الكتاب لسيبويهصفحات 168-187

باب ما يقع موقع الاسم المبتدإ ويسد مسده

صفحات 168-187

وقال: كم في سعدِ بن بَكْر سيدٍ ... ضخمِ الدَّسيعِة ماجدٍ نفّاعِ وتقول: كم قد أتانى لا رجلٌ ولا رجلان، وكم عبد لك لا عبدٌ ولا عبدان.
فهذا محمول على ما حُمل عليه كم لا على ما تعمل فيه كم، كأنك قلت: لا رجلٌ أتانى ولا رجلان، ولا عبدٌ لك ولا عبدان.
وذاك لأن كم تفسر ما وقعتْ عليه من العدد بالواحد المنكور، كما قلت عشرون درهما، او بجميع منكور، نحو ثلاثة أثواب.
وهذا جائزٌ في التي تقع في الخبر.
فأما التي تقع في الاستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين.
ولو قلت: كم لا رجلا ولا رجلين، في الخبر أو الاستفهام كان غير جائز، لأنه ليس هكذا تفسيرُ العدد، ولو جاز ذا لقلت: له عشرون لا عبدا ولا عبدين، فلا رجلٌ ولا رجلان توكيدٌ لكم لا للذي عمل فيه، لأنه لو كان عليه كان محالاً، وكان نقضاً.
ومثل ذلك قولك للرجل: كم لك عبدا؟ فيقول: عبدان أو ثلاثة أعبُدٍ،

حمل الكلام على ما حمل عليه كم، ولم يُرد السائل من المسئول أن يفسر له العدد الذي يسأل عنه، إنما على السائل أن يفسر العدد حتى يجيبه المسئول عن العدد، ثم يفسره بعد إن شاء، فيعمل في الذي يفسر به العدد كما أعمل السائل كم في العبد، ولو أراد المسئول عن ذلك أن ينصب عبدا أو عبدين على كم، كان قد أحال، كأنه يريد أن يجيب السائل بقوله: كم عبدا فيصير سائلا.
ومع ذلك أنه لا يجوز لك أن تُعمل كم وهي مضمرة في واحدٍ من الموضعين، لأنه ليس بفعل ولا اسم أُخذ من الفعل، ألا ترى أنه إذا قال المسئول عبدين أو ثلاثة أعبدٍ فنصب على كم، أنه قد أضمر كم.
وزعم الخليل رحمه الله أنه يجوز أن تقول: كم غلاما لك ذاهبٌ؟ تجعل لك صفة للغلام، وذاهبا خبرا لكم.

ومن ذلك أن تقول: كم منكم شاهدٌ على فلان، إذا جعلت شاهدا خبرا لكم، وكذلك هو في الخبر أيضا، تقول: كم مأخوذٌ بك، إذا أردت أن تجعل مأخوذا بك في موضع لك إذا قلت: كم لك؛ لأن لك لا تعمل فيه كم، ولكنه مبنيٌّ عليها، كأنك قلت كم رجلٍ لك وإن كان المعنيان مختلفين، لأن معنى كم مأخوذٌ بك؛ غير معنى كم رجلٍ لك، ولا يجوز في رُبّ ذلك، لأن كم اسمٌ ورب غير اسم، فلا يجوز أن تقول رُبّ رجلٌ لك.
؟

هذا باب

ما جرى مجرى كم في الاستفهام

وذلك قولك: له كذا وكذا درهما، وهو مبهمُ في الأشياء بمنزلة كم، وهو كنايةٌ للعدد، بمنزلة فلان إذا كنيتَ به في الأسماء، وكقولك: كان من الأمر ذَيّةَ وذيةَ، وذيتَ وذيتَ، وكيتَ وكيتَ.
صار ذا بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين.
وكذلك كأيّنْ رجلا قد رأيتُ، زعم ذلك يونس، وكأين قد أتانى رجلا.
إلا أن أكثر العرب إنما يتكلمون بها مع مع مِن؟ قال عز وجل: " وكأيّنْ مِن قريةٍ ". وقال عمرو بن شأس: وكائنْ رَدَدْنَا عنكمُ مِن مُدجِجٍ ... يجيء أَمامَ الألفِ يَردي مُقنّعا

