الكتاب لسيبويهبابُ ما يخُتارُ فيه النصبُ وليس قبلَه منصوبٌ

بابُ ما يخُتارُ فيه النصبُ وليس قبلَه منصوبٌ

بُنىَ على الفعل، وهو بابُ الاستفهام وذلك أنّ من الحُروفِ حُروفاً لا يُذْكَرُ بعدها إلاّ الفعلُ ولا يكون الذى يَليها غيره، مظهراً أو مضمراً.
فما لا يليه الفعلُ إلاّ مظهراً: قَدْ، وسَوْفَ، ولَمَّا، ونحوُهنَّ.
فإِن اضطُرّ شاعرٌ فقَدّم الاسمَ وقد أوقع الفعل على شيء من سببه لم يكن حدُّ الإِعراب إلاَّ النَّصبَ، وذلك نحوُ لم زَيدا أَضرِبْهُ، " إذا اضطُرّ شاعرٌ فقدَّم لم يكن إلاّ النصبُ في زيد ليس غير، ولو كان فى شعرٍ "، لأنّه يُضمِرُ الفعلَ إذا كان ليس ممّا يليه الاسمُ، كما فعلوا ذلك فى مواضع ستراها إن شاء الله.
وأمّا ما يجوز فيه الفعلُ مضمرا ومظهرا، مقدّما ومؤخَّرا، ولا يستقيم أن يُبْتَدَأ بعده الأسماء، فهَلاَّ ولوْلا ولَوْمَا وأَلاّ، لو قلت: هَلاَّ زيداً ضربتَ ولولا زيداً ضربتَ وألاّ زيداً قتلتَ جاز.
ولو قلتَ: ألاّ زيدا وهلا زيدا على إضمار الفعل ولا تذكُره جاز.
وإنّما جاز ذلك لأنَّ فيه معنى التحضيض والأمر، فجاز فيه ما يجوز فى ذلك.
ولو قلتَ: سَوْفَ زيدا أضربُ لم يحسُنْ، أو قد زيدا لقيتُ لم يحسُنْ، لأنّها إنما وُضِعَتْ للأفعال، إلاّ أنّه جاز فى تلك الأحرف التأْخيرُ والإضمارُ، لما

فابتدءوا بعدها الأسماء والأصلُ غيرُ ذلك، ألا ترى أنّهم يقولون: هَلْ زيدٌ منطلقٌ، وهل زيدٌ فى الدار، " وكيف زيدٌ آخِذٌ ". فإِن قلت: هل زيداً رأيتَ وهل زيدٌ ذهب قَبُحَ ولم يجُزْ إلاّ فى الشعر، لأنّه لمّا اجتمع الاسمٌ والفعلُ حملوه على الأصل فإِن اضطُرَّ شاعرٌ فقدّم الاسمَ نصبَ كما كنتَ فاعلاً ذلك بقَدْ ونحوِها.
وهو فى هذه أحسنُ، لأنّهُ يبتدأُ بعدها الأسماءُ.
وإنَّما فعلوا ذلك بالاستفهام لأنه كالأمر فى أَنّه غيّرْ واجبٍ، وأنه يريد " به " من المخاطّبِ أمراً لم يَسْْتقِرَّ عند السائل.
ألا ترى أن جوابه جزم فلهذا اختير النصبُ وكَرِهُوا تقديمَ الاسم، لأنّها حروفٌ ضارَعَتْ بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابُها كجوابه وقد يَصير معنى حديثها إليه.
وهى غيرُ واجبهٍ كالجزاء، فقَبُحَ تقديمُ الاسم " لهذا ". ألا ترى أنّك إذا قلت: أَيْنَ عبدُ الله آتهِ، فكأَنكّ قلتَ: حيثُما يَكُنُ آتِه.
وأمّا الألفُ فتقديمُ الاسم فيها قبل الفعل جائزٌ كما جاز ذلك فى هَلاّ، " وذلك " لأنّها حرفُ الاستفهام الذى لا يزول " عنه " إلى غيره، وليس للاستفهام فى الأصل غيُره.
وإنّما تركوا الألفُ فى مَنْ، ومتَى، وهَلْ، وهنحوهن حيث أمنوا الالتباس، ألا ترى أنك تدخلهاعلى مَنْ إذا تمَّتْ بصلتها، كقول الله عزّ وجلّ: " أَفَمَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَاتِى آمِناً يَوْمَ الْقِيَامِة ". وتقول:

