الكتاب لسيبويهباب ما يكون يفعل ومن فعل فيه مفتوحا

باب ما يكون يفعل ومن فعل فيه مفتوحا

وذلك إذا كانت الهمزة، أو الهاء، أو العين، أو الحاء، أو الغين، أو الخاء، لاماً أو عيناً.
وذلك قولك قرأ يقرأ، وبذأ يبذأ وخبأ يخبأ، وجبه يجبه، وقلع يقلع، ونفع ينفع، وفرغ يفرغ، وسبع يسبع، وضبع يضبع، وصنع يصنع، وذبح يذبح، ومنح يمنح، وسلخ يسلخ، ونسخ ينسخ.
هذا ما كانت هذه الحروف فيه لامات.
وأما ما كانت فيه عيناتٍ فهو كقولك: سأل يسأل، وثأر يثأر، وذأل يذأل، وذهب يذهب - والذألان: المر الخفيف - وقهر يقهر، ومهر يمهر، وبعث يبعث، وفعل يفعل، ونحل ينحل، ونحر ينحر، وشحج يشحج، ومغث يمغث، وفغر يفغر، وشغر يشغر، وذخر يذخر، وفخر يفخر.
وإنما فتحوا هذه الحروف لأنها سفلت في الحلق، فكرهوا أن يتناولوا حركة ما قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف، فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها وهو الألف، وإنما الحركات من الألف والياء والواو.
وكذلك حركوهن إذ كن عيناتٍ، ولم يفعل هذا بما هو من موضع الواو والياء، لأنهما من الحروف التي ارتفعت، والحروف المرتفعة حيزٌ على حدةٍ، فإنما تتناول للمرتفع حركةً من مرتفع، وكره أن يتناول للذي قد سفل حركةٌ من هذا الحيز.

وقد جاءوا بأشياء من هذا الباب على الأصل، قالوا: برأ يبرؤ كما قالوا: قتل يقتل، وهنأ يهنىء، كما قالوا: ضرب يضرب.
وهذا في الهمزة أقل؛ لأن الهمزة أقصى الحروف وأشدها سفولاً، وكذلك الهاء، لأنه ليس في الستة الأحرف أقرب إلى الهمزة منها، وإنما الألف بينهما.
وقالوا: نزع ينزع، ورجع يرجع، كما قالوا: ضرب يضرب.
وقالوا: نضح ينضح، ونبح ينبح، ونطح ينطح، وقالوا: منح يمنح، وقالوا: جنح يجنح كما قالوا: ضمر يضمر، وصار الأصل في العين أقل لأن العين أقرب إلى الهمزة من الحاء.
وقالوا: صلح يصلح، وقالوا: فرغ يفرغ، وصبغ يصبغ، ومضغ يمضغ، كما قالوا: قعد يقعد.
وقالوا: نفخ ينفخ، وطبخ يطبخ، ومرخ يمرخ، والأصل في هذين الحرفين أجدر أن يكون، يعنى الخاء والغين، لأنهما أشد الستة ارتفاعاً.
ومما جاء على الأصل مما فيه هذه الحروف عيناتٌ، قولهم: زأر يزئر، ونأم ينئم من الصوت، كما قالوا: هتف يهتف.
وقالوا: نهق ينهق، ونهت ينهت، مثل هتف يهتف.
وقالوا: نعر ينعر، ورعدت السماء ترعد، كما قالوا: هتف يهتف، وقعد يقعد.
وقالوا: شحج يشحج، ونحت ينحت، مثل ضرب يضرب.
وقالوا: شحب يشحب مثل قعد يقعد.
وقالوا: نغرت القدر تنغر، كما قالوا: طفر يطفر.
وقالوا: لغب يلغب كما قالوا: خمد يخمد، ومثل يلغب

من بنات العين شعر يشعر.
وقالوا: مخض بمخض، ونخل ينخل، مثل قتل يقتل.
وقالوا: نخر ينخر، كما قالوا: جلس يجلس: وقالوا: استبرأ يستبرىء، وأبرأ يبرىء، وانتزع ينتزع.
وهذا الضرب، إذا كان فيه شيءٌ من هذه الحروف لم يفتح ما قبلها، ولا تفتح هي أنفسها إن كانت قبل آخر حرفٍ، وذاك لأن هذا الضرب الكسر له لازمٌ في يفعل، لا يعدل عنه ولا يصرف عنه إلى غيره، وكذلك جرى في كلامهم.
وليس فعل كذلك، وذلك لأن فعل يخرج يفعل منه إلى الكسر والضم، وهذا لا يخرج إلا إلى الكسر، فهو لا يتغير، كما أن فعل منه على طريقة واحدة، وصار هذا في فعل لأن ما كان على ثلاثة أحرف قد يبنى على فعل وفعل وفعل، وهذه الأبنية كل بناء منها إذا قلت فيه فعل لزم بناءً واحداً في كلام العرب كلها.
وتقلو: صبح يصبح؛ لأن يفعل من فعلت لازمٌ له الضم لا يصرف إلى غيره فلذلك لم يفتح هذا.
ألا تراهم قالوا في جميع هذا هكذا، قالوا: قبح يقبح، وضخم يضخم، وقالوا: ملؤ يملؤ، وقمؤ يقمؤ، وضعف يضعف، وقالوا: رعف يرعف، وسعل يسعل كما قالوا: شعر يشعر.
وقالوا: ملؤ فلم يفتحوها لأنهم لم يريدوا أن يخرجوا

فعل من هذا الباب، وأرادوا أن تكون الأبنية الثلاثة فعل وفعل وفعل في هذا الباب، فلو فتحوا لا لتبس فخرج فعل من هذا الباب.
وإنما فتحوا يفعل من فعل لأنه مختلفٌ، وإذا قلت فعل ثم قلت يفعل علمت أن أصله الكسر أو الضم إذا قلت فعل، ولا تجد في حيز ملؤ هذا.
ولا يفتح فعل لأنه بناء لا يتغير، وليس كيفعل من فعل لأنه يجيء مختلفاً، فصار بمنزلة يقرىء ويستبرىء.
وإنما كان فعل كذلك لأنه أكثر في الكلام، فصار فيه ضربان، ألا ترى أن فعل فيما تعدى أكثر من فعل، وهي فيما لا يتعدى أكثر، نحو قعد وجلس.

جارٍ التحميل