فإنما ألزموها مِن لأنها توكيد، فجُعلت كأنها شيء يتم به الكلام، وصار كالمثل.
ومثل ذلك: ولاسيما زيدٍ، فرب توكيدٍ لازمٌ حتى يصير كأنه من الكلمة.
وكأيّنْ معناها معنى رُبّ.
وإن حذفتَ مِن وما فعربى.
وقال: إن جرها أحدٌ من العرب فعسى أن يجرها بإضمار مِن كما جاز ذلك فيما ذكرنا في كم.
وقال: كذا وكأين عملتا فيما بعدهما كعمل أفضلهم في رجل حين قلت: أفضلُهم رجلا، فصار أيٌّ وذا بمنزلة التنوين، كما كان هُم بمنزلة التنوين.
وقال الخليل رحمه الله كأنهم قالوا: له كالعدد درهما، وكالعدد من قرية.
فهذا تمثيلٌ وإن لم يُتكلّم به.
وإنما تجيء الكاف للتشبيه، فتصير وما بعدها بمنزلة شيء واحد.
من ذلك قولُك: كأن، أدخلتَ الكاف على أن للتشبيه.

؟

هذا باب ما ينصب نصب كم

إذا كانت منونة في الخبر والاستفهام

وذلك ما كان من المقادير، وذلك قولك: ما في السماء موضع كف سحابا، ولى مثلُه عبدا، وما في الناس مثلُه فارسا، وعليها مثلُها زُبداً.
وذلك أنك أردت أن تقول: لي مثلُه من العبيد، ولى مِلؤه من العسل، وما في السماء موضع كف من السحاب، فحذف ذلك تخفيفا كما حذفه من عشرين حين قال: عشرون درهما، وصارت الأسماء المضافُ إليها المجرورةُ بمنزلة التنوين، ولم يكن ما بعدها من صفتها ولا محمولا على ما حُملت عليه، فانتصب بملءِ كف ومثلِه، كما انتصب الدرهم بالعشرين؛ لأن مثل بمنزلة عشرين، والمجرور بمنزلة التنوين، لأنه قد منع الإضافة كما منع التنوين.
وزعم الخليل رحمه الله أن المجرور بدلٌ من التنوين، ومع ذلك أنك إذا قلت لي مثلُه فقد أبهمتَ، كما أنك إذا قلت لي عشرون فقد أبهمت الأنواع، فإذا قلت درهما فقد اختصصتَ نوعا، وبه يُعرَفُ من أي نوع ذلك العدد.
فكذلك مثلُه هو مبهَم يقع على أنواع: على الشجاعة، والفروسة، والعبيد.
فإذا قال عبدا فقد بين من أي أنواع المِثلُ.
والعبدُ ضرب من الضروب التي تكون على مقدار المثل، فاستخرج على المقدار نوعا، والنوع هو المِثل ولكنه ليس من اسمه، والدرهم ليس من العشرين

ولا من اسمه، ولكنه ينصب كما تنصب العشرون، ويُحذف من النوع كما يُحذف من نوع العشرين، والمعنى مختلف.
ومثل ذلك: عليه شعر كلبين دَيناً، الشَّعر مقدارٌ.
وكذلك: لي ملء الدار خيرا منك، ولي خيرٌ منك عبدا، ولي ملء الدار أمثالَك، لأن خيرا منك نكرةٌ، وأمثالك نكرةٌ.
وإن شئت قلت: لي ملء الدار رجلا، وأنت تريد جميعا، فيجوز ذلك، ويكون كمزلته في كم وعشرين.
وإن شئت قلت: رجالا، فجاز عنده كما جاز عنده في كم حين دخل فيها معنى رُبّ؛ لأن المقدار معناه مخالفٌ لمعنى كم في الاستفهام، فجاز في تفسيره الواحد والجميع كما جاز في كم إذ دخلها معنى رُبّ، كما تقول ثلاثةٌ أثوابا، أي من ذا الجنس، تجعله بمنزلة التنوين.
ومثل ذلك: لا كزيدٍ فارسا، إذا كان الفارسُ هو الذي سميته، كأنك قلت: لا فارسَ كزيد فارسا.
وقال كعب بن جعيل: لنا مِرفَدٌ سبعون ألف مُدجّج ... فهل في مَعدّ فوق ذلك مِرفدا كأنه قال: فهل في معد مرفدٌ فوق ذلك مرفداً.