أَمْ هَلْ، فإِنّما هى بمنزلة قد، ولكنّهم تركوا الألفَ استغناء، إذ كان هذا " الكلامُ " لا يقَعُ إلاّ فى الاستفهام.
وسوف تراه إن شاء الله متبيّنا أيضاً.
فهى ههنا بمنزلة إن فى باب الجزاء، فجاز تقديمُ الاسمِ فيها، كما جاز فى قولك: إنِ شاء اللهُ أَمْكَنَنى من فلانٍ فعلتُ " كذا وكذا ". ويُختار فيها النصبُ، لأنّك تُضْمِرُ الفعلَ فيها، لأنّ الفعَل أولَى إذا اجتمع هو والاسمُ.
وكذلك كنت فاعلاً فى إن، لأنّها إنّما هى للفِعْلِ.
وسترى بيان ذلك إن شاء الله.
فالألفُ إذا كان معها فعلٌ، بمنزلة لولا وهلاّ، إلاّ أنَّك إن شئت رفعتَ فيها، وهو فى الألِف أمثلُ منه فى متى ونحوها، لأنه ق صار فيها مع أنك تبتدي بعدها الأسماء أنّك تُقَدَّمُ الاسمَ قبل الفعل، والرفُع فيها على الجواز.
ولا يجوز ذلك فى هَلاّ ولولا، لأنّه لا يُبتدأُ بعدهما الأسماءُ.
وليس جوازُ الرفع فى الألف مثلَ جواز الرفع فى ضربتُ زيدا وعمراً كلمتهُ، لأنه ليس هاهنا حرف هو بالفعل أولى، وإنما اختير هذا على الجواز، وليكونَ معنىً واحداً،

فهذا أقوى.
والذى يُشْبِههُ من حروف الاستفهام الألف.
" واعلم أ، حروف الاستفهام كلَّها يقبح أن يصيرّ بعدها الاسمُ إذا كان الفعل بعد الاسم: لو قلت: هل زيدٌ قام وأينَ زيدٌ ضربتَه، لم يجز إلاَّ فى الشعر، فإذا جاء فى الشعر نصبتَه، إلاَّ الألفَ فإِنه يجوز فيها الرفع والنصب، لأن الألف قد يُبتدأ بعدها الاسمُ.
فإِن جئت فى سائر حروف الاستفهام باسم وبعد ذلك الاسمِ اسمٌ من فِعْلٍ نحُو ضارب، جاز فى الكلام، ولا يجوز فيه النصب إلاّ فى الشعر، لو قلت: هل زيدٌ أنا ضاربُه لكان جيَّدا فى الكلام، لأن ضارباً اسمٌ وإن كان فى معنى الفعل.
ويجوز النصب فى الشعر ".

هذا باب ما ينصب فى الألف

تقول: أَعبدَ الله ضربتَه، وأزيداً مررتَ به، وأعمرا قتلتَ أخاه، وأعمراً اشتريتَ له ثوبا.
ففى كلّ هذا قد أضمرتَ بين الألف والاسم فعلا هذا تفسيرُه، كما فعلتَ ذلك فيما نصبتَه فى هذه الأحرف فى غير الاستفهام.
قال جرير:

أَثَعْلَبةَ الفَوارِسَ أم رِيَاحاً ... عدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشَابَا فإِذا أوقعتَ عليه " الفعلَ " أو على شيء من سببه نصبتهَ، وتفسيرُه ههنا هو التفسيرُ الذى فُسَّرَ فى الابتداء: أنّك تُضمِر فِعلاً هذا تفسيرهُ.
إلاَّ أنّ النصب هو الذى يُختار ههنا، وهو حدُّ الكلام.
وأمّا الانتصابُ ثَمَّ وها هنا فمن وجهٍ واحدٍ.
ومثلُ ذلك أَعبدَ الله كنتَ مِثلَه، لأنَّ كنتَ فعلٌ والِمثلُ مضافٌ إليه وهو منصوبٌ.
ومثلُه أزيداً لستَ مثلَه، لأنّه فعلٌ، فصار بمنزلة قولك أزيداً لقيتَ أخاه.
وهو قول الخليل.
ومثلُ ذلك: ما أَدْرِى أَزيداً مررتُ به أم عمراً، وما أُبالِى أعبدَ الله لقيتُ أخاه أم عمراً، لأنه حرفُ الاستفهام، وهى تلك الألفُ التى فى قولك أزيداً لقيتَه أم عمرا.
وتقول: أعبدُ الله ضَرَبَ أخوه زيداً، لا يكون إلاّ الرفعُ، لأنَّ الذى من سبب عبِد الله " مرفوعٌ " فاعِل، والذى ليس من سببه مفعولٌ، فيرَتفع إذا ارتَفع الذى من سببه، كما ينتَصب إذا انتصَب، ويكون المضمرُ ما يَرْفَعُ كما

