الكتاب لسيبويهباب ما تجيء فيه الفعلة

باب ما تجيء فيه الفعلة

تريد بها ضربا من الفعل وذلك قولك: حسن الطعمة.
وقتلته قتلة سوءٍ، وبئست الميتة، وإنما تريد الضرب الذي أصابه من القتل، والضرب الذي هو عليه من الطعم.
ومثل هذا الركبة، والجلسة، والقعدة.
وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى، وذلك نحو الشدة، والشعرة، والدرية.
وقد قالوا: الدرية.
وقالوا: ليت شعري، في هذا الموضع، استخفافاً لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها، لأن هذا أكثر وصار كالمثل، كما قالوا: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، لأنه مثل، وهو أكثر في كلامهم من تحقير معدىٍّ في غير هذا المثل.
فإن حقرت معدىٌّ ثقلت الدال فقلت معيدىٌّ.
وتقول: هو بزنته، تريد أنه بقدره.
وتقول: العدة، كما تقول القتلة.

وتقول: الضعة والقحة، يقولون: وقاحٌ بين القحة، لا تريد شيئاً من هذا.
كما تقول: الشدة والدرية والردة وأنت تريد الارتداد.
وإذا أردت المرة الواحدة من الفعل جئت به أبداً على فعلةٍ على الأصل، لأن الأصل فعل.
فإذا قلت الجلوس والذهاب ونحو ذلك فقد ألحقت زيادةً ليست من الأصل ولم تكن في الفعل.
وليس هذا الضرب من المصادر لازماً بزيادته لباب فعل كلزوم الإفعال والاستفعال ونحوهما لأفعالهما.
فكان ماجاء على فعل أصله عندهم الفعل في المصدر، فإذا جاءوا بالمرة جاءوا بها على فعلةٍ كما جاءوا بتمرةٍ على تمرٍ.
وذلك: قعدت قعدةً وأتيت أتيةً.
وقالوا: أتيته إتيانةً، ولقيته لقاءةً واحدةً، فجاءوا به على المصدر المستعمل في الكلام.
كما قالوا: أعطى إعطاءةً واستدرج استدراجةً.
ونحو إتيانةٍ قليلٌ، والاطراد على فعلةٍ.
وقالوا غزاةٌ، فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل: حجةٌ، يراد به عمل سنةٍ.
ولم يجيئوا به على الأصل، ولكنه اسمٌ لذا.
وقالوا: قنمةٌ، وسهلكةٌن وخمطةٌ، جعلوه اسماً لبعض الريح كالبنة والشهدة والعسلة، ولم يرد به فعل فعلةً.

هذا باب

نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو

التي الياء والواو منهن في موضع اللامات قالوا: رميته رمياً وهو رامٍ، كما قالوا: ضربته ضرباً وهو ضاربٌ ومثل ذلك: مراه يمريه مرياً، وطلاه يطليه طلياً، وهو مارٍ وطالٍ.
وغزا يغزوه غزواً وهو غازٍ، ومحاه يمحوه محواً وهو ماحٍ، وقلاه يقلو قلواً وهو قالٍ.
وقالوا: لقيته لقاءً، كما قالوا: سفدها سفاداً، وقالوا: اللقى كما قالوا النهوك.
وقالوا: قليته فأنا أقليه قليً، كما قالوا: شريته شريً.
وقالوا: لمي يلمي لمياً، إذا اسودت شفته.
وقد جاء في هذا الباب المصدر على فعلٍ، قالوا: هديته هديً، ولم يكن هذا في غير هديً، وذلك لأن الفعل لا يكون مصدراً في هديت فصار هدىً عوضاً منه.
وقالوا: قليته قليً، وقريته قريً، فأشركوا بينهما في هذا فصار عوضا من الفعل في المصدر، فدخل كل واحد منهما على صاحبه، كما قالوا: كسوةٌ وكسيً، وجذوةٌ وجذيً، وصوةٌ وصويً، لأن فعلٌ وفعلٌ أخوان.
ألا ترى أنك إذا كسرت على فعل فعلةً لم تزد على أن تحرك العين وتحذف الهاء.
وكذلك فعلةٌ في فعل، فكل واحدٍ منهما أخٌ لصاحبه.
ألا ترى أنه إذا جمع كل واحد منهما بالتاء جاز فيه ما جاز في صاحبه، إلا أن أول هذا مكسور وأول هذا مضموم، فلما تقاربت هذه الأشياء دخل كل واحد منهما على صاحبه.
ومن العرب من يقول: رشوةٌ ورشاً، ومنهم من يقول: رشوةٌ

