الكتاب لسيبويهباب لا تكون هو واخواتها فيه فصلا

باب لا تكون هو واخواتها فيه فصلا

ولكن يكن بمنزلة اسم مبتدإ.

وذلك قولك: ما أظن أحداً هو خير منك، وما أجعلُ رجلا هو أكرم منك، وما إخالُ رجلا هو أكرمُ

منك.
لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة، وكما أن كلهم وأجمعين لا يكرَّران على نكرة، فاستقبحوا أن يجعلوها فصلا في النكرة كما جعلوها في المعرفة لأنها معرفة، فلم تصر فصلا إلا لمعرفة كما لم تكن وصفا ولا بدلا إلا لمعرفة.
وأما أهل المدينة فينزلون هو ها هنا بمنزلته بين المعرفتين، ويجعلونها فصلا في هذا الموضع.
فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا، وقال: احتبى

ابنُ مروان في ذِه في اللحن.
يقول: لحنَ، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول: اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ: " هؤلاء بناتي هن أطهرَ لكم "، فنصب.
وكان الخليل يقول: والله إنه لعظيمٌ جعلهم هو فصلا في المعرفة وتصييرهم إياها بمنزلة ما إذا كانت ما لغوا، لأن هو بمنزلة أبوه، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس.
وإنما قياسُها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما.
ومما يقوى ترك ذلك في النكرة أنه لا يستقيم أن تقول: رجلٌ خيرٌ منك.
ويقول: لا يستقيم أظن رجلا خيرا منك، فإن قلت: لا أظن رجلا خيرا منك فجيد بالغ.
ولا تقول: أظن رجلا خيرا منك، حتى تنفى وتجعله بمنزلة أحد، فلما خالفَ المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، لم يجرِ في النفي مجراه لأنه قبيح في الابتداء وفيما أجرى مجراه من الواجب، فهذا مما يقوى ترك الفصل.

؟

هذا باب أى

اعلم أن أيا مضافا وغير مضاف بمنزلة مَن.
ألا ترى أنك تقول: أيٌ أفضل، وأيُ القوم أفضلُ.
فصار المضاف وغير المضاف يجريان مجرى مَن، كما أن زيدا وزيدَ مَناة يجريان مجرى عمرو، فحال المضاف في الإعراب والحُسن والقبح كحال المفرد.
قال الله عز وجل: " أَيَّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسنى "؛ فحسُن كحسنه مضافا.
وتقول: أيها تشاء لك، فتشاء صلةٌ لأيها حتى كمل اسما، ثم بنيتَ لك على أيها، كأنك قلت: الذي تشاء لك.
وإن أضمرت الفاء جاز وجزمت تشأ، ونصبت أيها.
وإن أدخلتَ الفاء قلت: أيها تشأ فلك؛ لأنك إذا جازيت لم يكن الفعل وصلا، وصار بمنزلته في الاستفهام إذا قلت أيها تشاء؟ وكذلك مَن تجرى مجرى أيٍ في الذي ذكرنا وتقع موقعه.
وسألتُ الخليل رحمه الله عن قولهم: اضربْ أيُّهم أفضل؟ فقال: القياس النصب، كما تقول: اضرب الذي أفضلُ، لأن أيا في غير الجزاء والاستفهام بمنزلة الذي، كما أن مَن في غير الجزاء والاستفهام بمنزلة الذي.

وحدّثنا هارون أن ناساً، وهم الكوفيون يقرؤونها: " ثم لننزِعنّ من كل شيعةٍ أيَّهم أشدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتيّا "، وهي لغة جيدة، نصبوها كما جروها حين قالوا: امرُرْ على أيهم أفضلُ، فأجراها هؤلاء مجرى الذي إذا قلت: اضربِ الذي أفضلُ، لأنك تُنزل أيا ومَن منزلة الذي في غير الجزاء والاستفهام.
وزعم الخليل أن أيُّهم إنما وقع في اضربْ أيهم أفضل على أنه حكاية، كأنه قال: اضرب الذي يقال له أيهم أفضلُ، وشبهه بقول الأخطل: ولقد أبيتُ مِن الفتاة بمنزلٍ ... فأبيتُ لا حرجٌ ولا محرومُ

