باب علامة المضمرين المنصوبين
اعلم أن علامة المضمرين المنصوبين إيَّا ما لم تقدَر على الكاف التي في رأيتك، وكُما التي في رأيتُكما، وكُم التي في رأيتكم، وكُنّ التي في رأيتكن، والهاء التي في رأيته، والهاء التي في رأيتها، وهُما التي في رأيتهما، وهُم التي في رأيتهم، وهن التي في رأيتهن، ونى التي في رأيتني، ونا التي في رأيتنا.
فإن قدرت على شيء من هذه الحروف في موضع لم تُوقع إيا ذلك الموضع
لأنهم استغنوا بها عن إيا، كما استغنوا بالتاء وأخواتها في الرفع عن أنت وأخواتها.
؟ باب استعمالهم إيا
إذا لم تقع مواقع الحروف التي ذكرنا
فمن ذلك قولهم: إياك رأيتُ وإياك أعني، فإنما استعلمت إياك ها هنا من قبل أنك لا تقدر على الكاف.
وقال الله عز وجل: " وإنا أو إياكم لعلى هُدى أو في ضَلال مُبين " من قبل أنك لا تقدر على كُم ههنا.
وتقول: إنى وإياك منطلقان، لأنك لا تقدر على الكاف.
ونظير ذلك قوله تعالى جده: " ضل من تدعون إلا إياه ".
فلو قدرتَ على الهاء التي في رأيته لم تقل إياه.
وقال الشاعر:
مُبَرّأٌ من عُيوبِ الناس كلِّهمِ ... فاللهُ يَرْعَى أبا حربٍ وإيَّانَا
لأنه لا يقدر على نا التي في رأيتَنا.
وقال الآخر:
لعمُرك ما خشيتُ على عدىٍّ ... سيوفَ بني مقيِّدة الحمارِ
ولكنّي خشيتُ على عدىٍّ سيوفَ القوم أو إيَّاك حارِ
ويُروى: رماح القوم؛ لأنه لم يقدر على الكاف.
وتقول: إن إياك رأيتُ، كما تقول إياك رأيت؛ من قبل أنك إذا قلت إن أفضلهم لقيتُ فأفضلَهم منتصب بلقيت.
فإن قلت: إن أفضلهم لقيت، فنصبت أفضلهم بإن فهو قبيح حتى تقول لقيتُه، وقد بُيّن وجه ذلك، وقد بيناه في باب إن وأخواتها، واستُعملت إياك لقبح الكاف والهاء ها هنا.
وتقول: عجبتُ من ضربي إياك.
فإن قلت: لِمَ وقد تقع الكاف ها هنا وأخواتها، تقول عجبتُ من ضربيكَ ومن ضربيه ومن ضربيكم؟ فالعرب قد تكلم بهذا، وليس بالكثير.
ولم تستحكم علامات الإضمار التي لا تقع إيا مواقعها كما استحكمت في الفعل، لا يقال عجبت من ضربكَني إن بدأت به قبل المتكلم، ولا من ضربهيك إن بدأت بالبعيد قبل القريب.
فلما قبُح هذا عندهم ولم تستحكم هذه الحروف عندهم في هذا الموضع صارت إيا عندهم في هذا الموضع لذلك بمنزلتها في الموضع الذي لا يقع فيه شيء من هذه الحروف.
ومثل ذلك: كان إياه، لأن كانَه قليلة، ولم تستحكم هذه الحروف ها هنا، لا تقول كأنني وليسني، ولا كانَك.
فصارت إيّا ههنا بمنزلتا في ضربي إياك.
وتقول: أتوني ليس إياك ولا يكون إياه؛ لأنك لا تقدر على الكاف ولا الهاء ها هنا، فصارت إيا بدلا من الكاف والهاء في هذا الموضع.
قال الشاعر:
لَيْتَ هذا الليلَ شهرٌ ... لا نرى فيه عَريبا
ليس إيَّاىَ وإيّا ... كَ ولا نَخْشَى رقيبَا
وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني وكذلك كانني.
وتقول: عجبتُ من ضَرب زيد أنت، ومن ضربك هو، إذا جعلت زيدا مفعولا، وجعلت المضمَر الذي علامته الكاف فاعلا فجاز أنت ههنا للفاعل كما جاز إيا للمفعول، لأن إيا وأنت علامتا الإضمار، وامتناع التاء يقوى دخولَ أنت ههنا.
وتقول: قد جرّبتُك فوجدتُك أنت أنت، فأنتَ الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كأنك قلت فوجدتُك وجهُك طليق.
والمعنى أنك أردت أن تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف.
ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلتَ هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد والجَلْد، كما تقول: الناس الناس، أي الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف.
وإن شئت قلت: قد وليتَ عملا فكنتَ أنت إياك، وقد جرّبتُك فوجدتُك أنت إياك، جعلتَ أنت صفة وجعلت إياك بمنزلة الظريف إذا
قلت: فوجدتُك أنت الظريف.
والمعنى أنك أردت أن تقول وجدتُك كما كنتُ أعرف.
وهذا كله قول الخليل رحمه الله، سمعناه منه.
وتقول: أنت أنت، تكررها، كما تقول للرجل أنت وتسكت، على حد قولك: قال الناس زيد.
وعلى هذا الحد تقول: قد جُرّبْتَ فكنتَ كنت، إذا كررتها توكيدا، وإن شئت جعلت كنتَ صفة، لأنك قد تقول: قد جُرّبت فكنت، ثم تسكت.
؟