الكتاب لسيبويهباب ما جرى من المَصادر المضافِة مَجرى

باب ما جرى من المَصادر المضافِة مَجرى

المصادر المُفرَدَةِ المَدْعُوَّ بها

وإنَّما أُضيفت ليكونَ المضافُ فيها بمنزلته فى اللام إذا قلت: سَقْياً لك، لتبيَّن من تَعنى.
وذلك: وَيْلَكَ، ووَيْحَكَ، ووَيْسَكَ، ووَيْبَكَ.
ولا يجوز: سَقْيَكَ، إنما تجرىي ذا كما أَجرت العربُ.
ومثلُ ذلك: عَددتُك وكِلْتُك " ووزنُتك "، ولا تقول: وهَبْتُك، لأنَّهم لم يُعَدّوه.
ولكنْ: وهبتُ لك.
وهذا حرفٌ لا يُتكلَّم به مفرَدا إلاّ أن يكون على وَيْلَك، وهو قولك: وَيْلَك وعَوْلَك، ولا يجوز: عَوْلَك.

هذا باب

ما يَنتصب على إضمار الفِعل المتروكِ إظهارُه

من المَصادر فى غير الدُّعاء

من ذلك قولك: حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً وعَجَبا، وأَفْعَلُ ذلك وكَرامةً

ومَسَرَّةً ونُعْمَةَ عَيْنٍ، وحُبّاً ونَعامَ عَيْنٍ، ولا أَفْعَلُ ذاك ولا كَيْداً ولا هَمًّا، ولأََفعلنّ ذاك ورَغْماً وهواناً.
فإنّما يَنتصب هذا على إضمار الفعل، كأَنك قلت: أَحْمَدُ الله حمدا وأشك الله شُكْرا، وكأَنَّك قلت: أَعْجَبُ عَجَبا، وأُكْرِمُك كَرامةً، وأَسُرُّك مَسَرّةً، ولا أَكادُ كَيْدا ولا أَهُمُّ هَمّاً، وأُرْغِمُك رَغْماً.
وإنّما اختُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل، كما فعلوا ذلك فى باب الدُّعاء.
كأَنّ قولك: حَمْداً فى موضع أَحْمَدُ الله، وقولك: عَجَباً منه فى موضع أَعْجَبُ منه، وقولَه: ولا كَيْداً فى موضع ولا أَكادُ ولا أَهُمُّ.
وقد جاء بعضُ هذا رفعاً يُبتدأُ ثمّ يُبنَى عليه.
وزعم يونسُ أنّ رؤبة ابن العّجاجِ كان يُنْشِدُ هذا البيتَ رفعاً، وهو لبعض مذحج، " وهو هني ابن أَحمرَ الكِنانى ": عَجَبٌ لِتلْكَ قَضِيّةً وإقامتى ... فيكمْ على تلك القضِيّة أَعْجَبُ وسمعنا بعضَ العرب الموثوقَ به، يقال له: كيف أَصبحتَ؟ فيقولُ: حمدُ اللهِ وثناءٌ عليه، كأَنَّه يَحمله على مضمَرٍ فى نيّته هو المظهَرُ، كأَنّه يقول: أمري

" وشأنى " حمدُ الله وثناءٌ عليه.
ولو نَصَبَ لكان الذى فى نفسه الفعلَ، ولم يكن مبتدأ لبيني عليه ولا ليكون مبنياً على شيء هو ما أَظْهَرَ.
وهذا مثلُ بيتٍ سمعناه من بعض العرب الموثوق به يَرويه: فقالت حَنانٌ ما أَتى بك ههنا ... أَذَو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحىِّ عارِفُ لم تُرِدْ حِنَّ، ولكنها قالت: أمرنُا حَنانٌ، أو ما يصيبنا حنانٌ.
وفى هذا المعنى كلّه معنى النصب.
ومثلُه فى أنَّه على الابتداء وليس علِى فعلٍ قولُه عزّ وجلَّ: " قالوا معذرة إلى ربكم ". لم يريدُوا أن يَعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من أمرٍ لِيمُوا عليه، ولكنَّهم قيل لهم: " لِمَ تَعِظُونَ " قَوْماً "؟ قالوا: مَوْعِظتُنا مَعْذِرَةٌ إلَى رَبَّكُم.
ولو قال رجلٌ لرجلٍ: معذرةً إلى الله وإليك من كذا وكذا، يريد اعتذاراً، لنصب.

ومثل ذلك قولُ الشاعر: يَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى ... صَبرٌ جَميل فكِلانا مُبْتَلَى والنصبُ أكثر وأجود؛ لأنه يأمره.
ومَثَلُ الرفع " فصبر جميل والله المستعان "، كأنه يقول: الأمرُ صبرٌ جميلٌ.
والذى يُرْفَعُ عليه حَنانٌ وصبرٌ وما أشبه ذلك لا يُستعمل إظهارُه، وتركُ إظهاره كتركِ إظهارِ ما يُنْصَبُ فيه.
ومثلُه قول بعض العرب: مَنْ أنتَ زيدٌ، أى من أنت كلامُك زيدٌ، فتركوا إظهارَ الرافع كترك إظهار الناصب، ولأنَّ فيه ذلك المعنى وكان بدلاً من اللفظ بالفعل، وسترى مثلَه إن شاء الله.

