باب ما يُنْصَبُ من المصادر
على إضمارِ الفعل غير المستعمل وإظهاره
وذلك قولك: سَقياً وَرْعياً، ونحو قولك: خَيْبةً، ودَفراً، وجَدْعاً وعَقْراً، وبؤُساً، وأُفَّةً وتُفَّةً، وبُعْداً وسُحْقاً.
ومن ذلك قولك: تَعْساً وتَبًّا، وجُوعاً " وجُوساً ". ونحوُ قول ابن مَيّادةَ:
تَفاقَدَ قومى إذ يَبيعون مُهجِتى ... بجارِيةٍَ بَهْراً لهمْ بعدها بَهْرَا
أى تبًّا.
" وقال:
ثمَّ قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْراً ... عَدَدَ النَّجْمِ والحَصَى والتُّرابِ
كأَنه قال: جَهْداً، أى جَهْدى ذلك ".
وإنما يَنتصب هذا وما أشبهه إذا ذُكر مذكورٌ فدعوتَ له أو عليه، على إضمار الفعل، كأَنّك قلت: سَقاك الله سَقياً، ورَعاك " الله " رعياً، وخيبك الله خيبة.
فكل هذا وأشباهه على هذا يَنتصب.
وإنَّما اختُزل الفعلُ ها هنا لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ بالفعل، كما جُعل الحَذَرَ بدلا من احذرْ.
وكذلك هذا كأَنَّه بدلٌ من سَقاك اللهُ ورَعاك " اللهُ "، ومِن خَيَّبَك الله.
وما جاء منه لا يَظهر له فِعلٌ فهو على هذا المثال نصب، كأنك جعلت بهراً بدلاً من بَهَرَك اللهُ، فهذا تمثيلٌ ولا يُتكلَّم به.
وممَّا يدلّك أيضاً على أنَّه على الفعلِ نُصب، أنّك لم تَذكر شيئاً من هذه المصادر لتَبنَى عليه كلاما كما يبنى على عبد الله إذا ابتدأتَه، وأَنّك لم تجعله مبنيَّا على اسمٍ مضمَر فى نِيّتك، ولكنه على دُعائِك له أو عليه.
وأمّا ذكرُهم " لك " بعد سَقْياً فإنّما هو ليبيَّنوا المعنَّى بالدعاءِ.
وربَّما تركوه استغناءً، إذا عَرَفَ الدّاعِى أنّه قد عُلم مَنْ يَعنى.
وربَّما جاء به على
العلم توكيداً، فهذا بمنزلة قولك: " بِكَ " بعد قولك: مَرْحَباً، يَجريانِ مَجْرًى واحداً فيما وصفتُ لك.
وقد رَفعتِ الشعراءُ بعضَ هذا فجعلوه مبتدأ وجعلوا ما بعده مبنيّا عليه.
قال أبو زُبَيْدٍ:
أَقامَ وأَقْوى ذاتَ يومٍ وخَيْبَةٌ ... لأول من يَلْقَى وشَرٌّ مُيسَّرُ
وهذا شبيهٌ رفعه ببيتٍ سمعناه ممَّن يوثق بعربيته، يَرويه لقومه، قال:
عَذِيُركَ من مَوْلًى إذا نِمْتَ لم يَنَمْ ... يقولُ الخَنَا أو تَعْتَرِيكَ زَنابِرُه
فلم يَحمل الكلام على اذعرين، ولكنّه قال: إنَّما عُذرُك أيّاى من مولّى هذا أمره.
ومثله قول الشاعر: أَهاجَيْتُمُ حَسّانَ عند ذَكائِه ... فَغَىٌّ لأَولادِ الحِماسِ طَويلُ وفيه المعنى الذى يكونُ فى المنصوب، كما أنّ قولَك: رحمةُ اللهِ عليه، فيه معنى الدّعاءِ، كأنّه قال: رَحِمهُ اللهُ.
هذا باب
ما جرى من الأسماءِ مجرى المَصادِرِ
التى يُدْعَى بها
وذلك قولك: تُرْباً، وجَنْدَلاً، وما أِشبه هذا.
فإِن أدخلت " لك " فقلت: ترباً لك.
فإن تفسيراً ههنا كتفسيرها فى الباب الأوّل، كأَنه قال: أَلْزَمك اللهُ وأَطعَمك اللهُ تُرباً وجندلاً، وما أشبه " من الفعل "، واختزل
الفعلُ ها هنا لأنَّهم جعلوه بدلاً من قولك: تَرِبَتْ يداك " وجُنْدِلتَ ".
وقد رَفَعَه بعض العرب فجعله مبتدأَ مبنيًّا عليه ما بعده، قال الشاعر:
لقد أَلَبَ الواشون أَلْباً لبَيْنهِمْ ... فتُرْبٌ لأَفواهِ الوُشاةِ وجَنْدَلُ
وفيه ذلك المعنى الذى فى المنصوب كما كان ذلك فى الأوّل.
ومن ذلك قول العرب: فَاهَا لفيكَ، وإنما تريد: فا الدَّاهيِة كأَنه قال: تُرْباً لفيك فصار بدلا من اللفظ بالفعل وأََضمر له كما أَضمر للتُرْب والجندلِ، فصار بدلا من اللفظ بقوله: دهاك اللهُ.
وقال أبو سِدْرةَ " الهُجَمى ":
تَحسَّبَ هَوَّاسٌ، وأَقْبَلَ، أَنّنى ... بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُهْ
فقلتُ له: فاها لفيكَ فإنّها ... قَلوصُ امْرِئٍ قارِيكَ ما أنت حاذِرُه ويدلُّك على أنه يريد به الداهية قوله، وهو عامر ابن الأحوص: وداهية من دواهي المنو ... ن تَرْهَبُها الناسُ لا فَالَها فجعل للداهية فَماً، حدثنا بذلك من يوثق به.
وهذا باب
ما أُجرى مُجرى المَصادر المَدْعُوَّ بها
من الصفات
وذلك قولك: هَنِيئاً مَرِياً " كأَنّك قلت: ثَبَتَ لك هَنيئاً مَريئاً، وهَنأَه
ذلك هَنيئاً ". وإنَّما نصبتَه لأنّه ذَكر " لك " خيراً أًصابه رجلٌ فقلتَ: هنيئاً مريئاً، كأَنّك قلت: ثَبَتَ ذَلك له هنيئاً مريئاً أو هنأه ذلك هنيئاً، فاختُزِلَ الفعلُ، لأنه صار بدلاً من اللفظ بقولك: هَنَأَك.
ويدلُّك على أنَّه على إضمار هنأَك ذلك هنيئاً، قولُ الشاعر، وهو الأخطل:
إلى إمامٍ تُغادِينا فَواضِلُه ... أَظْفَرَهَ اللهُ فَلْيَهْنِئْ له الظَّفَرُ
كأَنّه إذا قال: هنيئاً له الظَّفرُ، فقد قال: ليَهْنِئْ له الظفرُ، وإذا قال: ليهنِئْ له الظَّفرُ، فقد قال: هنيئاً له الظَّفرُ، فكلُّ واحد منهما بدلٌ من صاحبه، فلذلك اختَزَلَوا الفعلَ هنا، كما اختزلوه فى قولهم: الحَذَرَ.
فالظفرُ والهنئ عَمِلَ فيهما الفعلُ، والظَّفرُ بمنزلة الاسم فى قوله: هَنأهُ ذلك حين مُثّل.
وكذلك قول الشاعر:
هَنيئاً لأَربابِ البُيوتِ بُيوتهم ... وللعَزَب المِسْكينِ ما يتلمس