أضمرتَ فى الأوّل ما يَنْصِب، فإِنما جُعِلَ هذا المظهر بينا ما هو مثلُه.
فإِن جعلتَ زيدا الفاعِلَ قلت: أعبدَ الله ضربَ أخاه زيدٌ.
وتقول: أَعبدُ الله ضرب أخوه غلامَه إذا جعلت الغلامَ فى موضع زيد حين قلت أعبدُ الله ضرب أخوه زيدا، فيصيرُ هذا تفسيرا لشيء رَفَعَ عبدَ الله لأنّه يكون مُوقِعا الفعلَ بما يكون من سببه كما يوقِعُه بما ليس من سببه، كأنّه قال فى التمثيل وإن كان لا يُتكلَّمُ به: أَعبدُ الله أَهانَ غلامَه أو عاقبَ غلامَه، أو صار فى هذه الحال " عند السائل وإن لم يكن " ثُم فسَّر.
وإن جعلتَ الغلامَ فى موضع زيدٍ حين رفعتَ زيداً نصبتَ فقلت: أعبدَ الله ضَرَبَ أخاه غلامُه، كأنه جعله تفسيراً لفعلٍ غلامُهُ أوقعَهُ عليه، لأنّه قد يوُقع الفعلَ عليه ما هو من سببه كما يوقِعُه هو على ما هو من سببه، وذلك قولك: أعبدُ الله ضربَ أباه، وأعبدَ الله ضَرَبَهُ أبوه، فجرى مجرى أعبدُ الله هو ضرب زيداً، وأعبد ضَرَبه زيدٌ، كأنه فى التمثيل تفسيرٌ لقوله: أعبدَ الله أهانَ أباهُ غلامُه، وأعبدَ الله ضربَ أخاه غلامُه.
ولا عليك أقدّمتَ الأخَ أمْ أخَّرتَه، أمْ قدّمت الغلام أمْ أخَّرته، أيهما ما جعلتَه كزيدٍ مفعولا فالأوّل رفعٌ.
وإن جعلتَه كزيد فاعِلا فالأوّلُ نصبٌ.
وتقول: آلسَّوْطَ ضُرِبَ به زيدٌ، وهو كقولك: آلسّْوطَ ضُربتَ به.
وكذلك آلخِوانَ أُكِلَ اللحمُ عليه، و " كذلك " أزيداً سُمّيتَ به أو سُمَّى به

عمروٌ، لأنّ هذا فى موضع نصب، وإنّما تعتَبره أنك لو قلت: آلّسّوْطَ ضُربْتَ فكان هذا كلاماً، أو آلِخوانَ أُكِلْتَ، لم يكن إلاَّ نصبا، " كما أنك لو قلت: أزيداً مررتَ فكان كلاماً لم يكن إلاَّ نصبا ". فمن ثُّمَّ جُعِل هذا الفعلُ الذى لا يَظهر تفسيُره تفسيرَ ما يَنْصِب.
فاعتَبِرْ ما أشْكَلَ عليك من هذا بذا.
فإِن قلت: أزيدٌ ذهب به أو أزيد انطلِقَ به، لم يكن إلاّ رفعاً، لأنك لو لم تقل " به " فكان كلاماً لم يكن إلا رفعا، كما قلت: أزيد ذهب أخوه، لأنك لو قلت: أزيد ذهب لم يكن إلا رفعا.
وتقول: أزيداً ضَربتَ أخاه، لأنكَ لو ألقيت الأخَ قلت: أزيداً ضربتَ.
فاعتبِرْ هذا بهذا، ثم اجعَلْ كلَّ واحدٍ جئتَ به تفسيرَ " ما هو " مثلُه.
واليومُ والظروفُ بمنزلة زيدٍ وعبدِ الله، إذا لم يكنَّ ظروفا، وذلك " قولك ": أَيَوْمَ الجُمُعَةِ يَنطلِقُ فيه عبدُ الله، كقولك: أعمراً تكلَّمَ فيه عبدُ الله، وأيومُ الجمعة يُنْطَلَقُ فيه، كقولك: أزيدٌ يُذْهَبُ به.
وتقول: أَأَنت عبدُ الله ضربتَه، تُجْرِيه هاهنا مُجرى أنا زيدٌ ضربتُه، لأنّ الذى يَلِى حرفَ الاستفهام أَنْتَ ثمّ ابتدأتَ هذا وليس قبله حرف استفهام ولا شيء هو بالفعل وتقديمِه أَوْلى.
إلاّ أنك إن شئت نصبته كما تنصب زيداً ضربتُه، فهو عربىٌّ جَيّدٌ، وأمرهُ " ها " هنا على قولك: زيدٌ ضربتهُ.
فإِن قلت: أَكُلَّ يوم زيدا تَضرِبُه فهو نصبٌ، كقولك: أزيداً تضربه

كلَّ يوم، لأنَّ الظرف لا يَفصلِ فى قولك: ما اليومَ زيدٌ ذاهباً، وإنّ اليومَ عمراً منطلق، فلا يحجز هاهنا كما لا يحَجُزُ ثَمَّةََ.
وتقول: أعبدُ الله أخوه تَضربه، كما تقول: أَأَنت زيدٌ ضربتَه، لأن الاسم هاهنا بمنزلة مبتدأ ليس قبله شيء.
وإن نصبته على قولك: زيدا تضربه قلت: أزيداً أخاه تضربُه، لأنك نصبت الذى من سببه بفعل هذا تفسيره.
ومن " قال: زيدا ضربته " قال: أزيداً أخاه تضربه، فإِنما نصب زيداً لأنَّ ألف الاستفهام وقعت عليه، والذى من سببه منصوبٌ.
وقد يجوز الرفع فى أعبدُ الله مررتَ به، على ما ذكرت لك، وأعبدُ الله ضربتَ أخاه.
" وأما قولك: أزيدا مررتبه فبمنزلة قولك: أزيدا ضربتَهُ ". والرفع فى هذا أقوى منه فى أعبدُ الله ضربتَه، وهو أيضاً قد يجوز إذا جاز هذا كما كان " ذلك فيما " قبله من الابتداء، وما جاء بعدَ ما بُنى على الفعل.
وذلك أنه ابتدأَ عبدَ الله وجعل الفعلَ فى موضع