ومثل ذلك: تالله رجلا، كأنه أضمر تالله ما رأيتُ كاليوم رجلا، وما رأيت مثلَه رجلاً.

؟ باب ما ينتصب انتصابَ الاسم بعد المقادير

وذلك قولك: ويحَه رجلا، ولله درُّه رجلا، وحسبُك به رجلا، وما أشبه ذلك.
وإن شئت قلت: ويحَه من رجلٍ، وحسبُك به من رجل، ولله درُّه من رجل، فتدخل من ههنا كدخولها في كم توكيدا.
وانتصب الرجل لأنه ليس من الكلام الأول، وعمل فيه الكلام الأول، فصارت الهاء بمنزلة التنوين.
ومع هذا أيضاً أنك إذا قلت وحيه فقد تعجبت وأبهمتَ، من أي أمور الرجل تعجبت، وأي الأنواع تعجبت منه.
فإذا قلت فارسا وحافظا فقد اختصصت ولم تُبهم، وبينت في أي نوع هو.
ومثل ذلك قول عباس بن مرداس: ومُرةُ يحميهمْ إذا ما تبدّدوا ... ويطعنُهم شَزراً فأبرحْتَ فارِساً

فكأنه قال: فكفى بك فارسا، وإنما يريد كفيتَ فارسا.
ودخلتْه هذه الباء توكيدا.
ومن ذلك قول الأعشى: تقول ابنتى حين جَدَّ الرحيلُ ... فأبْرحتَ ربًّا وأبرحتَ جاراً ومثله: أكرمْ به رجلاً.

؟ باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمَرا

وذلك لأنهم بدءوا بالإضمار لأنهم شرطوا التفسير وذلك نووا، فجرى ذلك في كلامهم هكذا كما جرتْ إن بمنزلة الفعل الذي تقدم مفعولُه قبل الفاعل، فلزم هذا هذه الطريقة في كلامهم، كما لزمتْ إن هذه الطريقة في كلامهم.
وما انتصب في هذا الباب فإنه ينتصب كانتصاب ما انتصب في باب حسبُك به وويحه، وذلك قولهم: نِعمَ رجلا عبدُ الله، كأنك قلت: حسبُك به رجلا عبدُ الله؛ لأن المعنى واحد.

ومثل ذلك: رُبّه رجلا، كأنك قلت: ويحه رجلا، في أنه عمل فيما بعده، كما عمل ويحه فيما بعده لا في المعنى.
وحسبُك به رجلا مثل نِعم رجلا في العمل وفي المعنى؛ وذلك لأنهما ثناء في استيجابهما المنزلة الرفيعة.
ولا يجوز لك أن تقول نعمَ ولا رُبّه وتسكت، لأنهم إنما بدؤوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمار مقدم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز عليه السكوت نحو زيدٌ ضربتُه إنما أضمر بعد ما ذكر الاسم مظهرا، فالذي تقدم من الإضمار لازمٌ له التفسير حتى يبينه، ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر.
ومما يضمر لأنه يفسره ما بعده ولا يكون في موضعه مظهرٌ قول العرب: إنه كِرامٌ قومُك، وإنه ذاهبةٌ أمتُك.
فالهاء إضمارُ الحديث الذي ذكرتَ بعد الهاء، كأنه في التقدير - وإن كان لا يُتكلم به - قال: إن الأمر ذاهبةٌ أمتُك وفاعلةٌ فلانة، فصار هذا الكلام كله خبرا للأمر، فكذلك ما بعد هذا في موضع خبره.
وأما قولهم: نعم الرجل عبد الله، فهو بمنزلة: ذهب أخوه عبد الله، عمل نِعم في الرجل ولم يعمل في عبدُ الله.
وإذا قال: عبد الله نعمَ الرجلُ، فهو بمنزلة: عبد الله ذهب أخوه؛ كأنه

