باب ما ينتصب لأنه خبر للمعروف المبني
على ما هو قبله من الأسماء المبهمة
والأسماء المبهَمة: هذا، وهذان، وهذه، وهاتان، وهؤلاء، وذلك
وذانك، وتلك وتانك، وتيك، وأولئك، وهو وهي، وهما، وهم وهن، وما أشبه هذه الأسماء، وما ينتصب لأنه خبر للمعروف المبني على الأسماء غير المبهمة.
فأما المبني على الأسماء المبهمة فقولك: هذا عبد الله منطلقا، وهؤلاء قومك منطلقين، وذاك عبد الله ذاهبا، وهذا عبد الله معروفاً.
فهذا اسمٌ مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله.
ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يُبنى عليه أو يبنى على ما قبله.
فالمبتدأ مُسند والمبنى عليه مسند إليه، فقد عمل هذا فيما بعده كما يعمل الجار والفعل فيما بعده.
والمعنى أنك تريد أن تنبهه له منطلقا، لا تريد أن تعرفه عبد الله؛ لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا، فمنطلقٌ حالٌ قد صار فيها عبد الله وحالَ بين منطلق وهذا، كما حال بين راكب والفعل حين قلت: جاء عبد الله راكبا، صار لعبد الله وصار الراكب حالا.
فكذلك هذا.
وذاك بمنزلة هذا.
إلا أنك إذا قلت ذاك فأنت تنبهه لشيء مُتراخ.
وهؤلاء بمنزلة هذا، وأولئك بمنزلة ذاك، وتلك بمنزلة ذاك.
فكذلك هذه الأسماء المبهمة التي توصَف بالأسماء التي فيها الألف واللام.
وأما هو فعلامة مضمَر، وهو مبتدأ، وحال ما بعده كحاله بعد هذا.
وذلك قولك: هو زيد معروفا، فصار المعروف حالا.
وذلك أنك ذكرت للمخاطَب إنسانا كان يجهله أو ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: أثبتْه
أو الزَمْه معروفا، فصار المعروف حالا، كما كان المنطلق حالا حين قلت: هذا زيد منطلقا.
والمعنى أنك أردت أن توضح أن المذكور زيد حين قلت معروفا، ولا يجوز أن تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف، لأنه يعرف ويؤكد، فلو ذكر هنا الانطلاق كان غير جائز، لأن الانطلاق لا يوضح أنه زيد ولا يؤكده.
ومعنى قوله معروفا: لا شك؛ وليس ذا فى منطلق.
وكذلك هو الحق بينا، ومعلوما، لأن ذا مما يوضَّح ويؤكَّد به الحق.
وكذلك هى وهما وهم وهن، وأنا وأنت وإنه.
قال ابن دارة:
أنا ابن دارةَ معروفاً بها نسبي ... وهل بدارةَ يا للناس من عارِ
وقد يكون هذا وصواحبه بمنزلة هو، يعرَّف به، تقول: هذا عبد الله فاعرفْه؛ إلا أن هذا علامة للمضمَر، ولكنك أردت أن تعرف شيئا بحضرتك.
وقد تقول: هو عبد الله، وأنا عبد الله، فاخرا أو مُوعداً.
أى اعرِفْني بما كنتَ تعرف وبما كان بلغك عني، يم يفسر الحال التي كان يعلمه عليها أو تبلغه فيقول: أنا عبد الله كريما جوادا، وهو عبد الله شجاعا بطلا.
وتقول: إني عبد الله؛ مصغِّراً نفسه لربه، ثم تفسر حال العبيد فتقول: آكِلاً كما تأكل العبيد.
وإذا ذكرت شيئا من هذه الأسماء التي هي علامة للمضمَر فإنه مُحال أن يظهر بعدها الاسم إذا كنت تُخبر عن عمل، أو صفة غير عمل، ولا تريد أن تعرفه بأنه زيدٌ أو عمرو.
