاعر، وهو الربيعُ بن ضَبُعٍ الفَزارِىُّ: أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السّلاحَ ولا ... أَملك رَأْسَ البعَيرِ إن نَفَرَا

والذّئْبَ أَخْشاه إن مررتُ به ... وَحْدِى وأَخْشَى الرياح والمطرا وقد يبتد أفيحمل على مثل ما يُحْمَلُ عليه وليس قبله منصوبَّ، وهو عربى جيدَّ.
وذلك قولك: لَقيتُ زيدا وعمروٌ كلَّمته، كأنَّك قلت: لقيتُ زيدا وعمروٌ أفضلُ منه.
فهذا لا يكون فيه إلا الرفع، لأنك لم تذكر فعلا.
فإذا جاز أن يكون فى المبتدإ بهذه المنزلة جاز أن يكون بين الكلامين.
وأقربُ منه إلى الرفع: عبد الله لقيت وعمرو لقيت أخاه، وخالدا رأيت وزيدٌ كلَّمت أباه.
هو ها هنا إلى الرفع أقربُ، كما كان فى الابتداء من النصب أَبعدَ.
وأما قوله عزَّ وجلَّ: " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم "، فإنما وجهوه على أنه يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ فى هذه الحال، كأنه قال: إذ طائفةٌ فى هذه الحال، فإنَّما جَعَلَه وقتاً ولم يُرِدْ أن يجعلها واوَ عطفٍ، وإنما هى واوُ الابتداء.
ومما يُختار فيه النصب لنصب الأوّل قوله: ما لقيتُ زيداً ولكن عمرا مررتُ به، وما رأيتُ زيدا بل خالدا لقيتُ اباه، تُجرِيه على قولك: لقيت زيداً وعمرا لم أَلْقَهُ، يَكون الآخِرُ فى أنه يُدْخِلُه فى الفعل بمنزلة هذا حيث

لم يُدخِله، لأن بل ولكن لا تَعملانِ شيئاً وتشركانِ الآِخرَ مع الأوّل، لأنّهما كالواو وثُمَّ والفاء، فأَجرهما مُجراهنّ فيما كان النصبُ فيه الوجهَ وفيما جاز فيه الرفعُ.

هذا باب يُحْمَلُ فيه الاسمُ

على اسمٍ بُنِىَ عليه الفعلُ مَرَّةً ويُحْمَلُ مَرَّةً أُخْرَى على اسمٍ مبنيّ على الفعل أىَّ ذلك فعلتَ جاز.
فإِن حمَلتَه على الاسم الذى بُنى عليه الفعلُ كان بمنزلته إذا بنيتَ عليه الفعل مبتدأ، يجوز فيه ما يجوز فيه، إذا قلتَ: زيدٌ لقيتهُ، وإن حَملته على الذى بُنَى على الفعل اختيرَ فيه النصبُ كما اختير فيما قبله، وجاز فيه ما جاز فى الذى قبله.
وذلك قولك: عمرو ولقيته وزيد كلمته، إن حملت الكلام على الأول.
وإن حملته على الآخر قلت: عمرو لقيته وزيداً كلمته.
ومثل ذلك قولك: زيد لقيت أباه وعمرا مررت به، إن حملته على الأب.
وإن حملته على الأول رفعت.
والدليلُ على أنّ الرفع والنصب جائز كلاهما، أنَّك تقول: زيدٌ لقيتُ أباه وعمراً، إن أردت أنَّك لقيتَ عمراً والأبَ.
وإن زعمتَ أنّك لقيتَ أبا عمرو ولم تَلْقَهُ رفعتَ.
ومثل ذلك: زيدٌ لقيتهُ وعمروٌ، إنْ شئت رفعتَ وإنْ شئتَ قلت: زيدٌ لقيتهُ وعمراً.
وتقول أيضاً: زيد ألقاه وعمراً وعمر.
فهذا يُقَوَّى أنكّ بالخيار فى الوجهَيْنِ.

