بابٌ جرى مجرى الفاعل الذى يتعداه فعلُه
إلى مفعولَيْنِ فى اللفظ لا في المعنى
وذلك قولك: يا سارق الليل أهل الدار
" و " تقول على هذا الحد: سرقت الليل أهلَ الدار، فتجْرِى الليلةَ على الفعل فى سَعَةِ الكلام، كما قال: صِيدَ عليه يومان، ووُلِدَ له ستّون عاماً.
فاللفظُ يَجرى على قوله: هذا مُعْطِى زيدٍ درهَماً، والمعنى إنّما هو فى الليلة، وصِيدَ عليه فى اليومين، غيرَ أنّهم أَوقعوا الفعلَ عليه لسَعة الكلام.
وكذلك لو قلت: هذا مُخْرجُ اليومِ الدرهمَ وصائدُ اليومِ الوحشَ.
ومثلُ ما أُجْرِىَ مُجرى هذا فى سَعة الكلام والاستخفافِ قوله عزّ وجلّ: " بل مكر الليل والنهار ". فالليلُ والنهار لا يَمكُرانِ، ولكنّ المكرَ فيهما.
فإِنْ نوّنتَ فقلت: يا سارقاً الليلةَ أهلَ الدار، كان حدُّ الكلام أن يكونَ أهلُ الدار على سارقٍ منصوبا، ويَكون الليلةُ ظرفاً، لأنّ هذا موضعُ انفصالٍ.
وإن شئت أجريته على الفعل على سَعة الكلام.
ولا يجوز: يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار إلاّ فى شعرٍ، كراهيةَ أن يفصلوا
بين الجارّ والمجرور.
فإِذا كان منوَّنا فهو بمنزلة الفعل الناصبِ، تكون الأسماءُ فيه منفصلة.
قال الشاعر، وهو الشَّمَّاخ:
رُبَّ ابنِ عَمَّ لسُلَيمَى مُشْمَعِلّْ ... طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
" هذا على: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار ". وقال الأخطل:
وكرار خلف المحجرين وجواده ... إذا لم يُحامِ دونَ أُنثَى حَليلها
فإِنْ قلت: كرّارٍ وطبّاخٍ، صار بمنزلة طبختُ وكررت، تُجرِيها مجرى السَّارق حين نوّنتَ، على سعة الكلام.
وقال " رجل من بنى عامر ":
ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعَامِراً ... قليلٍ سِوىَ الطَّعْنِ النَّهالِ نَوافِلُهْ
" وكما قال: ثَمانِىَ حِجَجٍ حَجَجْتُهنّ بيت اللهِ ".
ومما جاء فى الشعر قد فُصِلَ بينه وبين المجرور قول عمرو بن قَمِيئَةَ.
لمّا رأت ساتسدما اسْتَعْبَرَت ... لله درُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا
وقال أبو حَيَّةَ النُّمَيْرىُّ:
كما خط الكتاب بكف يوماً ... يهودي يقارب أو يُزيلُ
وهذا لا يكون فيه إلاّ هذا، لأنَّه ليس فى معنى فِعلٍ ولا اسمِ الفاعلِ الذى جرى مَجرى الفعل.
وممّا جاء مفصولا بينه وبين المجرور قولُ الأعشى:
ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بدا ... هة قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ
وقال ذو الرمّة:
كأَنَّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
فهذا قبيحٌ.
ويجوز فى الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وأَفضلِ مَن ثَمَّ.
وقالت دُرْناَ بنت عَبعَبَةَ، من بني قيس بن ثعلبة:
هما أَخَوَا فى الحَرْبِ مَنْ لا أَخاَ له ... إذا خافَ يوماً نَبْوةً فدَعاهما
وقال الفرزدق:
يا من رأى عارضاً أسر به ... بَيْنَ ذِراعَىْ وجَبْهِة الأَسَدِ
وأما قوله عزّ وجلّ: " فبما نقضهم ميثاقهم " فإِنَّما جاء لأنه ليس
ل " مَا " معنىً سِوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثم جاء ذلك، إذْ لم تُرِدْ به أكثرَ من هذا، وكانا حرفينِ أحدُهما فى الآخَر عاملٌ.