قال نِعمَ الرجلُ فقيل له مَن هو؟ فقال: عبد الله.
وإذا قال عبدُ الله فكأنه فقيل له: ما شأنه؟ فقال: نِعم الرجل.
فنعمَ تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده، فتكون هي وهو بمنزلة ويحه ومثلَه، ثم يعملان في الذي فسر المضمر عمل مثله وويحه إذا قلت لي مثله عبدا.
وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه.
فهي مرة بمنزلة رُبّه رجلا، ومرة بمنزلة ذهب أخوه، فتجرى مجرى المضمر الذي قُدّم لما بعده من التفسير وسد مكانه، لأنه قد بينه، وهو نحو قولك: أزيدا ضربتَه.
واعلم أنه محال أن تقول: عبد الله نعمَ الرجل، والرجلُ غيرُ عبد الله، كما أنه محال أن تقول عبد الله هو فيها، وهو غيره.
واعلم أنه لا يجوز أن تقول: قومُك نِعمَ صغارُهم وكبارهم، إلا أن تقول: قومك نعمَ الصغار ونعم الكبار، وقومُك نعمَ القومُ؛ وذلك لأنك أردت أن تجعلهم من جماعات ومن أمم كلهم صالحٌ، كما أنك إذا قلت عبدُ الله نعمَ الرجل، فإنما تريد أن تجعله من أمةٍ كلهم صالح، ولم ترد أن تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعمَ.
ومثل ذلك قولك: عبدُ الله فارِهُ العبدِ فاره الدابة؛ فالدابة لعبد الله ومن سببه، كما أن الرجل هو عبد الله حين قلت عبدُ الله نعمَ الرجل، ولست تريد أن تُخبر عن عبد بعينه ولا عن دابة بعينها، وإنما تريد أن تقول إن في مِلكِ زيد العبدَ الفارِه والدابة الفارهة؛ إذ لم ترد عبدا بعينه ولا دابة بعينها.
فالاسمُ الذي يظهر بعد نعمَ إذا كانت نِعمَ عاملةَ فيه الاسمُ الذي فيه

الألف واللام، نحو الرجل، وما أضيف إليه وما أشبهه نحو غلام الرجل، إذا لم ترد شيئا بعينه.
كما أن الاسم الذي يظهر في رُبّ قد يُبدأ بإضمار الرجل قبله حين قلت: رُبّه رجلا لما ذكرتُ لك، وتبدأ بإضمار الرجل في نعمَ لما ذكرتُ لك.
فإنما منعك أن تقول نعمَ الرجلَ إذا أضمرتَ أنه لا يجوز أن تقول حسبُك به الرجل، إذا أردت معنى حسبُك به رجلا.
ومن زعم أن الإضمار الذي في نعمَ هو عبد الله، فقد ينبغي له أن يقول نعمَ عبد الله رجلا، وقد ينبغي له أن يقول: نعمَ أنت رجلا، فتجعل أنت صفة للمضمَر.
وإنما قبُح هذا المضمر أن يوصَف لأنه مبدوء به قبل الذي يفسره، والمضمَر المقدَّم قبل ما يفسره لا يوصَف، لأنه إنما ينبغي لهم أن يبينوا ما هو.
فإن قال قائل: هو مضمر مقدم، وتفسيره عبد الله بدلا منه محمولا على نعمَ، فأنت قد تقول عبد الله نعمَ رجلا، فتبدأ به، ولو كان نعمَ يصير لعبد الله لما قلت عبدُ الله نعمَ الرجلُ فترفعه، فعبد الله ليس من نعمَ في شيء، والرجل هو عبدُ الله ولكنه منفصلٌ منه كانفصال الأخ منه إذا قلت: عبد الله ذهب أخوه.
فهذا تقديره وليس معناه كمعناه.
ويدلك على أن عبد الله ليس تفسيرا للمضمَر أنه لا يعمل فيه نعمَ بنصبٍ ولا رفع ولا يكون عليها أبدا في شيء.
واعلم أن نعمَ تؤنث وتذكر، وذلك قولك: نعمتِ المرأةُ، وإن شئت قلت: نعمَ المرأةُ، كما قالوا ذهبَ المرأة.
والحذفُ في نعمت أكثر.