وأما يونس فيزعم أنه بمنزلة قولك: أشهدُ إنك لَرسولُ الله.
واضربْ معلّقةٌ.
وأرى قولهم: اضربْ أيهم أفضلُ على أنهم جعلوا هذه الضمة بمنزلة الفتحة في خمسةَ عشرَ، وبمنزلة الفتحة في الآنَ حين قالوا من الآنَ إلى غدٍ، ففعلوا ذلك بأيهم حين جاء مجيئا لم تجئ أخواته عليه إلا قليلا، واستُعمل استعمالا لم تُستعمله أخواته إلا ضعيفا.
وذلك أنه لا يكاد عربي يقول: الذي أفضل فاضربْ، واضربْ مَن أفضلُ، حتى يدخلَ هو.
ولا يقول: هاتِ ما أحسنُ حتى يقول ما هو أحسن.
فلما كانت أخواته مفارِقة له لا تستعمل كما يُستعمل خالفوا بإعرابها إذا استعملوه على غير ما استُعملت عليه أخواته إلا قليلا.
كما أن قولك: يا اللهُ حين خالف سائرَ ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفَه، وكما أن ليس لما خالفت سائر الفعل ولم تصرف تصرف الفعل تُركت على هذه الحال.
وجاز إسقاط هو في أيهم كما كان: لا عليك، تخفيفا، ولم يجزْ في أخواته إلا قليلاً ضعيفاً.

وأما الذين نصبوا فقاسوه وقالوا: هو بمنزلة قولنا اضربِ الذين أفضلُ، إذا أثرنا أن نتكلم به.
وهذا لا يرفعه أحد.
ومن قال: امرُرْ على أيهم أفضل قال: امرُرْ بأيهم أفضل؛ وهما سواء.
فإذا جاء أيهم مجيئاً يحسن على ذلك المجيء أخواته ويكثر رجع الى الأصل والى القياس، كما ردوا ما زيدٌ إلا منطلقٌ إلى الأصل وإلى القياس.
وتفسير الخليل رحمه الله ذلك الأول بعيد، إنما يجوز في شعر أو في اضطرار.
ولو ساغ هذا في الأسماء لجاز أن تقول: اضربِ الفاسقُ الخبيثُ تريد الذي يقال له الفاسقُ الخبيثُ.
وأما قول يونس فلا يشبه أشهد إنك لمنطلق.
وسترى بيان ذلك في باب إن وأن إن شاء الله.
ومن قولهما: اضربْ أيٌ أفضلُ.
وأما غيرهما فيقول: اضربْ أيا أفضلُ.
ويقيس ذا على الذي وما أشبهه من كلام العرب، ويسلم في ذلك المضاف إلى قول العرب ذلك، يعني أيهم، وأجروا أيا على القياس.

ولو قالت العرب اضربْ أيٌ أفضلُ لقلته، ولم يكن بدٌ من متابعتهم.
ولا ينبغي لك أن تقيس على الشاذ المنكر في القياس، كما أنك لا تقيس على أمس أمسك، ولا على أيقول، ولا سائر أمثلة القول، ولا على الآن أنَك.
وأشبه هذا كثير.
ولو جعلوا أيا في الانفراد بمنزلته مضافا لكانوا خُلقاء إن كان بمنزلة الذي معرفة أن لا ينون؛ لأن كل اسم ليس يتمكن لا يدخله التنوين في المعرفة ويدخله في النكرة.
وسترى بيان ذلك فيما ينصرف ولا ينصرف إن شاء الله.
وسألته رحمه الله عن أيّي وأيُّك كان شرا فأخزاه الله؟ فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب منى ومنك، إنما يريد منا.
وكقولك: هو بيني وبينك، تريد هو بيننا.
فإنما أراد أيُّنا كان شرا، إلا أنهما لم يشتركا في أي ولكنه أخلصَه لكل واحدٍ منهما.
وقال الشاعر، العباس ابن مرداس: فأيِّى ما وأيُّك كان شرَّا ... فسيقَ إلى المُقامةِ لا يَرَاها

وقال خداشُ بن زهير: ولقد علمتُ إذا الرجالُ تَناهَزُوا ... أيِّى وأيّكمُ أعزُّ وأمنعُ وقال خداش أيضا: فأيَّى وأيُّ ابنِ الحُصين وعثعثٍ ... غداةَ التقينا كان عندك أعذرا

؟ باب مجرى أى مضافاً على القياس

وذلك قولك: اضربْ أيَّهم هو أفضل، واضرب أيَّهم كان أفضل، واضرب أيهم أبوه زيد.
جرى ذا على القياس لأن الذي يحسن ها هنا.
ولو قلت: آضربْ أيهم عاقلٌ رفعت، لأن الذي عاقل قبيحة.

