باب تحقير ما كسر عليه الواحد للجمع
وسأبين لك تحقير ذلك إن شاء الله اعلم أن كل بناء كان لأدنى العدد فإنك تحَّقر ذلك البناء لا تجاوزه إلى غيره، من قبل أنك إنَّما تريد تقليل الجمع، ولا يكون ذلك البناء إلاَّ لأدنى العدد، فلما كان ذلك لم تجاوزه.
واعلم أن لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر.
فأبنية أدنى العدد أفعلٌ نحو: أكلبٍ وأكعبٍ.
وأفعالٌ نحو: أجمالٍ وأعدالٍ وأحمالٍ، وأفعلةٍ نحو: أجربةٍ وأنصبةٍ وأغربةٍ.
وفعلةٌ نحو: غلمةٍ وصبيةٍ وفتيةٍ وإخوةٍ وولدةٍ.
فتلك أربعوة أبنية، فما خلا هذا فهو في الأصل للأكثر وأن شركه الأقل.
ألا ترى ما خلا هذا إنَّما يحقر على واحده، فلو كان شيءٌ مما خلا هذا يكون للأقل كان يحقر على بنائه، كما تحقر الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وذلك قولك في أكلبٍ: أكيلبٌ، وفي أجمالٍ: أجيمالٌ، وفي أجربة: أجيربة، وفي غلمةٍ: غليمةٌ، وفي ولدةٍ: وليدةٌ.
وكذلك سمعناها من العرب.
فكل شيء خالف هذه الأبنية في الجمع فهو لأكثر العدد، وإن عني به على الأقلُّ فهو داخلٌ على بناء الأكثر وفيما ليس له، كما يدخل الأكثر على بنائه وفي حيِّزه.
وسألت الخليل عن تحقير الدُّور، فقال: أردُّه إلى بناء أقل العدد؛ لأني إنما أريد تقليل العدد، فإذا أردت أن أقلله وأحقره صرت إلى بناء الأقلِّ، وذلك قولك: أديئرٌ، فإن لم تفعل فحقرها على الواحد وألحق تاء
الجمع؛ وذلك لأنَّك ترده إلى الاسم الذي هو لأقل العدد.
ألا ترى أنَّك تقول للأقل ظبياتٌ وغلواتٌ وركواتٌ، ففعلاتٌ ههنا بمنزلة أفعلٍ في المذكَّر وأفعالٍ ونحوهما.
وكذلك ما جمع بالواو والنون والياء والنون، وإن شركه الأكثر كما شرك الأكثر الأقلُّ فيما ذكرنا قبل هذا.
وإذا حقَّرت الأكف والأرجل وهنَّ قد جاوزن العشر قلت: أكيفٌّ وأريجلٌ؛ لأنَّ هذا بناء أدنى العدد، وإن كان قد يشرك فيه الأكثر الأقلَّ.
وكذلك الأقدام والأفخاذ.
ولو حقَّرت الجفنات وقد جاوزن العشر لقلت: جفينات لا تجاوز؛ لأنها بناء أقلِّ العدد.
وإذا حقَّرت المرابد والمفاتيح والقناديل والخنادق قلت: مريبدات، ومفيتيحات، وقنيديلاتٌ، وخنيدقاتٌ؛ لأنَّ هذا البناء للأكثر وإن كان يشركه فيه الأدنى، فلمَّا حقرت صيرت ذلك إلى شيء هو الأصل للأقل.
ألا تراهم قالوا في دارهم: ريهمات.
وإذا حقَّرت الفتيان قلت: فتيَّة، فإن لم تقل ذا قلت: فتيُّون، فالواو والنون بمنزلة التاء في المؤنَّث.
وإذا حقرت الشسُّوع وأنت تريد الثلاثة قلت: شسيعاتٌ، ولا تقول شسيع؛ أنَّ هذا البناء لأكثر العدد في الأصل، وإنَّما الأقل مدخل عليه، كما صار الأكثر يدخل على الأقلِّ.
وإذا حقرت الفقراء قلت: فقيِّرون على واحده، وكذلك أذلاء إن لم تردده إلى الأذلة ذليِّلون.
قال رجل من الأنصار الجاهلي:
إن ترينا قليِّلين كما ذي ... د عن المُجْرِبينَ ذَوْدٌ صِحاحُ
وكذلك حمقى وهلكى وسكرى وجرحى، وما كان من هذا النحو مما كسّر الواحد.
وإنما صارت التاء والواو والنون لتثليث أدنى العدد إلى تعشيره وهو الواحد، كما صارت الألف والنون للتثنية، ومثناه أقلُّ من مثلَّثه.
ألا ترى أن جر التاء ونصبها سواءٌ، وجر الاثنين والثلاثة الذين هم على حد التثنية ونصبهم سواء.
فهذا يقرِّب أن التاء والواو والنون لأدنى العدد؛ لأنه وافق المثنى.
وإذا أردت أن تجمع الكليب لم تقل إلاَّ كليباتٌ؛ لأنَّك إن كسرت المحقَّر وأنت تريد جمعه ذهبت ياء التحقير.
فاعرف هذه الأشياء.
واعلم أنَّهم يدخلون بعضها على بعض للتوسُّع إذا كان ذلك جمعاً.