وتقول: زيد ضربني وعمرو مررت به، إن حملتَه على زيد فهو مرفوعٌ لأنّه مبتدأ والفعلُ مبنىٌّ عليه، وإن حملتَه على المنصوب قلت زيدٌ ضربَنى وعمراً مررت به لأن هذا الإضمار بمنزلة الهاء فى ضربته.
فإِن قلت: ضربنى زيدٌ وعمراً مررت به، فالوجهُ النصبُ لأنّ زيدا ليس مبنياَّ عليه الفعل مبتدأ، وإنما هو ههنا بمنزلة التاء فى ضربتُه، وذكرتَ المفعولَ الذى يجوز فيه النصب فى الابتداء، فحملتَه على مثل ما حملت ما قبله وكان الوجهَ، إذ كان ذلك يكون فيه فى الابتداء.
وإذا قلتَ: مررتُ يزيد وعمراً مررتُ به، نصبتَ وكان الوجهَ، لأنّك بدأت بالفعل ولم تَبتدئ اسما تَبنيه عليه، ولكنّك قلت: فعلتُ ثم بنيتَ عليه المفعول وإن كان الفعلُ لا يَصِلُ إليه إلاَّ بحرف الإِضافة، فكأَنّك قلت: مررتُ زيدا.
ولولا أنّه كذلك ما كان وجهُ الكلام زيدا مررتَ به، وقمتُ وعمراً مررتُ به.
ونحوُ ذلك قولك: خَشّنْتُ بصدره فالصدرُ فى موضع نصب وقد عملت الباء.
و " كَفَى باِلله شَهِيداً بَيْنِى وبَيْنَكُمْ " إنّما هى كفى اللهُ، ولكنَّك لمّا أَدخلتَ الباءَ عَمِلَتْ، والموضُع موضعُ نصب وفى معنى النصب.
وهذا قولُ الخليل رحمه الله.

وإذا قلت: عبدُ الله مررتُ به أَجريتَ الاسم بعدَه مُجراه بَعْدَ: زيدٌ لقيتهُ، لأنّ مررتُ بعبدِ الله يُجرى مُجْرَى لقيتُ عبدَ الله.
وتقول: هذا ضاربٌ عبدَ الله وزيداً يَمُرُّ به إن حملتَه على المنصوب، فإِن حملته على المبتدإ وهو هذا رفعتَ.
فإِن أَلقيتَ النونَ وأنت تُريدُ معناها فهو بتلك المنزلة، وذلك قولك: هذا ضاربُ زيدٍ غداً وعمراً سيَضْرِبهُ.
ولولا أنّه كذلك لما قلتَ: أَزيداً أنت ضاربُه وما زيدا أنا ضاربهُ.
فهذا نحُو مررتُ بزيد، لأنًَّ معناه منَّوناً وغيرَ منوَّن سواءٌ، كما أنَّك إذا قلت: مررتُ بزيد فكأَنّك قلت: مررتُ زيدا.
وتقول: ضربتُ زيدا وعمراً أنا ضَاربُه، يُختارُ هذا كما يُختارُ فى الاستفهام.
وممّا يُختار فيه النصبُ قولُ الرجل: مَنْ رأَيتَ وأَيَّهم رأيتَ، فتقول: زيدا رأيتُه، تُنْزِله منزلة قولك: كلّمتُ عمرا وزيداً لقيتُه.
ألا ترى أن الرَّجُلَ يقول: مَنْْ رأيتَ فتقولُ: زيداً على كلامه فيَصيرُ هذا بمنزلة قولك رأيتُ زيدا وعمرا، يجرى على الفعل كما يجرى الآخِر على الأوّل بالواو.
ومثل ذلك قولك: أرأيتَ زيدا، فتقولُ لا ولكنْ عمراً مررتُ به.
ألاَ ترى أنّه لو قال لا ولكن عمراً، لَجَرى على أرأيتَ.
فإِن قال: من رأيتَه وأيُّهم رأيتَه فأجَبْْتَه قلتَ زيدٌ رأيتُه، إلاّ فى قول من قال زيدا رأيتُه فى الابتداء، لأنّ هذا كقولك: أيُّهم منطلقٌ ومَنْ رسولٌ؟ فيقول فلانٌ.
وإن قال: أعبدَ اللهِ مررتَ به أمْ زيداً قلت: زيداً مررتُ به، كما فعلتَ ذلك فى الأوّل.
فإِن قلت لا بل زيداً فانْصِبْ أيضاً كما تقول زيداً إذا قال من رأيت؟ لأنّ مررتُ به تفسيرهُ لقيتُه ونحوُها.

