الكتاب لسيبويهباب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا

باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا

ً

بمنزلة مثلٍ وغيرٍ

وذلك قولك: لو كان مَعَنا رجلٌ إلاّ زيدٌ لغُلِبنا.
والدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيدٌ لهلكْنا وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلتَ.
ونظر ذلك قوله عز وجل:

" لو كان فيهما آلهة إلا اللهُ لفسدَتا ". ونظير ذلك من الشعر قوله، وهو ذو الرمة: أنيخَت فألقتْ بَلْدَةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغامُها كأنه قال: قليلٍ بها الأصوات غيرُ بغامها، إذا كانت غيرُ غيرَ استثناء.
ومثل ذلك قوله تعالى: " لاَ يَسْتَوى الْقاَعِدُونَ مِنَ الْمْؤمِنينَ غيرُ

أُولىِ الضّرَر "، وقوله عز وجل ذكره: " صراطَ الذِينَ أنعمتَ عَلَيْهمْ غير المغضوبِ عَلَيْهمْ ". ومثل ذلك في الشعر للبيد بن ربيعة: وإذا أُقرضتَ قرضاً فاجرِه ... إنَّما يَجْزِى الفَتَى غيرُ الجملْ وقال أيضا: لو كان غيري سُليمى اليومَ غيّرَهُ ... وقعُ الَحوادثِ إلاّ الصارمُ الذّكرُ

كأنه قال: لو كان غيري غيرُ الصارم الذكر، لغيره وقع الحوادث، إذا جعلت غيرا الآخرة صفة للأولى.
والمعنى أنه أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيّره شيء.
وإذا قال: ما أتاني أحد إلا زيد، فأنت بالخيار إن شئت جعلت إلا زيد بدلا، وإن شئت جعلته صفة.
ولا يجوز أن تقول: ما أتاني إلا زيدٌ وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة مثل، وإنما يجوز ذلك صفة.
ونظير ذلك من كلام العرب أَجْمَعُونَ، لا يجرى في الكلام إلا على اسم، ولا يعمل فيه ناصبٌ ولا رافعٌ ولا جار.
وقال عمرو بن معدى كرب: وكلُ أخٍ مُارقُه أخوه ... لعَمْرُ أبيك إلاّ الفرقدانِ

كأنه قال: وكلُ أخ غيرُ الفرقدين مفارقُه أخوه، إذا وصفتَ به كُلاً، كما قال الشماخ: وكلُ خليلٍ غيرُ هاضم نفسِه ... لوصلِ خليلٍ صارمٌ أو مُعازرُ ولا يجوز رفع زيد على إلا أن يكون، لأنك لا تضمِر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن أنْ يكون اسما.

؟

هذا باب

ما يقدَّم فيه المستثنى وذلك قولك: ما فيها إلا أباك أحدٌ، وما لي إلا أباك صديقٌ.
وزعم الخليل رحمه الله أنهم إنما حملهم على نصب هذا أن المستثني إنما وجهه عندهم أن يكون بدلا ولا يكون مبدَلاً منه؛ لأن الاستثناء إنما حده أن تَدارَكَه بعد ما تنفى فتُبدِله، فلما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجه قد يجوز إذا أخّرتَ المستثني، كما أنهم حيث استقبحوا أن يكون الاسم صفة في قولهم: فيها قائما رجلٌ، حملوه على وجه قد يجوز لو أخّرتَ الصفة، وكان هذا الوجهُ أمثلَ عندهم من أن يحملوا الكلام على غير وجهه.
قال كعب بن مالك:

الناسُ ألبٌ علينا فيكَ، ليس لنا ... إلا السيوفَ وأطرافَ القَنَا وزَرُ سمعناه ممن يرويه عن العرب الموثوق بهم، كراهية أن يجعلوا ما حدُّ المستثني أن يكون بدلا منه بدلاً من المستثنى.
ومثل ذلك: ما لي إلا أباك صديقٌ.
فإن قلت: ما أتاني أحدٌ إلا أبوك خيرٌ من زيد، وما مررتُ بأحدٍ إلا عمرو خيرٍ من زيد وما مررتُ بأحد إلا عمرو خيرٍ من زيدٍ، كان الرفع والجر جائزين، وحسُن البدل لأنك قد شغلت الرافعَ والجار، ثم أبدلتَه من المرفوع والمجرور، ثم وصفتَ بعد ذلك.
وكذلك: مَن لي إلا أبوك صديقا؛ لأنك أخليت مَن للأب ولم تُفرده لأن يعمل كما يعمل المبتدأ.