وكذلك إذا لم توعد ولم تفخر أو تصغر نفسك؛ لأنك في هذه الأحوال تعرف ما تُرى أنه قد جُهل، او تُنزل المخاطَب منزلة من يجهل فخرا أو تهدُّداً او وعيدا، فصار هذا كتعريفك إياه باسمه.
وإنما ذكر الخليل رحمه الله هذا لنعرف ما يُحال منه وما يَحسن، فإن النحويين مما يتهاونون بالخلفْ إذا عرفوا الإعراب.
وذلك أن رجلا من
إخوانك ومعرفتك لو أراد أن يخبرك عن نفسه أو عن غيره بأمر فقال: أنا عبد الله منطلقا، وهو زيد منطلقا كان مُحالاً؛ لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأن هو وأنا علامتان للمضمَر، وإنما يضمِر إذا علم أنك عرفت من يعنى.
إلا أن رجلا لو كان خلفَ حائط، أو فى موضع تجهله فيه فقلت من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك، كان حسنا.
واما ما ينتصب لأنه خبر مبنى على اسم غير مبهم، فقولك: أخوك عبد الله معروفا.
هذا يجوز فيه جميع ما جاز في الاسم الذي بعد هو وأخواتها.
؟
هذا باب
ما غلبت فيه المعرفة النكرة
وذلك قولك: هذان رجلان وعبد الله منطلقين.
وإنما نصبت للمنطلقين لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة لعبد الله، ولا أن يكون صفة للاثنين، فلما كان ذلك مُحالاً جعلته حالا صاروا فيها، كأنك قلت: هذا عبد الله منطلقا.
وهذا شبيه بقولك: هذا رجل مع امرأةٍ قائمَيْن.
وإن شئت قلت: هذان رجلان وعبد الله منطلقان، لأن المنطلقين في هذا الموضع من اسم الرجلين، فجريا عليه.
وتقول: هؤلاء ناسٌ وعبد الله منطلقين، إذا خلطتَهم.
ومن قال: هذان رجلان وعبد الله منطلقان قال: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقون؛ لأنه لم يُشرك بين عبد الله وبين ناسٍ في الانطلاق.
وتقول: هذه ناقة وفصيلها راتعين.
وقد يقول بعضهم: هذه ناقة وفصيلها راتعان.
وهذا شبيه بقول من قال: كل شاةٍ وسخلتها بدرهم، إنما يريد كل شاةٍ وسخلة لها بدرهم.
ومن قال كل شاةٍ وسخلتها، فجعله يمنزلة كل رجل وعبد الله منطلقا لم يقل في الراتعين إلا النصب، لأنه إنما يريد حينئذ المعرفة، ولا يريد أن يُدخل السخلة في الكل لأن كل لا يدخل في هذا الموضع إلا على النكرة.
والوجه كل شاةٍ وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين، لأن هذا أكثر في كلامهم، وهو القياس.
والوجه الآخر قد قاله بعض العرب.
؟
هذا باب
ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة
وذلك قولك: هذا عبد الله منطلقٌ، حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب.
وزعم الخليل رحمه الله أن رفعه يكون على وجهين:
فوجهٌ أنك حين قلت: هذا عبد الله أضمرت هذا أو هو، كأنك قلت هذا منطلق أو هو منطلق.
والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعا خبرا لهذا، كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ، لا تريد أن تنقض الحلاوة، ولكنك تزعم أنه جمع الطعمين.
وقال الله عز واجلّ: " كلا إنها لظى.
نزاعة للشوى ". وزعموا أنها في قراءة أبى عبد الله.
" هذا بعلى شيخٌ ".
قال: سمعنا ممن يروى هذا الشعر من العرب يرفعه:
من يكُ ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظٌ مصيّفٌ مُشَتِّى
وأما قول الأخطل:
ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزل ... فأبيتُ لا حرجٌ ولا محرومُ
فزعم الخليل رحمه الله أن هذا ليس على إضمار أنا.
ولو جاز هذا على
إضمار أنا لجاز: كان عبد الله لا مسلمٌ ولا صالح على إضمار هو.
