باب لا يكون الوصف المفرد فيه إلا رفعا
ولا يقع في موقعه غيرُ المفرد
وذلك قولك، يا أيها الرجلُ، ويا أيها الرجلان، ويا أيها المرأتان.
فأىُّ ههنا فيما زعم الخليل رحمه الله كقولك يا هذا، والرجل وصفٌ له كما يكون وصفا لهذا.
وإنما صار وصفه لا يكون فيه إلا الرفع لأنك لا تستطيع أن تقول يا أيُّ ولا يا أيها وتسكت، لأنه مبهَم يلزمه التفسيرُ، فصار هو والرجل بمنزلة اسمٍ واحد، كأنك قلت يا رجل.
واعلم أن الأسماء المبهَمة التي توصَف بالأسماء التي فيها الألف واللام تُنزَل بمنزلة أى، وهي هذا وهؤلاء وأولئك وما أشبهها، وتوصَف بالأسماء.
وذلك قولك، يا هذا الرجلُ، ويا هذان الرجلان.
صار المبهَم وما بعده بمنزلة اسمٍ واحد.
وليس ذا بمنزلة قولك يا زيدُ الطويل، من قبل أنك قلت يا زيدُ وأنت تريد أن تقف عليه، ثم خِفْتَ أن لا يُعرف فنعته بالطويل.
وإذا قلت يا هذا الرجل، فأنت لم ترد أن تقف على هذا ثم تصفه بعد ما تظن أنه لم يُعرف، فمن ثم وُصفت بالأسماء التي فيها الألف واللام، لأنها والوصف بمنزلة اسم واحد، كأنك قلت: يا رجل.
فهذه الأسماء المبهمة إذا فسرتها تصير بمنزلة أى، كأنك إذا أردت أن تفسرها لم يجزْ لك أن تقف عليها.
وإنما قلت: يا هذا ذا الجمة، لأن
ذا الجمة لا توصف به الأسماء المبهمة، إنما يكون بدلا أو عطفا على الاسم إذا أردت أن تؤكد، كقولك: يا هؤلاء أجمعون، وإنما أكدت حين وقفتَ على الاسم.
والألف واللام والمبهَم يصيران بمنزلة اسم واحد، يدلك على ذلك أن أي لا يجوز لك فيها أن تقول يا أيها ذا الجُمّة.
فالأسماء المبهمة توصَف بالألف واللام ليس إلا، ويفسَّر بها، ولا توصَف بما يوصف به غير المبهمة، ولا تفسَّر بما يفسر به غيرها إلا عطفا.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو ابن لَوذان السدوسى:
يا صاحِ يا ذا الضامر العنْس ... والرّحْلِ ذي الأنساع والحِلسِومثله قول ابن الأبرص:
يا ذا المخوّفُنا بمَقْتَلِ شيخِه ... حُجرٍ تَمَنَّيَ صاحبِ الأحلامِ
ومثله يا ذا الحسن الوجه.
وليس ذا بمنزلة يا ذا ذا الجمة، من قبل أن الضامر العنسِ والحسن الوجه كقولك: يا ذا الضامر ويا ذا الحسن، وهذا المجرور ها هنا بمنزلة المنصوب إذا قلت يا ذا الحسن الوجه، ويا ذا الحسنُ وجها.
ويدلك على أنه ليس بمنزلة ذى الجمة، أن ذا معرفة بالجمة، والضامرُ والحسن ليس واحدٌ منهما معرفة بما بعده، ولكن ما بعده تفسيرٌ لموضع الضمور والحُسن، إذا أردت أن لا تُبهمهما.
فكل واحد من المواضع من سبب الأول، لا يكونان إلا كذلك.
فإذا قلت الحسن فقد عمّمتَ.
فإذا قلت الوجهِ فقد اختصصت شيئاً منه.
وإذا قلت الضامرُ فقد عمّمت، وإذا قلت العنس فقد اختصصتَ شيئا من سببه كما اختصصت ما كان منه، وكأن العنسَ شيءٌ منه، فصار هذا تبيينا لموضع ما ذكرتَ كما صار الدرهمُ يبيَّن به مم العشرون، حين قلت: عشرون درهما.
ولو قلت: يا هذا الحسن الوجه، لقلت يا هؤلاء العشرين رجلا، وهذا بعيد، فإنما هو بمنزلة الفعل إذا قلت يا هذا الضارب زيدا، ويا هذا الضارب الرجلَ، كأنك قلت يا هذا الضارب، وذكرت ما بعده لتبين موضع الضرب ولا تبهمه، ولم يُجعَل معرفة بما بعده.
ومن ثم كان الخليل يقول: يا زيد الحسنُ الوجه، قال: هو بمنزلة قولك يا زيدُ الحسن.
ولو لم يجز فيما بعد زيد الرفع لما جاز في هذا، كما أنه إذا لم يجز يا زيد ذو الجمة لم يجز يا هذا ذو الجمة.
وقال الخليل رحمه الله: إذا قلت يا هذا وأنت تريد أن تقف عليه ثم تؤكده باسم يكونُ عطفا عليه، فأنت فيه بالخيار: إن شئت رفعت وإن شئت نصبت، وذلك قولك يا هذا زيد، وإن شئت قلت زيدا، يصير كقولك: يا تميم أجمعون وأجمعين.
وكذلك يا هذان زيدٌ وعمرو، وإن شئت قلت زيدا وعمرا، فتُجري ما يكون عطفا على الاسم مُجرى ما يكون وصفا، نحو قولك: يا زيدُ الطويلُ ويا زيدُ الطويلَ.
