باب التضعيف
اعلم أن التضعيف يثقل على ألسنتهم، وأن اختلاف الحروف أخف عليهم من أن يكون من موضع واحد.
ألا ترى أنهم لم يجيئوا بشيءٍ من الثلاثة على مثال الخمسة نحو ضرببٍن ولم يجيء فعللٌ ولا فعللٌ إلا قليلا، ولم يبنوهن على فعالل كراهية التضعيف، وذلك لأنه يثقل عليهم أن يستعملوا ألسنتهم من موضع واحد ثم يعودوا له، فلما صار ذلك تعباً عليهم أن يداركوا في موضع واحد ولا تكون مهلةٌ، كرهوه وأدغموا، لتكون رفعةً واحدة، وكان أخف على ألسنتهم مما ذكرت لك.
أما ما كانت عينه ولامه من موضعٍ واحد فإذا تحركت اللام منه وهو فعلٌ ألزموه الإدغام، وأسكنوا العين.
فهذا متلئبٌّ في لغة تميم وأهل الحجاز.
فإن أسكنت اللام فإن أهل الحجاز يجرونه على الأصل، لأنه لا يسكن حرفان.
وأما بنو تميم فيسكنون الأول ويحركون الآخر ليرفعوا ألسنتهم رفعة واحدة وصار تحريك الآخر على الأصل، لئلا يسكن حرفان، بمنزلة إخراج الآخرين على الأصل لئلا يسكنا، وقد بينا اختلاف لغات أهل الحجاز وبني تميم في ذلك واتفاقهم، واختلاف بني تميم في تحريك الآخر ومن قال بقولهم، فيما مضى في الأفعال ببيانه.
وإنما أكتب لك ههنا ما لم أذكره فيما مضى ببيانه.
فإن قيل: ما بالهم قالوا في فعل ردد فأجروه على الأصل؟ فلأنهم لو أسكنوا صاروا إلى مثل ذلك إذ قالوا ردد، فلما كان يلزمهم ذلك التضعيف كان الترك على الأصل أولى، ومع هذا أن العين الأولى تكون أبداً ساكنة في الاسم والفعل، فكرهوا تحريكها.
وليست بمنزلة أفعل واستفعل ونحو ذلك، لأن الفاء تحرك وبعدها العين، ولا تحرك العين وبعدها العين أبداً.
واعلم أن كل شيء من الأسماء جاوز ثلاثة أحرف فإنه يجري مجرى الفعل الذي يكون على أربعة أحرف إن كان يكون ذلك اللفظ فعلاً، أو كان على مثال الفعل ولا يكون فعلاً، أو كان على غير واحدٍ من هذين، لأن فيه من الاستثقال مثل ما في الفعل.
فإن كان الذي قبل ما سكن ساكناً حركته وألقيت عليه حركة المسكن.
وذلك قولك: مستردٌّ ومستعدٌّ وممدٌّ وممدٌّ ومستعدٌّ، وإنما الأصل مستعددٌ وممددٌ ومستعددٌ.
وكذلك مدقٌّ والأصل مدققٌ، ومردٌّ وأصله مرددٌ.
وإن كان الذي قبل المسكن متحركاً تركته على حركته.
وذلك
قولك مرتدٌّ، وأصله مرتددٌ، كانت حركته أولى فتركته على حركته إذ لم تضطر إلى تحريكه.
وإن كانت قبل المسكنة ألفٌ لم تغير الألف، واحتملت ذلك الألف لأنها حرف مدٍّ، وذلك قولك: رادوا ومادوا، والجادة، فصارت بمنزلة متحرك.
وأما ما يكون أفعل فنحو ألد وأشد، وإنما الأصل ألدد وأشدد، ولكنهم ألقوا عليها حركة المسكن وأجريت هذه الأسماء مجرى الأفعال في تحريك الساكن وإلزام الإدغام وترك المتحرك الذي قبل المدغم، وترك الألف التي قبل المدغم.