فإِنّما تَحْمِل الاسمَ على ما يَحْمِلُ السائلُ، كأنّهم قالوا: أيَّهم أَتَيْتَ؟ فقلتَ زيداً.
ولو قلت: مررتُ بعمروٍ وزيدا لكانَ عربيا، فكيف هذا؟ لأنّه فعِلٌ والمجرورُ فى موضع مفعولٍ منصوبٍ، ومعناه أتيتُ ونحوُها، تحمل الاسمُ إذا كان العاملُ الأوّلُ فعلا وكان المجرورُ فى موضع المنصوب على فعلٍ لا ينقض المعنى.
كما قال جرير: جِئْنِى بِمثلِ بنى بَدْرٍ لقومهم ... أو مثل أسرة منظورة بن سَيَّارِ ومثله قول العجّاج: يَذْهَبْنَ فى نَجْدٍ وغَوْراً غائراَ كأنه قال: ويَسلكن غورا غائرا، لأنّ معنى يَذْهَبْنَ فيه يسلكُن.
ولا يجوز أن تُضْمِرَ فعلاً لا يَصلُ إلاّ بحرف جرّ، لأنّ حرف الجرّ لا يُضْمَرُ، وسترى بيان ذلك.
ولو جاز ذلك لقلت زيدٍ تريد مُرَّ بزيد.

ومثل هذا وحوراً عيناً في قراءة أُبَىَّ بن كعبِ.
فإِنْ قلتَ: لقيتُ زيدا وأَماَّ عمروٌ فقد مررتُ به، ولقيتُ زيدا وإذا عبدُ الله يَضربهُ عمروٌ فالرفعُ، إلاّ فى قول من قال: زيداً رأيتهُ وزيدا مررتُ به، لأنَّ أَمَّا وإذا يُقطَعُ بهما الكلامُ، وهما من حروف الابتداء يَصرفانِ الكلامَ إلى الابتداء إلاّ أن يَدْخُلَ عليهما ما يَنْصِب، ولا يُحْمَلُ بواحدٍ منهما آخِرٌ على أوّلَ كما يُحْمَل بثُمَّ والفاءِ، ألا ترى أنهّم قرءُوا: " وأما ثمود فهديناهم " وقبله نصبٌ، وذلك لأنها تَصرِفُ الكلامَ إلى الابتداءِ، إلاّ أن يُوقَع بعدَها فعلٌ، نحو أمّا زيداً فضربتُ.
ولو قلت: إنَّ زيداً فيها أو إنّ فيها زيدا وعمروٌ أَدخلتُه أو دخلتُ به، رفعتهَ إلاَّ فى قول من قال: زيداً أدخلته وزيداً دخلت به، لأنّ إنّ ليس بفعل وإنّما هو مشبَّهٌ به.
ألا ترى أنّه لا يُضْمَرُ فيه فاعلٌ ولا يؤّخَّرُ فيه الاسمُ، وإنّما هو بمنزلة الفعل كما أن عشرين درهما وثلاثين رجلا بمنزلة ضارِبينَ عبدَ الله وليس بفعل ولا فاعل.