المبنىّ عليه، فكأَنه قال: أعبدُ الله أخوك.
فمن زعم أنّه إذا قال: أزيداً مررت به إنما ينصبه بهذا الفعل فهو ينبغى له أن يَجَّره، لأنّه لا يَصل إلا بحرف إضافة.
وإذا أعملتِ العربُ شيئاً مضمراً لم يَخرج عن عمله مظهراً فى الجر والنصب والرفع؛ تقول: وبلدٍ، تريد: ورُبَّ بلدٍ.
وتقول: زيدا تريد: عليك زيدا.
وتقول: الهلالُ، تريد: هذا الهلال، فكلُّه يَعمل عملَه مظهرا.
ومما يقبح بعده ابتداءُ الأسماء ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصباً فى القياس: إذَا، وحَيْثُ.
تقول: إذا عب الله تلَقْاه فأكرمه،

وحيث زيدا تجدهُ فأَكرمْه؛ لأنّهما يكونانِ فى معنى حروف المجازاة.
ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل.
لو قلت: اجلسْ حيث زيدٌ جَلَسَ وإذا زيدٌ يجلسُ كان أقبحَ من قولك: إذا جلس زيدٌ وإذا يجلسُ، وحيث " يجلسُ، وحيث " جلس.
والرفع بعدهما جائز، لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدهما فتقول: اجلسْ حيث عبد الله جالسٌ، واجلس إذا عبد الله جلس.
ولإذا مواضع آخر يحسن ابتداءُ الاسم بعدها فيه.
تقول: نظرت فإذا زيد يضربه عمرو، لأنك لو قلت: نظرتُ فإِذا زيدٌ يذهبُ، لَحُسنَ.
وأَمَّا إِذْ فيَحسن ابتداء الاسم بعدها.
تقول: جئت إذ عبد الله قائم، و " جئت " إذ عبدُ الله يقوم، إلاّ أنها فى فَعَلَ قبيحة، نحو قولك: جئت إذ عبدُ الله قام.
ولكنّ " إذْ " إنما يقع فى الكلام الواجب، فاجتمع فيها هذا وأنك تبتدئ الاسمَ بعدها، فحسن الرفعُ.
ومما ينتصب أوّلُه لأن آخِره ملتبِس بالأول، قوله: أزيدا ضربتَ عمراً وأخاه، وازيداً ضربت رجلاً يحبه، وأزيدا ضربتَ جاريتينِ يحبّهما، فإنما نصبت الأوّل لأنّ الآخِرَ ملتبِس به، إذ كانت صفتُه ملتبسة به.
وإذا أردت أن تَعْلَم التباسه به فأَدخلْه فى الباب الذى تقدَم فيه الصفَة، فما حسنُ تقديمُ صفته فهو ملتبس بالأول، وما لا يحسن فليس ملتبسا به.
ألا ترى أنكَّ تقول: مررت برجل منطلقةٍ جاريتان يحبّهما، ومررت برجل منطلقٍ زيدٌ وأخوه؛ لأنَّك لما أشركت

بينهما فى الفعل صار زيدٌ ملتبسا بالأخ فالتَبس برجل، ولو قلت: أزيدا ضربتَ عمرا وضربت أخاه لم يكن كلاما، لأنَّ عمرا ليس فيه من سبب الأول شيء ولا ملتبسا به.
ألا ترى أنّك لو قلت: مررت برجل قائم عمرو وقائم أخوه لم يجز، لأنَّ أحدهما ملتبس بالأول والآخَر ليس ملتبسا.

هذا باب ما جَرَى فى الاستفهام..

من أَسماءِ الفاعلينَ والمفعولينَ مَجرَى الفعل كما يَجرى فى غيره مَجرى الفعل وذلك قولك: أزيداً أنت ضاربُه، وأزيدا أنت ضاربٌ له، وأعمراَ أنت مُكرِمٌ أخاه، وأزيدا أنت نازلٌ عليه.
كأَنّك قلت: أنت ضاربٌ، وأنت مُكْرِمٌ، وأنت نازل، كما كان ذلك فى الفعل، لأنّه يَجرى مَجراه ويَعْمَلُ فى المعرفة كلَّها والنكرةِ، مقدَّما ومؤخَّرا، ومظْهَرا ومضْمرا.