ولو كان اسماً أو ظرفا أو فعلاً لم يجزْ.
وأمّا قوله: أُدْخِلَ فُوهُ الحَجَرَ، فهذا جرى على سَعة الكلام " والجيِّد أُدخل فاه الحجر "، وكما قال: أَدخلتُ فى رأسى القَلَنْسُوَةَ " والجيّد أَدخلتُ فى القَلنسوة رأسى ". وليس مثلَ اليوم والليلة لأنهما ظرفان، فهو مخالف له فى هذا، مُوافِقٌ " له " فى السعة.
قال الشاعر:
تَرى الثَّورَ فيها مُدخِلَ الظل رأْسَهُ ... وسائرُه بادٍ إلى الشمس أَجْمَعُ
فوجه الكلام فيه هذا، كراهيةَ الانفصال.
وإذا لم يكن فى الجرَّ فحدُّ الكلام أن يكون الناصبُ مبدوءاً به.
هذا بابٌ صار الفاعِلُ فيه بمنزلة
الّذى فَعَلَ فى المعنى، وما يَعْمَلُ فيه
وذلك قولك: هذا الضاربُ زيداً، فصار فى معنى " هذا " الّذى ضرَبَ
زيداً، وعَمِلَ عَمَله، لأنّ الألفَ واللام مَنَعَتا الإِضافة وصارتا بمنزلة التنوين.
وكذلك: هذا الضاربُ الرّجلَ، وهو وجهُ الكلام.
وقد قال قومٌ من العرب تُرضىَ عربيَّتُهم: هذا الضاربُ الرجلِ، شبّهوه بالحَسَنِ الوجهِ، وإن كان ليس مثلَه فى المعنى ولا فى أَحواله إلاّ أنّه اسمٌ، وقد يَجُرُّ كما يجر وَيَنْصِبُ أيضاً كما يَنْصِبُ، وسيبيَّن ذلك فى بابه " إن شاء الله ".
وقد يشبهون الشيء بالشيء وليس مثلَه فى جميع أحواله، وسترى ذلك فى كلامهم كثيراً.
وقال المَرّار الأسدىّ:
أَنا ابنُ التارِكِ البَكْرِىَّ بشْرٍ ... عليه الطَّيْرُ تَرْقُبُه وقوعا
سمعناه ممن يرويه عن العبر، وأَجرى بشرا على مجرى المجرور، لأنَّه جعله بمنزلة ما يُكَفُّ منه التنوينُ.
ومثل ذلك فى الإِجراء على ما قبله: هو الضاربُ زيداً والرَّجُلَ، لا يكون فيه إلاّ النصبُ، لأنَّه عَمِلَ فيهما عمل المنَّون، ولا يكون: هو الضاربُ عمروٍ كما لا يكون: هو الحسنُ وجهٍ.
ومن قال: هذا الضاربُ الرجلِ، قال: هو الضاربُ الرجلِ وعبدِ الله.
ومن ذلك إِنشادُ بعض العرب قول الأعشى:
الواهب المائه الهجان وعبدها ... عوذا تزجى بينها أطفالها
وإذا ثنيت أو جمعت فأثبت النون قلت: هذان الضاربان زيدا وهؤلاء الضاربون الرجل، لا يكون فيه غير هذا، لأن النون ثابتة.