ولا تجرى ما بعد الألف مجرى ما بعد الألف في يضربانني إذا ثنيت، لأن هذه النون الأولى قد تفارقها الآخرة، وهذه الدال الأولى التي في رادٍ لا تفارقها الآخرة، فما يستثقلون لازمٌ للحرف.
ولا يكون اعتلالٌ إذا فصل بين الحرفين، وذلك نحو الإمداد والمقداد وأشباههما.
فأما ما جاء على ثلاثة أحرف لا يزادة فيه فإن كان يكون فعلاً فهو بمنزلته وهو فعلٌ، وذلك قولك في فعلٍ صبٌّ زعم الخليل أنها فعلٌ لأنك تقول صببت صبابةً كما تقول: قنعت قناعةً وقنعٌ.
ومثله رجلٌ طبٌّ وطبيبٌ، كما تقول قرحٌ وقريحٌ، ومذلٌ ومذيلٌ.
ويدلك على أن فعلاً مدغم أنك لم تجد في الكلام مثل طببٍ على أصله.
وكذلك رجلٌ خافٌ.
وكذلك فعلٌ أجري هذا مجرى الثلاثة من باب قلت على الفعل، حيث قالوا في فعل وفعل قال وخاف، ولم يفرقوا بين هذا والفعل كما فرقوا بينهما في أفعل، لأنهما على الأصل فجعلوا أمرهما واحداً حيث لم يجاوزوا الأصل.
فكما لم يحدث عددٌ غير ذلك كذلك لم يحدث خلافٌ.
ألا ترى أنهم أجروا فعلاً اسماً من التضعيف على الأصل، وألزموه ذلك؛ إذ كانوا يجرونه على الأصل فيما لا يصح فعله في فعلت من بنات الواو ولا في موضع جزمٍ كما لا يصح المضاعف.
وذلك نحو: الخونة؛ والحوكة؛ والقود.
وذلك نحو شررٍ ومددٍ.
ولم يفعلوا ذلك في فعلٍ لأنه لا يخرج على الأصل في باب قلت، لأن الضمة في المعتل أثقل عليهم.
ألا ترى أنك لا تكاد تجد فعلاً في التضعيف ولا فعلاً؛ لأنها ليست تكثر كثرة فعلٍ في باب قلت، ولأن الكسرة أثقل من الفتحة، فكرهوها في المعتل.
ألا تراهم يقولون فخذٌ ساكنةً وعضدٌ، ولا يقولون جملٌ.
فهم لها في التضعيف أكره.
وقد قال قوم في فعلٍ فأجروه على الأصل، إذ كان قد يصح في باب قلت وكانت الكسرة نحو الألف.
وذلك قولهم: رجلٌ ضففٌ وقومٌ ضففو الحال.
فأما الوجه فرجلٌ ضفٌّ وقومٌ ضفو الحال.
وأما ما كان على ثلاثة أحرف وليس يكون فعلاً فعلى الأصل كما يكون ذلك في باب قلت، ليفرق بينهما كما فرق بين أفعل اسماً وفعلاً من باب قلت.
فمن ذلك قولك في فعلٍ: دررٌ، وقددٌ، وكللٌ، وشددٌ.
وفي فعلٍ: سررٌ، وخززٌ، وقذذ السهم، وسددٌ، وظللٌ، وقللٌ.
وفي فعلٍ: سررٌ، وحضضٌ، ومددٌ، وبللةٌ، وشددٌ، وسننٌ.
وقد قالوا عميمةٌ وعمٌّ، فألزموها التخفيف، إذ كانوا يخففون غير المعتل كما قالوا بونٌ في جمع بوان.
ومن ذلك ثنىٌ فألزموها التخفيف.
ومن قال في صيد صيدٌ قال في سررٍ سرٌّ فخفف.
ولا يستنكر في عميمةٍ عممٌ.
فأما الثني ونحوه فالتخفيف، لم يستعملوا في كلامهم الياء والواو لامات في باب فعلٍ، واحتمل هذا في الثلاثة أيضاً لخفتها، وأنها أقل الأصول عددا.