هذا بابٌ أيضاً من المصادر يَنتصب

بإضمار الفعل المتروك إظهارُه

ولكنَّها مصادرُ وُضعَتْ موضعاً واحدا لا تَتصرَّفُ فى الكلام تصرُّفَ ما ذكرنا من المصادر.
وتصرُّفُها أنّها تَقَعُ فى موضع الجرَّ والرفع وتدخلُها الألفُ واللام.
وذلك قولك: سُبْحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ ورَيْحانَه، وعَمْرَك الله إلاّ فعلتَ " وقِعدَك الله إلاَّ فعلتَ "، كأَنّه حيث قال: سُبْحانَ اللهِ قال: تسبيحاً، وحيث قال: وريحانَه قال: واستِرْزاقاً؛ لأنَّ معنى الرَّيْحانِ الرَّزْقُ.
فَنصَبَ هذا على أُسَبَّحُ الله تسبيحا، وأَستْرزِقُُ الله استرزاقا؛ فهذا بمنزلة سبحانَ اللهِ وريْحانَه، وخُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّه بدلٌ من اللفظ بقوله: سبحك وأَسترزقُك.
وكأَنّه حيث قال: معاذَ اللهِ، قال: عِياذاً باللهِ.
وعياذاً انتَصب على أَعوذُ باللهِ عياذا، ولكنهم لم يُظْهرِوُا الفعل ههنا كما لم يُظهر فى الذى قبله.
وكأَنّه حيث قال: عَمْرَك الله وقعِدْك الله.
قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله، كأَنك قلتَ: عمّرتُك عَمرا، ونشدتك نَشْداً، ولكنَّهم خَزلوا الفعل لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ به.

قال الشاعر: عمرتك الله إذا ما ذَكْرتِ لنا ... هل كنتِ جارتَنا أَيّامَ ذى سَلَمِ فقِعْدَك الله يَجرى هذا المجرى وإن لم يكن له فِعْل.
وكأَنّ قوله: عَمْرَك الله وقِعْدَك الله بمنزلة نَشْدَك الله وإن لم يُتكلَّم بنَشْدَك الله، ولكن زعم الخليل رحمه الله أنّ هذا تمثيلٌ يمثَّل به.
قال الشاعر، ابن أحمرَ: عَمَّرتُكَ الله الجَليلَ فإِنّنى ... أَلْوِى عليكَ لَوَ أنّ لُبَّكَ يَهْتَدِى والمصدرُ النَّشدانُ والنَّشدَةُ.

وهذا ذكرُ معنى " سُبحانَ "، وإنَّما ذُكر ليبيَّن لك وجهُ نصبِه وما أِشبهه.
زعم أبو الخَطّاب أنّ سُبْحانَ اللهِ كقولك: بَرَاءَةَ اللهِ من السُّوءِ، كأَنَّه يقول: " أبرَّئُ " براءةَ الله من السُّوء.
وزعم أنَّ مثلَه قولُ الشاعر، وهو الأعشى: أقول لما جاءَنى فَخْرُه ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ أى براءةً منه.
وأمّا تركُ التنوين فى سُبْحانَ فإِنما تُرك صرفُهُ لأنه صار عندهم معرفةً، وانتصابُه كانتصاب الحمدَ لله.
وزعم أبو الخَطّاب أَنّ مثَلَه قولُك للرجل: سَلاماً، تريد تسلُّماً منك، كما قلت: براءَةً منك، تريد: لا ألتبس بشيء من أمرك.
وزعم أنّ أبا ربيعةَ كان

يقول: إذا لقيتَ فلانا فُقْل " له " سَلاماً.
فزعم أنه سأَله ففَسَّرَه له بمعنى براءةً منك.
وزعم أنّ هذه الآية: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " بمنزلة ذلك، لأنّ الايَةَ فيما زَعم مكّيّةٌ، ولم يؤمَرِ المسلمون يومئذ أن يسلَّموا على المشركين، ولكنّه على قولك: " براءة منكم " وتسلُّما، لا خيرَ بيننا وبينكم ولا شرَّ.
وزعم أنّ قولَ الشاعر، وهو أُميّةُ بن أبى الصَّلْت: سَلامَك ربَّنا فى كلّ فَجرٍ ... بَرِيئاً ما تَغَنَّثُكَ الذُّمومُ على قوله: براءتَك ربَّنا من كلّ سوء.
فكلُّ هذا يَنتصب انتصاب حَمداً وشُكْراً، إلاّ أنَّ هذا يَتصرّف وذاك لا يَتصرّف.
ونظير سُبْحانَ الله فى البناء من المصادر والمجرى لا فى المعنى " غُفْرانَ "؛ لأنّ بعض العرب يقول: غُفْرانَك لا كُفْرانَك، يريد استغفاراً لا كُفْراً.
ومثل هذا