وكذلك ما أحسنَ عبدَ الله وزيدٌ قد رأيناه، فإِنما أجريتهَ - يُعنَى أحسن - فى الموضع مُجرَى الفعل في عمِله، وليس كالفعل ولم يجيء على أمثلته ولا على إضمارِه، ولا تقديمهِ ولا تأخيره ولا تصرُّفِه، وإنّما هو بمنزلة لَدُنْ غُدْوَةً وكمْ رَجُلاً، فقد عَمِلاَ عَمَلَ الفعل وليسا بفعل ولا فاعلٍ.
ومما يُختَار فيه النصبُ لنصبِ الأوّل ويكون الحرفُ الذى بين الأول والآخر بمنزلة الواو والفاءِ وثُمَّ قولك: لقيتُ القومَ كلَّهم حتَّى عبدَ الله لقيتُه، وضربتُ القوم حتّى زيداً ضربت أباه، وأتيت القوم أجمعين حتى زيدا مررت به، ومررت بالقوم حتى زيداً مررتُ به.
فحتّى تَجْرِى مَجْرى الواو وثُمّ، وليست بمنزلة أمّا لأنّها إنَّما تكون على الكلام الذى قبلها ولا تُبْتَدَأُ وتقول: رأيتُ القومَ حتّى عبدَ الله، وتسكتُ، فإِنّما معناه أنّك قد رأيت عبدَ الله مع القوم كما كان رأيتُ القومَ وعبدَ الله على ذلك.
وكذلك ضربتُ القومَ حتّى زيداً أنا ضاربُه.
وتقول: هذا ضاربُ القومِ حتّى زيدا يَضربه، إذا أردتَ معنى التنوين، فهى كالواو إلاّ أنّك تَجرّ بها إذا كانت غايةً والمجرورُ مفعولٌ كما أنَّك إذا قلت هذا ضاربُ زيدٍ غداً تجر بكفّ التنوين.
وهو مفعولٌ بمنزلته منصوباً منوّنا ما قبله.
ولو قلت: هَلَك القومُ حتّى زيداً أَهلكتهُ، أخْتِير النصبُ، ليُبنَى على الفعل كما بُنى ما قبله مرفوعا كان أو منصوبا، كما فُعِل ذلك بعد ما بُنى على الفعل وهو مجرور.

فإن قلت: إنما هو لنصب اللفظ، فلا تنصبْ بعد مررتْ بزيد وانصِبْ بعد إنَّ فيها زيدا.
وإن كان الأوّل لأنّه فى معنى الحديث مفعولٌ، فلا ترفَعْ بعد عبِد الله إذا قلت عبدُ الله ضربتُه إذا كان بعده: وزيداً مررت به.
وقد يحسُنُ الجرُّ فى هذا كلَّه، وهو عربىّ.
وذلك قولك لقيت القوم حتى عبد الله لقيته، فإِنَّما جاء بلقيتهُ توكيداً بعد أنْ جعله غايةً، كما تقول مررتُ بزيدٍ وعبدِ الله مررتُ به.
قال الشاعر وهو ابن مروان النحوى: أُلْقَى الصَّحِيفةَ كَىْ يُخَفَّفَ رَحْلَهُ ... والزَّادَ حتّى نَعْلِهِ، أَلقَاهَا والرفعُ جائزٌ كما جاز فى الواو وثّم، وذلك قولُك لقيتُ القومَ حتى عبد الله لقيته، كأنك لقيتُ القومَ حتّى زيدٌ مَلْقِىٌّ، وسَرّحتُ القومَ حتّى زيدٌ مسرَّحٌ، وهذا لا يكون فيه إلا الرفع، لأنك لم تذكر فعلا، فإذا كان فى الابتداء زيدٌ لقيتُه بمنزلة زيدٌ منطلق جاز ههنا الرفع.

جارٍ التحميل