ورشاً، وحبوةٌ وحباً، والأصل رشاً.
وأكثر العرب يقول: رشاً وكسيً وجذيً.
وقالوا: شريته شريً، ورضيته رضيً.
فالمعتل يختص بأشياء، وستراه فيما تستقبل إن شاء الله.
وقالوا: عتا يعتو عتواًن كما قالوا خرج يخرج خروجاً، وثبت ثبوتاً.
ومثله دنا يدنو دنواًن وثوى يثوي ثوياً، ومضى يمضي مضياً، وهو عاتٍ دانٍ وثاوٍ وماضٍ.
وقالوا: نمى ينمي نماءً، وبدا يبدو بداءً، ونثا ينثو نثاءً، وقضى يقضي قضاءً.
وإنما كثر الفعال في هذا كراهية الياءات مع الكسرة، الواوات مع الضمة، مع أنهم قد قالوا: الثبات والذهاب.
فهذا نظيرٌ للمعتل.
وقد قالوا: بدا يبدو بداً، ونثا ينثو نثاً، كما قالوا: حلب يحلب حلباً، سلب يسلب سلباً، وجلب يجلب جلباً.
وقالوا: جرى جرياً، وعدا عدواً، كما قالوا: سكت سكتاً.
وقالوا: زنى يزني زناً، وسرى يسري سريً، والتقى، فصارتا ههنا عوضاً من فعلٍ أيضاً، فعلى هذا يجري المعتل الذي حرف الاعتلال فيه لام.

وقالوا: قومٌ غزي، وبدي، وعفي، كما قالوا: ضمرٌ وشهدٌ وقرحٌ.
وقالوا: السقاء والجناء، كما قالوا: الجلاس والعباد والنساك.
وقالوا: بهو يبهو بهاءً وهو بهيٌّ، مثل جمل جمالاً وهو جميل.
وقالوا: سروا يسرو سرواً وهو سريٌّ، كما قالوا: ظرف يظرف ظرفاً وهو ظريفٌ.
وقالوا: بذو يبذو بذاءً وهو بذيٌّ كما قالوا: سقم سقاماً وهو سقيم وخبث وهو خبيثٌ.
وقالوا: البذاء كما قالوا الشقاء.
وبعض العرب يقول: بذيت، كما تقول: شقيت.
ودهوت دهاءً وهو دهيٌّ، كما قالوا: ظرفت وهو ظريفٌ.
وقالوا: الدهاء، كما قالوا: سمح سماحاً.
وقالوا: داهٍ كما قالوا: عاقلٌ.
ومثله في اللفظ عقر وعاقرٌ.
وقالوا: دها يدهو وداهٍ، كما قالوا: عقل وعاقلٌ.
وقالوا: دهيٌّ كما قالوا: لبيبٌ.

هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن عينات تقول: بعته بيعاً وكلته كيلاً، فأنا أكيله وأبيعه، وكائلٌ وبائعٌ، كما قالوا: ضربه ضرباً وهو ضاربٌ.
وقالوا: سقته سوقاً وقلته قولاً، وهو سائقٌ وقائلٌ، كما قالوا: قتله يقتله قتلاً وهو قاتلٌ.
وقالوا: زرته زيارةً، وعدته عيادةً، وحكته حياكةً، كأنهم أرادوا الفعول ففروا إلى هذا كراهية الواوات والضمات.
وقد قالوا مع هذا: عبده عبادةً، فهذا نظير عمرت الدار عمارةً.
وقالوا: خفته فأنا أخافه خوفاً وهو خائفٌ، جعلوه بمنزلة لقمته فأنا ألقمه لقماً وهو لاقمٌ، وجعلوا مصدره على مصدره لأنه وافقه في الفعل والتعدي.
وقالوا: هبته فأنا أهابه هيبةً وهو هائبٌ، كما قالوا: خشيته وهو خاشٍ، والمصدر خشيةٌ وهيبةٌ.
وقد قال بعض العرب: هذا رجلٌ خافٌ، شبهوه بفرقٍ وفزع إذ كان المعنى واحداً.

وقالوا: نلته فأنا أناله نيلاً وهو نائلٌ، كما قالوا: جرعه جرعاً وهو جارعٌ، وحمده حمداً وهو حامدٌ.
وقالوا: ذمته فأنا أذيمه ذاما، وعبته أعيبه عاباً، كما قالوا: سرقه يسرقه سرقا.
وقالوا: عيباً.
وقالوا: سؤته سوءاً وقته قوتاً، وساءني سوءاً، تقديره فعلاً، كما قالوا: شغلته شغلاً وهو شاغلٌ.
وقالوا: عفته فأنا أعافه عيافةً وهو عائفٌ، كما قالوا: زدته زيادةً.
وبناء الفعل بناء نلت.
وقالوا: سرته فأنا أسوره سؤوراً، وهو سائرٌ.
وقالوا: غرت فأنا أغور غؤوراً وهو غائرٌ، كما قالوا: جمد جموداً وهو جامدٌ، وقعد قعوداً وهو قاعدٌ، وسقط سقوطاً وهو ساقط.
وقالوا: غرت في الشيء غؤوراً وغياراً، إذا دخلت فيه، كقولهم: يغور في الغور.
وقال الأخطل: لمَّا أتَوْها بمصباحٍ ومبْزَلِهِمْ ... سارت إليهم سُؤُور الأبجَلِ الضَّارِي

وقال العجاج: ورب ذي سرادقٍ محجور ... سرت إليه في أعالي السور وقالوا: غابت الشمس غيوباً، وبادت تبيد بيوداً، كما قالوا: جلس يجلس جلوسا، ونفر ينفر نفوراً.
وقالوا: قام يقوم قياماً، وصام يصوم صياماًن كراهية للفعول.
وقالوا: آبت الشمس إياباً، وقال بعضهم: أؤوباً، كما قالوا: الغؤور والسؤور، ونظيرها من غير المعتل الرجوع.
ومع هذا أنهم أدخلوا الفعال، كما قالوا: النفار والنفور، وشب شباباً وشبوبا، فهذا نظيره من العلة.
وقالوا: ناح ينوح نياحةً، وعاف يعيف عيافةً، وقاف يقوف قيافةً فراراً من الفعول.
وقالوا: صاح صياحاً وغابت الشمس غيابا، كراهية للفعول في بنات الياء، كما كرهوا في بنات الواو.

وقالوا: دام يدوم دواما وهو دائمٌ، وزال يزول زوالاً وهو زائلٌ وراح يروح رواحا وهو رائحٌ، كراهية للفعول.
وله نظائر أيضا: الذهاب والثبات.
وقالوا: حاضت حيضا، وصامت صوما، وحال حولاً؛ كراهية الفعول، ولأن له نظيراً نحو سكت يسكت سكتاً، وعجز يعجز عجزاً، ومثل ذلك مال يميل ميلاً.
فعىل ما ذكرت لك يجري المعتل الذي حرف الاعتلال فيه عينه.
وقالوا: لعت تلاع لاعاً، وهو لاعٌ، كما قالوا: جزع يجزع جزعاً وهو جزعٌ.
وقالوا: دئت تداء داءً وهو داءٌ، فاعلم، كا قالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجعٌ.
وقالوا: لعت وهو لاعئٌ مثل بعت وهو بائعٌ، ولاعٌ أكثر.
هذا باب نظائر بعض ما ذكرنا من بنات الواو التي الواو فيهن فاءٌ تقول: وعدته فأنا أعده وعداً، ووزنته فأنا أزنه وزناًن ووأدته فأنا أئده وأداً، كما قالوا: كسرته فأنا أكسره كسراً.
ولا يجيء في هذا الباب يفعل، وسأخبرك عن ذلك إن شاء الله.
واعلم أن ذا أصله على قتل يقتل وضرب يضرب، فلما كان من كلامهم استثقال الواو مع الياء حتى قالوا: ياجل ويبجل، كانت الواو مع الضمة أثقل، فصرفوا هذا الباب إلى يفعل، فلما صرفوه إليه كرهوا الواو بين