وكذلك: آلدّارَ أنت نازلٌ فيها.
وتقول: أعمراً أنت واجدٌ عليه، وأخالداً أنت عالم به، وأزيدا أنت راغبٌ فيه، لأنك لو ألقيت عليه وبه وفيه مما ها هنا لتعتبِرَ، لم يكن ليكون إلاّ مما ينتصب، كأَنّه قال: أعبدَ الله أنت ترغَبُ فيه، وأعبدَ الله أنت تعلَمُ به، وأعبدَ الله أنت تجِدُ عليه، فإِنما استفهمتَه عن علمه به ورغْبَتِه فيه فى حال مسألتك.
ولو قال: آلدَّارُ أنت نازلٌ فيها، فجَعَل نازلاً اسماً رفَع، كأنّه قال: آلدارُ أنت رجل فيها.
ولو قال: ازيدٌ أنت ضاربةُ فجعله بمنزلة قولك: " أزيداً " أنت أخوه جاز.
ومثل ذلك فى النصب: أزيدا أنت محبوسٌ عليه، وأزيداً أنت مُكابَرٌ عليه.
وإن لم يرد به الفعلَ وأراد به وجهَ الاسم رَفَع.
وكذلك جميعُ هذا، فمفعولٌ مثلُ يُفعَلُ، وفاعِلُ مثلُ يَفعَلُ.
وممّا يُجرىَ مجرى فاعلٍ من أسماء الفاعلين فَواعِلُ، أَجْروَه مُجرى فاعِلَةٍ حيث كانوا جمعوه وكسَّروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلينَ وفاعِلاتٍ.
فمن ذلك قولهم: هنّ حَواجٌّ بيتَ الله.
وقال أبو كبير الهذلي: مما حَمَلنَ به وهنّ عَواقِدٌ ... حُبُكَ النَّطاقِ فعاشَ غير مهبل

وقال العجّاج: أَوَالِفاً مَكّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِى وقد جعل بعضهم فعالاً بمنزلة فواعل، فقالوا: قُطّانٌ مكّةَ، وسُكّانٌ البلدَ الحرامَ، لأنه جمعٌ كفواعِلَ.
وأجروا اسمَ الفاعل، إذا أرادوا أن يبالِغوا فى الأمر، مُجراه إذا كان على بناء فاعلٍ، لأنّه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلاّ أنّه يريد أن يُحدَّثَ عن المبالغة.
فمَا هو الأصلُ الذى عليه أكثُر هذا المعنى: فَعولٌ، وفعّال ومفعال، وفَعِلٌ.
وقد جاء: فَعيلٌ كَرحيمٍ وعَليم وقَدير وسَميع وبَصير، يجوز فيهنّ ما جاز فى فاعِلٍ من التقديم والتأخير، والإِضمار والإظهار.
لو قلت: هذا ضروب رؤوس الرجال وسوقَ الإِبل، على: وضروبٌ سوقَ الإِبل جاز، كما تقول: " هذا " ضارِبُ زيدٍ وعمرا، تُضمِر وضاربٌ عمرا.
ومما جاز فيه مقدَّما ومؤخَّرا على نحو ما جاء فى فاعِلٍ، قول ذى الرُّمّة: هَجُومٌ عليها نَفسَه غيرَ أَنّه ... متى يُرْمَ فى عينَيه بالشَّبْحِ يَنْهَضِ

وقال أبو ذُؤيْبٍ الهذلىُّ: قَلَى دِينَه وأهتاجَ للشَّوْقِ إنّها ... عَلَى الشَّوقِ إخْوانَ العَزاءِ هَيوجُ وقال القلاُخُ: أَخا الحَرْبِ لَبّاساً إليها جِلالَها ... وليس بولاّجِ الخَوالفِ أَعْقَلاَ وسمعنا من يقول: " أمّا العَسَلَ فأنا شَرّابٌ ". وقال: بكيتُ أخا اللأواء يحمد يومه ... كريم، رؤوس الدَّارِعينَ ضَروبُ وقال أبو طالب بن عبد المطّلب: ضَروبٌ بنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها ... إذا عَدِموُا زاداً فإنّكَ عاقِرُ

وقد جاء فى فَعِل وليس فى كثَرة ذلك، قال، وهو عمرو بن أحمر: أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادةَ سَمْحَجٍ ... بسَرَاته نَدَبٌ لها وكلوم وقل: " إنّه لَمِنحارٌ بوَائكَها ". وفَعِلٌ أقلُّ من فَعيلٍ بكثير.
وأجروه حين بنوه للجمع كما أُجرىَ فى الواحد ليكونَ كفَواعِلَ حين أُجرىَ مثل فاعلٍ، من ذلك قول طرفة:

ثم زادوا أنّهمْ في قومِهمْ ... غُفُرٌ ذنَبهُمُ غيرُ فجُرْ ومما جاء على فَعِل قوله: حَذِرٌ أُمورا لا تُخافُ وآمِنٌ ... ما ليس مُنْجِيهُ من الأقدارِ ومن هذا الباب قولُ رؤبة: برأس دماغ رؤوس العز ومنه قول ساعدة بن جوية:

حتى شآها كليل موهنا عمل ... باتتْ طِراباً وباتَ الليلَ لم يَنَمِ وقال الكُميت: شُمًّ مَهاويِنَ أبْدَانَ الجَزُورِ مَخا ... مِيصِ العَشِيّاتِ لا خُورٍ ولا قَزَمِ

ومنه قَدِيرٌ وَعليم ورَحيم، لأنه يريد المبالغة " فى الفعل ". وليس " هذا " بمنزلة قولك حسنٌ وجهَ الأخ، لأن هذا لا يُقلَبُ ولا يضمر، وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام أو نكرةً، ولا تعْنِى به أنك أوقعت فِعْلاً سلفَ منك إلى أحدٍ.
ولا يَحْسُنُ أن تَفصل بينهما فَتقولَ: هو كريمٌ فيها حَسَبَ الأب.
ومما أُجرى مُجرى الفعل من المصادر قول الشاعر: يمرون بالدَّهْنا خِفافاً عِيابُهمْ ... ويَخْرُجن من دارِينَ بُجْرَ الحقائب