فإذا أدخلتَ هو نصبتَ لأن الذي هو عاقل حسن.
ألا ترى أنك لو قلت: هذا الذي هو عاقل، كان حسنا.
وزعم الخليل رحمه الله أنه سمع عربيا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئا.
وهذه قليلة، ومن تكلم بهذا فقياسه اضربْ أيهم قائل لك شيئا.
قلت: أفيقال: ما أنا بالذي منطلق؟ فقال: لا.
فقلت: فما بالُ المسألة الأولى؟ فقال: لأنه إذا طال الكلام فهو أمثلُ قليلا، وكأن طولَه عوض من ترك هو.
وقلّ من يتكلم بذلك.

؟ باب أي مضافاً الى ما لا يكمل

اسما إلا بصلة

فمن ذلك قولك: اضربْ أيُّ مَن رأيتَ أفضلُ.
فمَن كمل اسما برأيتَ فصار بمنزلة القوم، فكأنك قلت: أيُّ القوم أفضل، وأيهم أفضلُ، وكذلك أيُ الذين رأيت في الدار أفضلُ.
وتقول: أي الذين رأيتَ في الدار أفضل؟ لأن رأيت من صلة الذين، وفيها متصلة برأيت، لأنك ذكرت موضع الرؤية، فكأنك قلت أيضا: أي القوم أفضل وأيهم أفضل؛ لأن فيها لم تغير الكلام عن حاله.
كما أنك إذا قلت: أيُ مَن رأيتَ قومَه أفضل؟

كان بمنزلة قولك: أيُ مَن رأيتَ أفضلُ.
فالصلة معملة وغيرَ معملةٍ في القوم سواءٌ.
وتقول: أيَّ من في الدار رأيت أفضلَ، وذاك لأنك جعلت في الدار صلة فتم المضاف إليه أيٌ اسما، ثم ذكرتَ رأيت، فكأنك قلت: أي القوم رأيت أفضل، ولم تجعل في الدار ها هنا موضعا للرؤية.
وتقول: أيُّ مَن في الدار رأيتَ أفضل، كأنك قلت: أيُ من رأيتَ في الدار أفضلُ.
ولو قلت أيُ من في الدار رأيتَه زيدٌ، إذا أردت أن تجعل في الدار موضعا للرؤية لجاز.
ولو قلت: أيُ مَن رأيت في الدار أفضل، قدّمتَ أو أخّرتَ سواء.
وتقول في شيء منه آخر: أيُ مَن إن يأتنا نُعطه نُكرمه.
فهذا إن جعلته استفهاما فإعرابه الرفع، وهو كلام صحيح، من قبل إن يأتنا نعطِه صلةٌ لمَن فكمل اسما.
ألا ترى أنك تقول مَن إن يأتنا نعطِه بنو فلان، كأنك قلت: القومُ بنو فلان، ثم أضفتَ أيا إليه، فكأنك قلت: أيُ القوم نُكرمه وأيهم نُكرمه؟ فإن لم تدخل الهاء في نُكرم نصبتَ، كأنك قلت: أيهم نُكرم.
فإن جعلتَ الكلام خبرا فهو محال؛ لأنه لا يحسن أن تقول في الخبر: أيهم نُكرمه.
ولكنك إن قلت أيَّ مَن إن يأتنا نعطِه نُكرم تُهين، كان

في الخبر كلاما، لأن أيهم بمنزلة الذي في الخبر، فصار نكرم صلةً، وأعملت تُهين، كأنك قلت: الذي نُكرمُ تُهين.
وتقول: أيَّ مَن إن يأتنا نُعطه نُكرم تُهن، كأنك قلت: أيَّهم نُكرِم تُهن.
وتقول: أيُ مَن يأتينا يريد صلتنا فنحدثه، فيستحيل في وجه ويجوز في وجه.
فأما الوجه الذي يستحيل فهو أن يكون يريد في موضع مُريدٍ إذا كان حالا فيه وقع الإتيان، لأنه معلّق بيأتينا، كما كان فيها معلقا برأيت في: أيُ مَن رأيت في الدار أفضل، فكأنك قلت: أيُهم فنحدثه.
فهذا لا يجوز في خبر ولا استفهام.
وأما الوجه الذي يجوز فيه فإن يكون يريدُ مبنيا على ما قبله، ويكون يأتينا الصلة.
فإن أردت ذلك كان كلاما، كأنك قلت: أيهم يريد صلتَنا فنحدثه وفنحدثه إن أردت الخبر.
وأما أيَّ مَن يأتينا فنحدثه فهو محال.
لأن أيَّهم فنحدثه محال.
فإن أخرجت الفاء فقتل: أيَّ من يأتيني نُحدّثُه، فهو كلام في الاستفهام، محالٌ في الإخبار.
وتقول: أيَّ مَن إن لم يأته مَن إن يأتِنا نُعطه تأتِ يكرمْك.
وذلك أن مَن الثانية صلتها إن يأتنا نعطه، فصار بمنزلة زيد، فكأنك قلت: أي مَن إن يأته زيدٌ يُعطه تأتِ يكرمْك، فصار إن يأته زيدٌ يعطِه صلة لمن الأولى، فكأنك قلت: أيهم تأتِ يُكرمْك.