ياء وكسرةٍ إذ كرهوها مع ياء فحذفوها، فهم كأنهم إنما يحذفونها من يفعل.
فعلى هذا بناء ما كان على فعل من هذا الباب.
وقد قال ناسٌ من العرب: وجد يجد، كأنهم حذفوها من يوجد، وهذا لا يكاد يوجد في الكلام.
وقالوا: ورد يرد وروداً، ووجب يجب وجوباً، كما قالوا: خرج يخرج خروجاً، وجلس يجلس جلوساً.
وقالوا: وجل يوجل وهو وجلٌ فأتموها، لأنها لا كسرة بعدها، فلم تحذف، فرقوا بينها وبين يفعل.
وقالوا: وضؤ يوضؤ، ووضع يوضع، فأتموا ما كان على فعل كما أتموا ما كان على فعل، لأنهم لم يجدوا في فعل مصرفاً إلى يفعل كما وجدوه في باب فعل نحو ضرب وقتل وحسب، فلما لم يكن يدخله هذه الأشياء وجرى

على مثالٍ واحد، سلموه وكرهوا الحذف، لئلا يدخل في باب ما يختلف يفعل منه، فألزموه التسليم لذلك.
وقالوا: ورم يرم وورع يرع ورعاً وورماً، ويورع لغة، ووغر صدره يغر ووحر يحر وحراً ووغراً، ووجد يجد وجداً، ويوغر ويوحر أكثر وأجود، يقال يوغر ويوحر ولا يقال يورم، وولي يلي، أصل هذا يفعل، فلما كانت الواو في يفعل لازمة وتستثقل صرفوه من باب فعل يفعل إلى باب يلزمه الحذف، فشركت هذه الحروف وعد، كما شركت حسب يحسب وأخواتها ضرب يضرب وجلس يجلس.
فلما كان هذا في غير المعتل كان في المعتل أقوى.
وأما ما كان من الياء فإنه لا يحذف منه، وذلك قولك، يئس ييئس، ويسر ييسر، ويمن ييمن؛ وذلك أن الياء أخف عليهم؛ ولأنهم قد يفرون من استثقال الواو ومع الياء إلى الياء في غير هذا الموضع، ولا يفرون من الياء إلى الواو فيه؛ وهي أخف.
وسترى ذلك إن شاء الله.
فلما كان أخف عليهم سلموه.
وزعموا أن بعض العرب يقول: يئس يئس فاعلم؛ فحذفوا الياء من يفعل لاستثقال الياءات ههنا مع الكسرات، فحذف كما حذف الواو.
فهذه في القلة كيجد.
وإنما قل مثل يجد لأنهم كرهوا الضمة بعد الياء كما كرهوا الواو بعد الياء فيما ذكرت لك، فكذلك ما هو منها، فكانت الكسرة مع الياء أخف

عليهم؛ كما أن الياء مع الياء أخف عليهم؛ في مواضع ستبين لك، إن شاء الله، من الواو.
وأما وطئت ووطىء يطأ؛ ووسع يسع، فمثل ورم يرم وومق يمق، ولكنهم فتحوا يفعل وأصله الكسر، كما قالوا: قلع يقلع وقرأ يقرأ، فتحوا جميع الهمزة وعامة بنات العين.
ومثله وضع يضع.

جارٍ التحميل