ولكنه فيما زعم الخليل رحمه الله: فأبيت بمنزلة الذي يقال لا حرجٌ ولا محروم.
ويقويه في ذلك قوله، وهو الربيع الأسدى:
على حين أنْ كانتْ عُقَيلٌ وشائِظا ... وكانتْ كلابٌ خامِرِى أمَّ عامرِ
فإنما أراد: كانت كلاب التي يقال لها خامرى أم عامر.
وقد زعم بعضهم أن رفعه على النفى، كأنه قال: فأبيتُ لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به.
وقال الخليل رحمه الله: كأنه حكاية لما كان يُتكلّم به قبل ذلك، فكأنه حكى ذلك اللفظ، كما قال:
كذَبْتُم وبيتِ الله لا تنكحونَها ... بني شابَ قرناها تصُرُّ وتحلُبُ
أى بنى من يقال له ذلك.
والتفسير الآخر الذي على النفى كأنه أسهل.
وقد يكون رفعه على أن تجعل عبد الله معطوفا على هذا كالوصف، فيصير كأنه قال: عبد الله منطلقٌ.
وتقول: هذا زيدٌ رجلٌ منطلقٌ على البدل، كما قال تعالى جدُّه: " بالناصية.
ناصيةٍ كاذبةٍ ". فهذه أربعة أوجه فى الرفع.
؟
هذا باب
ما يرتفع فيه الخبر لأنه مبنى على مبتدإ
أو ينتصب فيه الخبر لأنه حال لمعروفٍ مبنى على مبتدإ فأما الرفع فقولك: هذا الرجل منطلقٌ، فالرجل صفة لهذا، وهما بمنزلة اسم واحد، كأنك قلت: هذا منطلقٌ.
قال النابغة:
توهّمتُ آياتٍ لها فعرفتُها ... لِستّةِ أَعْوامٍ وذا العامُ سابعُ
كأنه قال: وهذا سابعٌ.
وأما النصب فقولك: هذا الرجل منطلقا، جعلتَ الرجل مبنيا على هذا،
وجعلت الخبر حالا له قد صار فيها، فصار كقولك: هذا عبد الله منطلقا.
وإنما يريد في هذا الموضع أن يُذكَر المخاطَب برجلٍ قد عرفه قبل ذلك، وهو في الرفع لا يريد أن يُذكره بأحد، وإنما أشار فقال هذا منطلقٌ، فكأن ما ينتصب من أخبار المعرفة ينتصب على أنه حالٌ مفعول فيها، لأن المبتدأ يعمل فيما بعده كعمل الفعل فيما يكون بعده، ويكن فيه معنى التنبيه والتعريف، ويحولُ بين الخبر والاسم المبتدإ كما يحول الفاعل بين الفعل والخبر، فيصير الخبر حالا قد ثبت فيها وصار فيها كما كان الظرف موضعا قد صِيرَ فيه بالنية وإن لم يذكر فعلا.
وذلك أنك إذا قلت فيها زيدٌ فكأنك قلت استقر فيها زيد وإن لم تذكر فعلاً؛ والنصب بالذى هو فيه كانتصاب الدرهم بالعشرين لأنه ليس من صفته ولا محمولا على ما حُمل عليه، فأشبه عندهم ضاربٌ زيدا.
وكذلك هذا عمل فيما بعده عمل الفعل، وصار منطلقٌ حالا، فانتصب بهذا الكلام انتصابَ راكب بقول: مرّ زيد راكبا.
وأما قوله عز وجل " هو الحقُّ مصدقا " فإن الحق لا يكون صفة
لهو، من قبل أن هو اسم مضمَر والمضمر لا يوصَف بالمظهر أبدا؛ لأنه قد استغنى عن الصفة.
وإنما تُضمِر الاسم حين يستغنى بالمعرفة، فمن ثم لم يكن في هذا الرفع كما كان في هذا الرجلُ.
ألا ترى أنك لو قلت: مررت بهو الرجل، لم يجز ولم يَحسن، ولو قلت: مررت بهذا الرجل، كان حسناً جميلاً.
؟