وقد قال بعضهم: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدا خيرٍ منه، وكذلك مَن لي إلا زيداً صديقاً، وما لي أحدٌ إلا زيدا صديقٌ؛ كرهوا أن يقدموا وفي أنفسهم شيء من صفته إلا نصبا، كما كرهوا أن يقدَّم قبل الاسم إلا نصبا.
وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحد، فيجعلون أحدا بدلا كما قالوا: ما مررتُ بمثله أحد، فجعلوه بدلا.
وإن شئت قلت: ما لي إلا أبوك صديقا، كأنك قلت: لى أبوك صديقا، كما قلت: مَن لي إلا أبوك صديقا حين جعلتَه مثلَ: ما مررتُ بأحدٍ إلا أبيك خيراً منه.
ومثله قول الشاعر، وهو الكَلحَبة الثعلبي: أمرتُكمُ أمرى بمنقطَع اللِّوى ... ولا أمرَ للمَعصيّ إلا مضيَّعا

كأنه قال: للمعضيّ أمرٌ مضيعا، كما جاز فيها رجلٌ قائما.
وهذا قول الخليل رحمه الله.
وقد يكون أيضا على قوله: لا أحدَ فيها إلا زيدا.
؟

هذا باب

ما تكون فيه في المستثنى الثاني بالخيار

وذلك قولك: ما لي إلا زيدا صديقٌ وعمرا وعمرٌو، ومَن لي إلا أباك صديقٌ وزيدا وزيدٌ.
أما النصب فعلى الكلام الأول، وأما الرفع فكأنه قال: وعمرو لي، لأن هذا المعنى لا ينقضُ ما تريد في النصب.
وهذا قول يونسَ والخليل رحمهما الله.

هذا باب تثنية المستثنى

وذلك قولك: ما أتاني إلا زيدٌ إلا عمرا.
ولا يجوز الرفعُ في عمرو، من قبل أن المستثنى لا يكون بدلا من المستثنى.
وذلك أنك لا تريد أن تُخرج الأول من شيء تُدخل فيه الآخِر.
وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدا إلا عمرٌو، فتجعل الإتيان لعمرو، ويكون زيد منتصبا من حيث انتصب عمرو، فأنت في ذا بالخيار إن شئت نصبت الأول ورفعت الآخر، وإن شئت نصبتَ الآخِر ورفعت الأول.

وتقول: ما أتاني إلا عمرا إلا بِشراً أحدٌ، كأنك قلت: ما أتاني إلا عمرا أحدٌ إلا بِشرٌ، فجعلتَ بشرا بدلا من أحد ثم قدّمت بشراً فصار كقولك: ما لي إلا بشراً أحدٌ؛ لأنك إذا قلت: ما لي إلا عمرا أحدٌ إلا بشرٌ، فكأنك قلت: ما لي أحدٌ إلا بشرٌ.
والدليل على ذلك قول الشاعر، وهو الكُميتُ: فما لِىَ إلاّ اللهُ لا رَبَّ غيرَه ... وما لىَ إلاّ اللهَ غيرَك ناصرُ فغيرَك بمنزلة إلا زيدا.
وأما قوله، وهو حارثة بن بدر الغُدانيّ:

يا كعبُ صَبْراً على ما كان من حدثٍ ... يا كعبُ لم يبقَ منّا غيرُ أجلادِ إلاَّ بقيّاتُ أنفاسٍ تُحشرِجُها ... كراحلٍ رائحٍ أو باكرٍ غادِى فإن غير ههنا بمنزلة مثل، كأنك قلت: لم يبقَ منها مثلُ أجلادٍ إلا بقياتُ أنفاس.
وعلى ذا أنشدَ بعض الناس هذا البيت رفعا للفرزدق: ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلاّ دارُ مروانِ