فجميع ما جاز وحسن في أيهم ها هنا جاز في: أي مَن إن يأته من إن يأتنا نعطه يُعطِه، لأنه بمنزلة أيهم.
وسألت الخليل رحمه الله عن قولهم: أيهن فلانة وأيتهن فلانة فقال: إذا قلت أي فهو بمنزلة كل لأن كلا مذكر يقع للمذكر والمؤنث وهو أيضا بمنزلة بعض، فإذا قلت أيتهن فإنك أردت أن تؤنث الاسم، كما أن بعض العرب فيما زعم الخليل رحمه الله يقول: كلَّتهن منطلقة.

؟ باب أي إذا كنتَ مستفهما بها عن نكرة

وذلك أن رجلا لو قال: رأيت رجلا قلت: أيا؟ فإن قال: رأيت رجلين قلت: أيّيْن؟ وإن قال: رأيت رجالا قلت: أيِّين؟ فإن ألحقتَ يا فتى في هذا الموضع فهي على حالها قبل أن تلحق يا فتى.
وإذا قال رأيت امرأة قلت: أية يا فتى؟ فإن قال: رأيتُ امرأتين قلت: أيَّتَين يا فتى؟ فإن قال: رأيتُ نسوة قلت: أيّاتٍ يا فتى؟ فإن تكلم بجميع ما ذكرنا مجرورا جررتَ أيا، وإن تكلم به مرفوعا رفعتَ أيا، لأنك إنما تسألهم على ما وضع عليه المتكلم كلامه.
قلت: فإن قال: رأيت عبدَ الله أو مررت بعبد الله؟ قال: فإن الكلام أن لا تقول أيا، ولكن تقول: مَن عبدُ الله؟ وأيٌ عبدُ الله؟

لا يكون إذا جئت بأي إلا الرفع، كما أنه لا يجوز إذا قال: رأيت عبدَ الله أن تقول مَنَا؟ وكذلك لا يجوز إذا قال رأيت عبدَ الله أن تقول أيا؟ ولا تجوز الحكاية فيما بعد أي كما جاز فيما بعد مَن وذلك أنه إذا قال رأيت عبدَ الله قلت: أيٌ عبدُ الله؟ وإذا قال: مررتُ بعبد الله قلت: أيٌ عبدُ الله؟ وإنما جازت الحكاية بعد مَن في قولك مَن عبد الله، لأن أيا واقعة على كل شيء، وهي للآدميين.
ومَن أيضا مُسكّنةٌ في غير بابها، فكذلك يجوز أن تجعل ما بعد مَن في غير بابه.

؟ باب مَن اذا كنت مستفهما عن نكرة

اعلم أنك تثنى مَن إذا قلت رأيت رجلين كما تثنى أيا، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: مَنَيْن كما تقول أيين.
وأتاني رجلان فتقول: مَنان، وأتاني رجال فتقول: مَنون.
وإذا قال: رأيت رجالا قلت: مَنين، كما تقول أيِّين.
وإن قلت رأيت امرأة قلت: مَنَهْ؟ كما تقول

أية.
فإن وصل قال مَن يا فتى، للواحد والاثنين والجميع.
وإن قال رأيت امرأتين قلت مَنَتيْن كما قلت أيّتَين، إلا أن النون مجزومة.
فإن قال: رأيت نساءَ قلت: مَناتْ كما قلت أيّاتٍ، إلا أن الواحد يخالف أيا في موضع الجر والرفع، وذلك قولك: أتاني رجلٌ فتقول مَنُو، وتقول مررت برجل فتقول مَني.
وسنبين وجه هذه الواو والياء في غير هذا الموضع إن شاء الله.
فأي في موضع الجر والرفع إذا وقفتَ بمنزلة زيد وعمرو؛ وذلك لأن التنوين لا يلحق مَن في الصلة وهو يلحق أيا فصارت بمنزلة زيد وعمرو وأما مَن فلا ينون في الصلة، فجاء في الوقف مخالفا.
وزعم الخليل أن مَنَهْ ومَنَتَيْن ومَنَيْن ومَناتْ ومَنِين كل هذا في الصلة مُسكن النون، وذلك أنك تقول إذا رأيت رجالا أو نساء أو امرأة أو امرأتين، أو رجلاً أو رجلين: مَني يا فتى.
وزعم الخليل رحمه الله أن الدليل على ذلك أنك تقول مَنو في الوقف، ثم تقول مَن ي فتى، فيصير بمنزلة قولك مَن قال ذاك؟ فتقول: مَن يا فتى إذا عنيت جميعا، كأنك تقول مَن قال ذاك، إذا عنيت جماعةً.
وإما فارق باب مَن باب أي أن أيا في الصلة يثبت فيه التنوين، تقول: أيٌ ذا وأيةٌ ذهْ.
وزعم أن من العرب، وقد سمعناه من بعضهم، من يقول: أيّونَ