واعلم أنك لا تُظهر علامةَ المضمرين في نعمَ، لا تقول: نِعْموا رجالا، يكتفون بالذي يفسره كما قالوا مررتُ بكلٍّ.
وقال الله عزّ وجلّ: " وكلٌّ آترهُ داخرين "، فحذفوا علامة الإضمار وألزموا الحذف، كما ألزموا نِعمَ وبئسَ الإسكان، وكما ألزموا خُذ الحذف، ففعلوا هذا بهذه الأشياء لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم.
وأصلُ نعمَ وبئسَ: نعم وبئسَ، وهما الأصلان اللذان وُضعا في الرداءة والصلاح، ولا يكونُ منهما فعلٌ لغير هذا المعنى.
واما قولهم: هذه الدار نعمتِ البلدُ فإنه لما كان البلد الدارَ أقحموا التاء، فصار كقولك: مَن كانت أمَّك، وما جاءت حاجتَك.
ومن قال نعمَ المرأةُ قال نعمَ البلدُ، وكذلك هذا البلد نعمَ الدارُ، لما كانت البلد ذُكّرتْ.
فلزم هذا في كلامهم لكثرته، ولأنه صار كالمثَل، كما لزمت التاء في ما جاءت حاجتَ.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو لبعض السَّعْدِيِّينَ:

هل تعرفُ الدار يعفّيها المُورْ ... والدّجْنُ يوماً والعجاجُ المهمورْ لكلّ ريحٍ فيه ذيلٌ مسفورْ فقال فيه لأن الدارَ مكانٌ، فحمله على ذلك.
وزعم الخليل رحمه الله أن حبّذا بمنزلة حبّ الشيء، ولكن ذا وحب بمنزلة كلمة واحدة نحو لولا، وهو اسم مرفوع كما تقول: يا ابنَ عمَّ، فالعمُّ مجرورٌ، ألا ترى أنك تقول للمؤنث حبذا ولا تقول حبّذهِ، لأنه صار مع حب على ما ذكرتُ لك، وصار المذكر هو اللازم، لأنه كالمثَل.
وسألتُه عن قوله: وهو الراعي: فأومأْتُ إيما خَِفَّيا لحبترٍ ... وللهِ عَيْنَا حبترٍ أيُّما فَتَى فقال: أيما تكون صفة للنكرة، وحالا للمعرفة، وتكون استفهاماً

مبنيا عليها ومبنية على غيرها، ولا تكون لتبيين العدد ولا في الاستثناء نحو قولك أتَوْني إلا زيدا.
ألا ترى أنك لا تقول: له عشرون أيما رجلٍ، ولا أتَوْني إلا أيما رجلٍ، فالنصبُ في: لي مثلُه رجلا، كالنصب في عشرين رجلا.
فأيما لا تكون في الاستثناء، ولا يختص بها نوع من الأنواع، ولا يُفسَّر بها عدد.
وأيما فتى استفهامٌ.
ألا ترى أنك تقول سُبحان الله مَن هو وما هو فهذا استفهام فيه معنى التعجب.
ولو كان خبرا لم يجز ذلك، لأنه لا يجوز في الخبر أن تقول مَن هو وتسكت.
وأما أحدٌ وكَرّابٌ وأرمٌ وكَتيعٌ وعريبٌ، وما أشبه ذلك، فلا يقعن واجباتٍ ولا حالا ولا استثناء، ولا يُستخرج به نوعٌ من الأنواع فيعمل ما قبله فيه عمل عشرين في الدرهم إذا قلت عشرون درهما، ولكنهن يقعن في النفى مبنيا عليهن ومبنية على غيرهن.
فمن ثم تقول: ما في الناس مثلُه أحدٌ، حملتَ أحدا على مثل ما حملت عليه مثلا.
وكذلك ما مررت بمثلِك أحدٍ، وقد فسرنا لمَ ذلك.
فهذه حالُها كما كانت تلك حال أيما.
فإذا قلت: له عسلٌ ملءُ جرة، وعليه دَينٌ شَعَرُ كلبين، فالوجهُ الرفع، لأنه وصفٌ.
والنصب يجوز كنصب عليه مائةٌ بيضا بعد التمام.
وإن شئت قلت: لي مثلُه عبدٌ، فرفعتَ.
وهي كثيرة في كلام العرب.
وإن شئت رفعتَه على أنه صفةٌ وإن شئت كان على البدل.
فإذا قلت: عليها مثلُها زُبدٌ، فإن شئت رفعت على البدل، وإن

شئت رفعت على قوله ما هو؟ فتقول: زبدٌ، أي هو زُبدٌ.
ولا يكون الزبد صفة لأنه اسم.
والعبد يكون صفة، وتقول: هذا رجلٌ عبدٌ.
وهو قبيح لأنه اسم.
؟