على حِينَ أَلْهَى الناسَ جُلُّ أُمورِهْم ... فنَدْلاً زُرَيقُ المالَ نَدلَ الثَّعالِبِ كأنّه قال: أندلْ.
وقال المرّار الأسدىّ: أَعَلاقةً أُمَّ الولَيَّدِ بعد ما ... أَفْنانُ رأْسِكَ كالثَّغامِ المُخْلِسِ وقال: بضَرْبٍ بالسيوف رؤوس قَوْمٍ ... أزَلنا هامَهنّ عَنِ المَقِيلِ

وتقول: أَعبدُ الله أنت رسولٌ له ورسولُه، لأنّك لا تريد بفَعولِ ههنا ما تريد به فى ضَروبٍ، لأنك لا تريد أن تُوقِعَ منه فِعلاً عليه، فإنما هو بمنزلة " قولك ": أَعبدُ الله أنتِ عَجوزٌ له.
وتقول: أعبدُ الله أنتَ له عديلٌ وأعبدُ الله أنت لَه جليسٌ، لأنك لا تريد به مبالغةً فى فِعْلٍ، ولم تقل: مُجالِسٌ فيكونُ كفاعِلٍ، فإنما هذا اسمٌ بمنزلة قولك: أزيدٌ أنت وَصِيفٌ له أو غُلامٌ له.
وكذلك: آلبَصرةُ أنتَ عليها أميرٌ.
فأمّا الأصلُ الأكثُر الذي جرى مجرى الفعل في من الأسماء ففاعِلٌ.
وإِنَّما جاز فى التى بُنيتْ للمبالغة لأنَّها بُنِيَتْ للفاعِلِ من لفظِه والمعنى واحدٌ، وليستْ بالأبنيِة التى هى فى الأصل أن تَجْرِىَ مجرى الفعل، يَدلّك على ذلك أنَّها قليلة.
فإذا لم يكن فيها مبالغةُ الفِعل فإِنّما هى بمنزلة غلامٍ وعبدٍ، لأنَّ الاسم على فَعَلَ يَفْعَلُ فاعِلٌ، وعلى فُعِلَ يُفْعَلُ مَفْعولٌ.
فإِذا لم يكن واحدٌ منهما ولا الذى لمبالغة الفاعل لم يكن فيه إلاّ الرفعُ.
وتقول: أكلُّ يومٍ أنت فيه أميرٌ، ترفعه لأنَّه ليس بفاعلٍ، وقد خرج " كلُّ " من أن يكونَ ظرفاً، فصار بمنزلة عبدُ اللهِ ألا ترى أنّك إذا قلت: أكلُّ يومٍ يُنطَلقُ فيه، صار كقولك: أزيدٌ يُذهَبُ به ولو جاز أن تَنصبَ كلَّ يوم وأنت تريد بالأمير الاسمَ لقُلتَ: أعَبْدَ اللهِ عليه ثوبٌ لأَنك تقول: أكلَّ يوم لك

ثوب، فيكونُ نصباً.
فإِن قلت: أكلَّ يوم لك فيه ثوب فنصبت، وقد جعلته خارجاً من أن يكون ظرفاً، فإِنه ينبغى أن تنصب: أعبد الله عليه ثوب.
وهذا لا يكون، لأن الظرف هنا لم ينصبه فعل، إنما عليه ظرف للثوب، وكذلك فيه.

هذا باب الأفعال التي تستعمل وتلغى

فهي ظننت، وحَسِبتُ، وخِلتُ، وأُريتُ ورأَيتُ، وزعمتُ، وما يتصرفّ من أفعالهن.

فإِذا جاءتْ مستعمَلةً فهى بمنزلة رأيت وضربتُ وأََعطيتُ فى الإِعمال والبناءِ على الأوَّل، فى الخبر والاستفهام وفي كل شيء.
وذلك قولك: أظُنُّ زيدا منطلقا، وأظنّ عمراً ذاهباً، وزيدا أظنُّ أخاك، وعمرا زعمتُ أباك.
وتقول: زيدٌ أظنّه ذاهبا.
ومن قال: عبدَ الله ضربتُه نصَبَ " فقال ": عبدَ الله أظنّه ذاهبا.
وتقول: أظنُّ عمراً منطلقا وبكرا أظنّه خارجاً، كما قلت: ضربت زيداً وعمراً كلمه، وإن شئتَ رفعتَ على الرفع فى هذا.
فإِن ألغيتَ قلت: عبدُ الله أظنُّ ذاهبٌ، وهذا إخالُ أخوك، وفيها أُرَى أبوك.
وكلَّما أردتَ الإِلغاء فالتأخيرُ أقوى.
وكلٌّ عربىٌّ " جيدّ ". وقال اللَّعين يهجو العجَّاج:

أَبِالأراجيزِ يا ابنَ اللُّؤْمِ توعدُِنُي ... وفى الأراجيز خِلْتُ اللُّؤْمُ والخَوَرُ أنشدَنَاه يونسُ مرفوعا عنهم.
وإنما كان التأخير أقوى لأنه " إنما " يجيء بالشكّ بعدما يَمْضِى كلامُه على اليقين، أو بعدما ما بتبدئ وهو يريد اليقينَ ثم يُدْرِكُه الشكُّ، كما تقول: عبدُ الله صاحبُ ذاك بلغَنى، وكما قال: من يقول ذاك تَدرِى، فأَخّرَ ما لم يَعمَلْ فيأوله كلامه.
وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مَضى كلامُه على اليقين، وفيما يَدرى.
فإذا ابتدأ كلامَه على ما فى نيّته من الشكَ أَعْملَ الفعلَ قدّم أوْ أخَّر، كما قال: زيداً رأيتُ، ورأَيتُ زيدا.
وكلَّما طال الكلامُ ضعُفَ التأخيرُ إذا أعملتَ، وذلك قولك: زيداً أخاك أظنُّ، فهذا ضعيفً كما يضعُفُ زيداً قائماً ضربتُ؛ لأنّ الحدَّ أن يكونَ الفعلُ مبتدأً إذا عَمِلَ.

وممّا جاء فى الشعر معمّلا فى زعمتُ زعمتُ قول أبى ذؤيب: فإِن تَزْعُمينى كنتُ أجل فيكم ... فإني شربت الحِلَم بعدكِ بالجَهلِ وقال النابغة الجعدىّ: عَددتَ قُشَيْراً إذ عَددتَ فلم أُسَأْ ... بذاك ولم أَزْعمْكَ عن ذاك مَعْزِلاَ وتقول: أين تُرَى عبدَ الله قائما، وهل تُرَى زيداً ذاهبا، لأنَّ هل وأين كأَنَّك لم تذكرهما، لأنّ ما بعدهما ابتداءٌ، كأَنك قلت: أَتُرَى زيداً ذاهبا، وأتَظُنُّ عمرا منطلقا.
فإِن قلت: أين، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة " فيها " إذا استغنَى بها الابتداءُ، قلت: أين ترى زيدٌ، وأين تُرَى زيدا.

واعلم أن " قلت " إنما وقعت في كلام العرب على أن يُحْكى بها، وإنما تَحْكِى بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً، نحو قلتُ: زيدٌ منطلقٌ لأنه يَحسن أن تقول: زيدٌ منطلقٌ، ولا تدخل " قلت ". وما لم يكن هكذا أسقط القول عنه.
وتقول: قال زيدٌ إنّ عمراً خيرُ الناس.
وتصديق ذلك قوله جل ثناؤه: " وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك "، ولولا ذلك لقال: " أَنّ " الله " ". وكذلك " جميع " ما تصرَّفَ من فعله، إلاّ " تَقولُ " فى الاستفهام، شبهوها بتظن، ولم يجعلوا كيظن وأظنّ في الاستفهام، لأنّه لا يَكادُ يُستفهَمُ المخاطَبُ عن ظنَّ غيره ولا يُستفَهم هو إلاّ عن ظنَّه، فإِنما جُعلتْ كتَظنّ، كما أنّ ما كَليسَ فى لغة أهل الحجاز ما دامت فى معناها، وإذا تَغّيرت عن ذلك أو قُدّم الخبرُ رجعتْ إلى القياس، وصارت اللُّغاتُ فيها كلغة تميمٍ.
ولم تُجْعَلْ " قلتُ " كظننتُ لأنَّها إنّما أصلُها عندهم أن يكون ما بعدها محكياً، فلم تُدْخَلْ فى باب ظننتُ بأكثرَ من هذا، كما أنّ " ما " لم تَقْوَ قوّةَ

ليس، ولم تقع فى كلّ مواضعها؛ لأنّ أصلها " عندهم " أن يكون ما بعدها مبتدأ.
وسأفسَّر لك إن شاء الله ما يكون بمنزلة الحرف فى شيء ثم لا يكون معه على أكثر أحواله، وقد بُيّن بعضُه فيما مضى.
وذلك قولك: متى تقول زيداً منطلقا، وأتقول عمراً ذاهبا، وأكلَّ يوم تقول عمراً منطلقاً، لا يفصل بها كما لا يُفْصَلْ بها فى: أكلَّ يوم زيدا تضربه.
فإِن قلت: أََأَنت تقول زيدٌ منطلقٌ رفعتَ، لأنه فُصِلَ بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل فى قولك: أَأَنت زيدٌ مررتَ به، فصارت بمنزِلة أخواتها، وصارت على الأصل.
قال الكميت: أَجُهّالاً تَقول بنى لُؤَيٍّ ... لَعَمْرُ أَبيكَ أم متجاهلينا