هؤلاء، وأيان هذان.
فأيٌ قد تُجمع في الصلة وتضاف وتثنى وتنون، ومَن لا يثني ويُجمع في الاستفهام ولا يضاف، وأيٌ منون على كل حال في الاستفهام وغيره، فهو أقوى.
وحدثنا يونس أن ناسا يقولون أبدا: مَنَا ومَنِي ومَنو، عنيت واحدا أو اثنين أو جميعا في الوقف.
فمن قال هذا قال أيا وأيٍ وأيٌ إذا عنى واحدا أو جميعا أو اثنين.
فإن وصل نون أيا.
وإنما فعلوا ذلك بمَن لأنهم يقولون: مَن قال ذاك؟ فيعنون ما شاءوا من العدد.
وكذلك أيٌ، تقول أيٌ يقول ذاك؟ فتعنى بها جميعا وإن شاء عنى اثنين.
وأما يونس فإنه كان يقيس مَنَهْ على أية، فيقول: مَنَةٌ ومنة ومنةٍ، إذا قال يا فتى.
وكذلك ينبغى له أن يقول إذا أثر أن لا يغيرها في الصلة.
وهذا بعيد، وإنما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرة في شعر ثم لم يُسمع بعدُ:

أتَوا نارى فقلتُ مَنونَ أنتْم ... فقالوا الجِنُّ قلتُ عِموا ظَلامَا وزعم يونس أنه سمع أعرابيا يقول: ضرب مَنٌ مَناً؟ وهذا بعيد لا تكلم به العرب ولا يستعمله منهم ناس كثير.
وكان يونس إذا ذكرها يقول لا يقبل هذا كلُ أحد.
فإنما يجوز مَنونَ يا فتى على ذا.
وينبغي لهذا أن لا يقول مَنو في الوقف، ولكن يجعله كأي.
وإذا قال رأيت امرأة ورجلا، فبدأت في المسألة بالمؤنث قلت: مَن ومَنا؛ لأنك تقول مَن يا فتى في الصلة في المؤنث.
وإن بدأت بالمذكر قلت مَن ومَنَهْ؟ وإنما جُمعت أيٌ في الاستفهام ولم تُجمع في غيره لأنه إنما الأصل فيها الاستفهام، وهي فيه أكثر في كلامهم، وإنما تشبه الأسماء التامة التي لا تحتاج إلى صلة في الجزاء وفي الاستفهام.
وقد تشبه مَن بها في هذه المواضع لأنها تجرى مجراها فيها.
ولم تقوَ قوةَ في أيٍ لما ذكرت لك، ولما يدخلها من التنوين والإضافة.

؟ باب ما لا تحسن فيه مَن

كما تحسُن فيما قبله

وذلك أنه لا يجوز أن يقول الرجل: رأيت عبدَ الله، فتقول مَنَا، لأنه إذا ذكر عبد الله فإنما يذكر رجلا تعرفه بعينه، أو رجلا أنت عنده ممن يعرفه بعينه فإنما تسأله على أنك ممن يعرفه بعينه، إلا أنك لا تدرى الطويلُ هو أم القصير أم ابنُ زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أن يُجرى هذا مجرى النكرة إذا كانا مفترقين.
وكذلك رأيته ورأيت الرجل، لا يحسن لك أن تقول فيهما إلا مَن هو ومنِ الرجل.
وقد سمعنا من العرب من يقال له ذهبنا معهم فيقول: مع مَنِينْ؟ وقد رأيته، فيقول: مَنا أو رأيت مَنا.
وذلك أنه سأله على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفه بعينه، وأن الأمر ليس على ما وضعه عليه المحدِّث، فهو ينبغي له أن يسأل في ذا الموضع كما سأل حين قال رأيت رجلاً.

؟

جارٍ التحميل