هذا باب النداء

اعلم أن النداء، كل اسم مضاف فيه فهو نصبٌ على إضمار الفعل المتروك إظهارُه.
والمفرد رفعٌ وهو في موضع اسمٍ منصوب.
وزعم الخليل رحمه الله أنهم نصبوا المضافَ نحو يا عبدَ الله ويا اخانا، والنكرة حين قالوا: يا رجلا صالحا، حين طال الكلام، كما نصبوا: هو قبلَك

وهو بعدَك.
ورفعوا المفردَ كما رفعوا قبلُ وبعدُ وموضعهما واحد، وذلك قولك: يا زيدُ ويا عمرو.
وتركوا التنوين في المفرد كما تركوه في قبلُ.
قلت: أرأيتَ قولهم يا زيدُ الطويلَ علامَ نصبوا الطويل؟ قال: نُصب لأنه صفةٌ لمنصوب.
وقال: وإن شئت كان نصبا على أعني.
فقلت: أرأيتَ الرفعَ على أي شيء هو إذا قال يا زيدُ الطويلُ؟ قال: هو صفةٌ لمرفوع.
قلت: ألستَ قد زعمت أن هذا المرفوع في موضع نصبٍ، فلمَ لا يكون كقوله لقيتُه أمس الأحدثَ؟ قال: من قبل أن كل اسم مفرد في النداء مرفوع أبدا، وليس كل اسم في موضع أمس يكون مجرورا، فلما اطرد الرفعُ في كل مفرد في النداء صار عندهم بمنزلة ما يرتفع بالابتداء أو بالفعل، فجعلوا وصفَه إذا كان مفردا بمنزلته.
قلت: أفرأيت قول العرب كلهم: أزيدُ أَخا ورقاءَ إن كنتَ ثائراً ... فقد عرضَتْ أحناءُ حقٍ فخاصمِ

لأي شيء لم يجز فيه الرفعُ كما جاز في الطويل؟ قال: لأن المنادى إذا وُصف بالمضاف فهو بمنزلته إذا كان في موضعه، ولو جاز هذا لقلت يا أخونا، تريد أن تجعله في موضع المفرد؛ وهذا لحنٌ.
فالمضاف إذا وُصف به المنادى فهو بمنزلته إذا ناديته، لأنه هنا وصفٌ لمنادى في موضع نصبٍ، كما انتصب حيث كان منادى لأنه في موضع نصب، ولم يكن فيه ما كان في الطويل لطوله.
وقال الخليل رحمه الله: كأنهم لما أضافوا ردوه إلى الأصل.
كقولك: إن أمسَك قد مضى.
وقال الخليل رحمه الله وسألته عن يا زيد نفسَه، ويا تميمُ كلَّكم، ويا قيسُ كلَّهم، فقال: هذا كله نصبٌ، كقولك: يا زيدُ ذا الجُمّة.
وأما يا تميمُ أجمعون فأنته فيه بالخيار، إن شئت قلت أجمعون، وإن شئت قلت أجميعن، ولا ينتصب على أعنى، من قبل أنه مُحال أن تقول أعني أجمعين.
ويدلك على أن أجمعين ينتصب لأنه وصفٌ لمنصوب قول يونس: المعنى في الرفع والنصب واحدٌ.
وأما المضاف في الصفة فهو ينبغي له أن لا يكون إلا نصبا إذا كان المفردُ ينتصب في الصفة.
قلت: أرأيت قول العرب: يا أخانا زيدا أقبل؟ قال: عطفوه على هذا