ومثل ذلك قوله عز وجل: " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ". وقال ابن مُقْبِلٍ:
يا عَيْنِ بَكَّى حُنَيفْاً رأَسَ حيِّهِمِ ... الكاسرينَ القَنَا فى عَوْرَةِ الدُّبُرِ
فإِنْ كففتَ النون جررت وصار الاسم داخلاً في الجار، " و " بدلاً من النُّون، لأنَّ النون لا تعاقِبُ الألفَ واللامَ ولم تَدخل على الاسم بعد أن ثبتتْ فيه الألفُ واللام؛ لأنَّهْ لا يكون واحداً معروفا ثم يثنّى؛ فالتنوينُ قبلَ الألف واللام، لأنَّ المعرفة بعد النكرة، فالنّونُ مكفوفةٌ والمعنى معنى ثبات النون، كما كان ذلك فى الاسم الذى جرى مجرى الفعل المضارع، وذلك قولك: هما الضارب زيدٍ، والضاربِوُ عمروٍ.
وقال الفرزدق:
أُسَيَّدُ ذو خُرَيَّطَةٍ نَهاراً ... مِنَ المُتَلَقَّطِى قَرَدِ القمام وقال رجل من بني ضبة: الفراجي بابِ الأميرِ المُبْهَمِ وقال رجل من الأنصار:
الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرةِ لا ... يَأتِيهِمُ من وَرائنا نَطَفُ
لم يَحذف النون للإِضافة، ولا ليُعاقِبَ الاسمُ النّونَ، ولكن حذفوها كما حذفوها من الّلذَينِ والّذينَ حيثُ طال الكلامُ وكان الاسمُ الأوّل مُنتهاه الاسمُ الآخِرُ.
وقال الأَخطل:
أَبَنِى كُلَيْبٍ إنّ عَمَّىَّ الَّلذَا ... سَلَبَا المُلوكَ وفَكَّكَا الأَغْلاَلاَ
لأن معناه " معنى " الذينَ فعلوا وهو مع المفعول بمنزلة اسم مُفْرَدٍ لم يَعْمَلْ في شيء، كما أنّ الذينَ فعلوا مع صلته بمنزلة اسم.
وقال أَشهَبُ بن رُمَيلةَ:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القول كلُّ القومِ يا أُمَّ خالِدِ
وإذا قلت: هم الضاربوك وهما الضارباك، فالوجه فيه الجرّ، لأنَّك إذا كففتَ النونَ من هذه الأسماءِ في المظر كان الوجهُ الجرَّ، إلاَّ فى قول من قال: " الحافظو عورةَ العشيرة ".
ولا يكون فى قولهم: هم ضاربوك، أن تكون الكف فى موضع النصب، لأنَّك لو كففتَ النون فى الإِظهار لم يكن إلاَّ جرًّا، ولا يجوز في الإظهار: هم ضاربوا زيداً، لأنَّها ليست فى معنى الذى، " لأنها " ليست فيها الألفُ واللام كما كانت فى الذى.
واعلم أنَّ حذفَ النون والتنوينِ لازمٌ مع علامة المضمرَ غيرِ المنفصل، لأنّه لا يُتكلّم به مفرَداً حتّى يكون متّصِلا بفعلٍ قبله أو باسم فيه ضمير، فصار كأنّه النونُ والتنوينُ فى الاسم، لأنَّهما لا يكونان إلاَّ زَوائَد ولا يكونانِ إلاّ فى أَواخر الحرُوف.
والمظهَرُ وإن كان يعاقِبُ النُّونَ والتنوينَ فإِنَّه ليس كعلامة المضمَرِ المتَّصلِ؛ لأنه اسمٌ يَنفصِل ويُبْتَدَأُ، وليس كعلامة الإِضمار لأنها فى اللفظ كالنون
والتنوين، فهى أَقربَ إليها من المظهرَ، اجتَمع فيها هذا والمعاقبةُ.
وقد جاء فى الشَّعر، وزعموا أنّه مصنوع:
هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونه ... إذا ما خَشُوا من مُحدثِ الأمْرِ مُعْظَمَا
وقال:
ولم يَرْتِفقْ والناس مُحْتَضِرونُه ... جميعاً وأَيْدِى المعتفين رواهقه