جعلوا غير صفة بمنزلة مثل، ومَن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصب أحدَهما، وهو قول ابن أبي إسحاق.
وأما إلا زيدٌ فإنه لا يكون بمنزلة مثل إلا صفة.
ولو قلت: ما أتاني إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله كان جيدا، إذا كان أبو عبد الله زيدا ولم يكن غيره، لأن هذا يكرَّر توكيدا، كقولك: رأيت زيدا زيدا.
وقد يجوز أن يكون غيرَ زيد على الغلط والنسيان، كما يجوز أن تقول: رأيتُ زيداً عمراً، لأه إنما أراد عمرا فنسى فتدارك.
ومثلُ ما أتاني إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله، إذا أردت أن تبيّن وتُوضحَ قوله: ما لك من شيخِك إلاّ عملُه ... إلاّ رسيمُه وإلاّ رَمَلُهْ

؟

هذا باب ما يكون مبتدأ بعد إلا

وذلك قولك: ما مررتُ بأحد إلا زيدٌ خيرٌ منه، كأنك قلت: مررت بقوم زيدٌ خيرٌ منهم، إلا أنك أدخلت إلا لتجعل زيدا خيرا من جميع من مررتَ به.
ولو قال: مررتُ بناس زيدٌ خيرٌ منهم، لجاز أن يكون قد مر بناس آخرين هم خيرٌ من زيد، فإنما قال: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٌ خيرٌ منه ليخبر أنه لم يمر بأحدٍ يفضل زيدا.
ومثل ذلك قول العرب: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
فأنْ أفعل كذا وكذا بمنزلة فعل كذا وكذا، وهو مبني على حِلّ، وحِلّ مبتدأ، كأنه قال: ولكنْ حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
وأما قولهم: والله لا أفعلُ إلا أن تفعل، فأنْ تفعل في موضع نصب، والمعنى حتى تفعل، أو كأنه قال: أو تفعل.
والأول مبتدأ ومبني عليه.

؟

هذا باب غيْرٍ

اعلم أن غيرا أبدا سوى المضاف إليه، ولكنه يكون فيه معنى إلا فيُجرى مُجرى الاسم الذي بعد إلا، وهو الاسم الذي يكون داخلاً فيما يخرج منه غيره وخارجا مما يدخل فيه غيره.
فأما دخوله فيما يخرج منه غيرُه فأتاني القومُ غيرَ زيد، فغيرهم الذين جاءوا ولكن فيه معنى إلا، فصار بمنزلة الاسم الذي بعد إلا.
وأما خروجه مما يدخل فيه غيره فما أتاني غيرُ زيدٍ.
وقد يكون بمنزلة مثل ليس فيه معنى إلا.
وكلُ موضع جاز فيه الاستثناء بالا جاز بغيْر، وجرى مجرى الاسم الذي بعد إلا، لأنه اسم بمنزلته وفيه معنى إلا.
ولو جاز أن تقول: أتاني القومُ زيدا، تريد الاستثناء ولا تذكر إلا لما كان إلا نصبا.
ولا يجوز أن يكون غير بمنزلة الاسم الذي يُبتدأ بعد إلا؛ وذلك أنهم لم يجعلوا فيه معنى إلا مبتدأ، وإنما أدخلوا فيه معنى الاستثناء في كل موضع يكون فيه بمنزلة مثل ويُجزئ من الاستثناء.
ألا ترى أنه لو قال: أتاني غيرُ عمرٍو كان قد أخبر أنه لم يأته وإن كان قد يستقيم أن يكون قد أتاه، فقد يُستغنى به في مواضع من الاستثناء.
ولو قال: ما أتاني غيرُ زيد، يريد بها منزلة مثل لكان مُجزِئاً من الاستثناء، كأنه قال: ما أتاني الذي هو غيرُ زيد،

فهذا يُجزئ من قوله: ما أتاني إلا زيدٌ.

جارٍ التحميل