المنصوب فصار نصبا مثله، وهو الأصل، لأنه منصوب في موضع نصبٍ.
وقال قوم: يا أخانا زيدُ.
وقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله: وهو قول أهل المدينة، قال: هذا بمنزلة قولنا يا زيد، كما كان قولُه يا زيدُ أخانا بمنزلة يا أخانا، فيُحملُ وصفُ المضاف إذا كان مفرَداً بمنزلته إذا كان منادى.
ويا اخانا زيدا أكثرُ في كلام العرب؛ لأنهم يردونه إلى الأصل حيث أزالوه عن الموضع الذي يكون فيه منادى، كما ردوا ما زيدٌ إلا منطلقٌ إلى أصله، وكما ردوا أتقولُ حين جعلوه خبرا إلى أصله.
فأما المفرد إذا كان منادى فكلُ العرب ترفعه بغير تنوين، وذلك لأنه كثُر في كلامهم، فحذفوه وجعلوه بمنزلة الأصوات نحو حَوب وما أشبهه.
وتقول: يا زيدُ زيدُ الطويل، وهو قول أبي عمرو.
وزعم يونس أن رؤبة كان يقول يا زيدُ زيدا الطويلَ.
فأما قول أبي عمرو فعلى قولك: يا زيدُ الطويلٌ، وتفسيره كتفسيره.
وقال رؤبة: إنَّي وأسطارٍ سُطِرنَ سَطْرَا ... لَقائلٌ يا نصرُ نَصْراً نَصْرَا

وأما قول رؤبة فعلى أنه جعل نصرا عطفَ البيان ونصبَه، كأنه على قوله يا زيدُ زيدا.
وأما قول أبي عمرو فكأنه استأنف النداء.
وتفسير يا زيدُ زيدُ الطويلُ كتفسير يا زيدُ الطويلُ، فصار وصفُ المفرد إذا كان مفردا بمنزلته لو كان منادى.
وخالف وصف أمسِ لأن الرفع قد اطرد في كل مفردٍ في النداء.
وبعضُهم ينشد: ين نصرُ نصرُ نَصْرَا وتقول: يا زيدُ وعمرو، ليس إلا لأنهما قد اشتركا في النداء في قوله يا.
وكذلك يا زيدُ وعبد الله، ويا زيدُ لا عمرو، ويا زيدُ أو عمرو؛ لأن هذه الحروف تُدخل الرفعَ في الآخِر كما تدخل في الأول، وليس ما بعدها بصفة، ولكنه على يا.
وقال الخليل رحمه الله من قال يا زيدُ والنّضْرَ فنصب، فإنما نصب لأن هذا كان من المواضع التي يُردّ فيها الشيء إلى أصله.
فأما العرب فأكثر

ما رأيناهم يقولون: يا زيدُ والنضرُ.
وقرأ الأعرج: " يا جِبالُ أوبي معه والطيرُ ". فرفع.
ويقولون: يا عمرو والحارثُ، وقال الخليل رحمه الله: هو القياس، كأنه قال: ويا حارثُ.
ولو حمل الحارثُ على يا كان غيرَ جائز البتة نصب أو رفع، من قبل أنك لا تنادى اسما فيه الألفُ واللام بيا، ولكنك أشركت بين النضر والأول في يا، ولم تجعلها خاصة للنضر، كقولك ما مررت بزيد وعمرو، ولو أردت عملين لقلت ما مررتُ بزيد ولا مررتُ بعمرو.
وقال الخليل رحمه الله: ينبغي لمن قال النّضرَ فنصب، لأنه لا يجوز يا النضرُ، أن يقول: كلُّ نعجةٍ وسخلتها بدرهمٍ فينصب، إذا أراد لغة من يجر، لأنه محال أن يقول كل سخلتها، وإنما جر لأنه أراد وكلُّ سخلةٍ لها.
ورفع ذلك لأن قوله والنضرُ بمنزلة قوله ونضرُ، وينبغي أن يقول: أيُّ فَتَى هَيْجاءَ أنتَ وجارَها لأنه محالٌ أن يقول وأيُّ جارِها.
وينبغي أن يقول: رُبّ رجلٍ وأخاه.
فليس ذا من قبل ذا، ولكنها

حروفٌ تُشرك الآخِر فيما دخل فيه الأول.
ولو جاءت تلى ما وليه الاسم الأول كان غير جائز؛ لو قلت: هذا فصيلها لم يكن نكرة كما كان هذه ناقة وفصيلها.
وإذا كان مؤخَّراً دخل فيما دخل فيه الأول.
وتقول: يا أيها الرجل وزيدُ، ويا أيها الرجلُ وعبدَ الله؛ لأن هذا محمول على يا، كما قال رؤبة: يا دارَ عفراءَ ودارَ البَخدَنِ وتقول يا هذا ذا الجمة، كقولك: يا زيدُ ذا الجمة، ليس بين أحدٍ فيه اختلاف.
؟

جارٍ التحميل