وقال عُمَرُ بن أبى ربيعة: أمّا الرَّحيلُ فدونَ بَعْدِ غَدٍ ... فَمتى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا وإن شئتَ رفعتَ بما نصبتَ فجعلته حكاية.
وزعم أبو الخطّاب - وسألتُه عنه غير مرّة - أنا ناساً من العرب يوقف بعربيّتهم، وهم بنو سُلَيْمٍ، يجعلون بابَ قلتُ أجْمَعَ مثلَ ظننتُ.
واعلم أنَّ المصدر قد يُلْغَى كما يُلْغَى الفعلُ، وذلك قولُك: متى زيدٌ ظَنُّك ذاهبَّ، وزيدٌ ظنىَّ أخوك، وزيدٌ ذاهب ظني.
فإن ابتدأ فقلت: ظنى زيدٌ ذاهبٌ كان قبيحاً، " لا يجوز البتّة، كما ضَعُفَ أَظُنُّ زيدٌ ذاهبٌ.
وهو فى متى وأين أَحسنُ، إذا قلت: متى ظَنُّك زيدٌ ذاهبٌ "، ومتى تَظنُّ عمرو منطلقٌ؛ لأنَّ قبله كلاماً.
وإنَّما ضعف هذا فى الابتداء كما يَضْعُفُ: غيرَ شكٍّ زيدٌ ذاهبٌ، وحقاَّ عمروٌ منطلقٌ.

وإن شئتَ قلتَ: متى ظنُّك زيداً أميراً، كقولك: متى ضربُك عمراً.
وقد يجوز أن تقول: عبدُ الله أظنُّه منطلقٌ، تجعلُ هذه الهاء على ذاك، كأَنَّك قلت: زيدٌ منطلقٌ أظنُّ ذاك، لا تجعل الهاء لعبد الله، ولكنّك تجعلُها ذاك المصدرَ، كأَنه قال: أظنُّ ذاك الظنَّ، أو أظنُّ ظنّى.
فإِنّما يَضعُف هذا إذا ألغيتَ، لأنَّ الظنَّ يُلْغَى فى مواضعِ أَظنُّ حتى يكونَ بدلاً من اللفظ به، فكرِهَ إظهارُ المصدرِ ههنا، كما قَبُحَ أ، يظهر ما انتصب عليه سَقْياً.
" وسترى ذلك إن شاء الله مبيَّنا ". ولفظك بذاك أحسن من لفظ بظني.
فإذا قلت: أظنُّ ذاك عاقلٌ، كان أحسنَ من قولك: زيدٌ أظنُّ ظنىَّ عاقل ذاك أحسن، لأنه ليس بمصدر، وهو اسمٌ مُبْهَمٌ يقع على كل شيء.
ألا ترى أنَّك لو قلت: زيدٌ ظنىَّ منطلقٌ، لم يحسُن ولم يجز أن تضع ذاك موضع ظنّى.
وتَرْكُ ذاك فى أظنُّ إذا كان لَغْواً أقوى منه إذا وقع على المصدر " لأنَّ ذاك إذا كان مصدراً فإنك لا تجيء به، لأن المصدر يقبح أن تجيء به ههنا، فإِذا قَبُحَ المصدرُ فمجيئُك بذاك أقبحُ لأنّه مصدر ". وإذا ألغيت فقلت: عبد الله أظنُّ منطلق، فهذا أجمل من قولك: أظنّه.
وأظنّ بغير هاءٍ أحسن لئلا يلتبس بالاسم، وليكون أبْينَ فى أنه ليس يَعْمَلُ.
فأمّا ظننت أنّه منطلقٌ فاستُغْنى بخبر أنَّ، تقولُ: أظنُّ أّنّه فاعلٌ كذا

وكذا، فتستغنى.
وإنّما يُقْتصَرُ على هذا إذا علم أنه مستغن بخبر أنه.
وقد يجوز أن تقول: ظننتُ زيداً، إذا قال: من تظنُّ، أى من تَتهمُ؟ فتقول: ظننتُ زيداً، كأَنه قال: أتَّهَمْتُ زيدا.
وعَلَى هذا قيل: ظَنينٌ " أى مُتَّهَمٌ ". ولم يَجْعَلوا ذاك فى حَسِبتُ وخِلْتُ وأُرَى؛ لأنّ من كلامهم أن يدخلوا المعنى في الشيء لا يَدْخل فى مثله.
وسألتُه عن أيُّهم، لِمَ لَمْ يقولوا: أَيَّهم مررتَ به؟ فقال: لأن أَيَّهم " هو " حرف الاستفهام، لا تَدخل عليه الألفُ وإِنما تُرِكَتِ الألفُ استغناءً فصارت بمنزلة الابتداء.
ألا ترى أنّ حَدّ الكلام أن تؤخَّرَ الفعلَ فتقولَ: أَيَّهم رأيتَ، كما تَفْعَلُ ذلك بالألف، فهى نفسُها بمنزلة الابتداء.
وإن قلت: أَيُّهم زيداً ضَرَبَ قَبُح، كما يقبح فى متى ونحوها، وصار أَن يَلِيَهَا الفعلَ هو الأصلُ، لأنّها من حروف الاستفهام، ولا يُحتاجُ إلى الألف،

فصارت كأََينَ.
وكذلك مَنْ وما، لأنَّهما يَجريان معها ولا يُفارِقانها.
تقول: مَنْ أَمَةَ الله ضَرَبَها، وما أَمَةَ الله أَتاها، نَصْبٌ فى كلَّ ذا، لأنّه أَنْ يَلِىَ هذه الحروفَ الفعلُ أولى، كما أنه لو اضطُرَّ شاعرٌ فى متى وأخواتها نصبَ.
فقال: متى زيداً رأيته.

جارٍ التحميل