قوله جلّ ثناؤه: " ويقولون حجرا محجورا، أى حراماً محرماً، يريدبه البراءةَ من الأمر ويبعَّدُ عن نفسه أمراً، فكانه قال: أُحَرَّمُ ذلك حَراماً محرَّما.
ومثل ذلك أن يقول الرجلُ للرجل: أتَفعل كذا وكذا؟ فيقولُ: حِجراً، أى سِتْرا وبراءةً من هذا.
فهذا يَنتصب على إضمار الفعل، ولم يُرِدْ أن يَجعله مبتدأ خبره بعده ولا مبنيًّا على اسم مضمَرٍ.
واعلم أنَّ من العرب من يَرفع سلاما إذا أراد معنى المبارأةِ، كما رفعوا حَنانٌ.
سمعنا بعضَ العرب يقول " لرجل ": لا تكونن مني " في شيء " إلاَّ سلامٌ بسَلامٍ، أى أمرى وأمرُك المبارأةُ والمتاركةُ.
وتركوا لفظ ما يَرفعُ كما تركوا فيه لفظَ ما يَنصب، لأنَّ فيه ذلك المعنى، ولأنَّه بمنزلة لفظِك بالفعل.
وقد جاء سُبْحانَ منوَّنا مفرَداً فى الشعر، قال الشاعرُ، وهو أمية ابن أبى الصلت: سُبحانَه ثم سُبْحاناً يَعودُ له ... وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِىُّ والجُمُدُ

شبّهه بقولهم: حِجْراً وسَلاما.
وأمّا سُبّوُحاً قُدُّوساً رَبَّ الملائكةِ والرُّوحِ، فليس بمنزلة سُبحانَ اللهِ؛ لأنّ السُّبّوحَ والقُدّوسَ اسمٌ، ولكنَّه على قوله: أَذْكرُ سُبُّوحاً قُدّوساً.
وذاك أنَّه خَطَرَ على باله أو ذكره ذاكر فقال: سبوحاً، أى ذكرتَ سُبّوحاً، كما تقولُ: أهلَ ذاك، إذا سمعتَ الرجلَ ذَكَرَ الرجلَ بثناءٍ أو يذم، كأَنّه قال: ذكرتَ أهلَ ذاك؛ لأنَّه حيث جرى ذكرُ الرجل " فى منطقة " صار عنده بمنزلة قوله: أَذكُرُ فلانا، أو ذكرتَ فلانا.
كما أنَّه حيثُ أَنْشَدَ ثم قال: صادِقاً، صار الإِنشادُ عنده بمنزلة قاَلَ، ثم قال: صادِقاً وأهلَ ذاك، فحملَه على الفعل متابِعاً للقائل والذاكرِ.
فكذلك: سُبُّوحاً قُدّوسا، كأَنَّ نفسهَ " صارت " بمنزلة الرجل الذاكر والمنشِدِ حيث خطر على باله الذكرُ، ثم قال: سبُّوحا قُدّوسا، أى ذكرتَ سُبُّوحا، متابِعاً لها فيما ذكَرت وخطَر على بالها.
وخَزَلوا الفعلَ لأنَّ هذا الكلام صار عندهم بدلا من سبَّحت، كما كان مَرْحبا بدلا من رَحُبَت بلادُك وأَهِلَتْ.
ومن العرب من يَرفع فيقولُ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " رَبَّ الملائكة والرُّوح "، كما قال: أهلُ ذاك وصادقٌ واللهِ.
وكلُّ هذا على ما سمعنا العربَ تَتكلَّم به رفعا ونصباً.
ومثلُ ذلك: خَيْرُ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ، " وخَيْرَ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ " أُجرى مُجرى خيرَ مقدمٍ وخيرُ مقدمٍ.

ومما يَنتصب فيه المصدرُ على إضمار الفعلِ المتروك إظهارُه، ولكنَّه فى معنى التعجُّبِ، قولُك: كَرَماً وصَلَفاً، كأَنَّه قال: أَلْزَمَك اللهُ وأَدامَ لك كَرَماً وأُلْزِمْتَ صَلَفاً، ولكنهم خَزَلُوا الفعلَ ههنا كما خزلوه فى الأوّل، لأنَّه صار بدلا من قولك: أَكرِمْ به وأَصْلِفْ به، كما انتَصب مَرْحَباً.
وقلتَ " لَكَ "، كما قلت " بِكَ " بعد مَرْحَباً، لتبيّن من تَعنى، فصار بدلاً فى اللفظ من رَحُبَتْ " بلادُك.
وسمعتُ أَعرابيا وهو أبو مُرْهِبٍ، يقول: كَرَماً وطُولَ أنف، أي أكرم بك وأطول بأنفك ".

جارٍ التحميل