وزعم لي بعض العرب أن يا هذا زيدٌ كثير في كلام طيّء.
ويقوى يا زيد الحسنُ الوجه - ولا تلتفتْ فيه إلى الطول - أنك لا تستطيع أن تناديه فتجعله وصفا مثلَه منادى.
واعلم أن هذه الصفات التي تكون والمبهمة بمنزلة اسم واحد، إذا وُصفت بمضاف أو عُطف على شيء منها، كان رفعا، من قبل أنه مرفوع غيرُ منادى.
واطرد الرفع في صفات هذه المبهمة كاطراد الرفع في صفاتها إذا ارتفعت بفعلٍ أو ابتداء، أو تبنى على مبتدإ، فصارت بمنزلة صفاتها إذا كانت في هذه الحال.
كما أن الذين قالوا يا زيدُ الطويل جعلوا زيداً مبنزلة ما يرتفع بهذه الأشياء الثلاثة.
فمن ذلك قول الشاعر: يا أَيُّها الجاهلُ ذو التَّنزِّى
وتقول: يا أيها الرجل زيدٌ أقبلْ، وإنما تنون لأنه موضعٌ يرتفع فيه المضاف، وإنما يُحذف منه التنوين إذا كان في موضع ينتصب فيه المضاف.
وتقول: يا زيدُ الطويلُ ذو الجمة، إذا جعلته صفة للطويل، وإن حملته على زيد نصبت.
فإذا قلت يا هذا الرجلُ فأردتَ أن تعطف ذا الجمة على هذا جاز فيه النصب، ولا يجوز ذلك في أي لأنه لا تعطف عليه الأسماء.
ألا ترى أنك لا تقول: يا أيها ذا الجمة، فمن ثم لم يكن مثله.
وأما قولك يا أيها ذا الرجل، فإن ذا وصفٌ لأي كما كان الألف واللام وصفا لأنه مبهَم مثله، فصار صفة له كما صار الألف واللام وما أضيف إليهما صفة للألف واللام؛ وذلك نحو قولك: مررتُ بالحسن الجميل، وبالحسن ذي المال.
وقال ذو الرمة:
أَلا أَيُّها ذا المنزلُ الدارِسُ الذي ... كأنك لم يَعْهَدْ بك الحيَّ عاهدُ
ومن قال يا زيدُ الطويلَ قال ذا الجمة، لا يكون فيه غيرُ ذلك إذا جاء بها من بعد الطويل.
وإن رفع الطويلَ وبعده ذو الجمة كان فيه الوجهان.
وتقول: يا زيدُ الناكي العدوَّ وذا الفضل، إن حملتَ ذا الفضل على زيد نصبتَ، لأنه وصفٌ لمنادى وهو مضاف.
وإن حملته على غير زيد انتصب على يا كأنك قلت: ويا ذا الفضل.
؟
هذا باب
ما ينتصب على المدح والتعظيم أو الشتم
لأنه لا يكون وصفا للأول ولا عطفا عليه وذلك قولك: يا أيها الرجل وعبدَ الله المسلمَين الصالحَين.
وهذا بمنزلة قولك: اصنعْ ما سر أباك وأحب أخوك الرجلين الصالحين.
فإذا قلت يا زيد وعمرو ثم قلت الطويلين، فأنت بالخيار إن شئت نصبت وإن شئت رفعت؛ لأنه بمنزلة قولك يا زيدُ الطويلُ.
وتقول: يا هؤلاء وزيدُ الطّوالُ والطوالَ؛ لأنه كله رفعٌ، والطوالُ ها هنا رفع عطف عليهم.
وتقول: يا هذا ويا هذان الطوالَ، وإن شئت قلت الطوالُ، لأن هذا كله مرفوع والطوالُ ههنا عطفٌ، وليس الطوالُ بمنزلة يا هؤلاء الطوالُ، لأن هذا إنما هو من وصف غير المبهَمة.
وإنما فرقوا بين العطف والصفة لأن الصفة تجيء بمنزلة الألف واللام، كأنك إذا قلت مررتُ بزيدٍ أخيك فقد قلت مررتُ بزيد الذي تعلم.
وإذا قلت مررت بزيد هذا فقد قلت بزيدٍ الذي ترى أو الذي عندك.
وإذا قلت مررتُ بقومك كلهم، فأنت لا تريد أن تقول مررتُ بقومك الذين من صفتهم كذا وكذا، ولا مررتُ بقومك الهَنينَ.
وعلى هذا المثال جاء مررتُ بأخيك زيدٍ، فليس زيدٌ بمنزلة الألف واللام.
ومما يدلك على أنه ليس بمنزلة الألف واللام أنه معرفةٌ بنفسه
لا بشيء دخل فيه ولا بما بعده.
فكل شيء جاز أن يكون هو والمبهَم بمنزلة اسم واحد هو عطفٌ عليه.
وإنما جرت المبهَمة هذا المجرى لأن حالها ليس كحال غيرها من الأسماء.
وتقول يا أيها الرجلُ وزيدُ الرجلين الصالحين، من قبل أن رفعهما مختلف؛ وذلك أن زيدا على النداء والرجل نعت، ولو كان بمنزلته لقلت يا زيدُ ذو الجُمة، كما تقول يا أيها الرجل ذو الجمة.
وهو قول الخليل رحمه الله.
واعلم أنه لا يجوز لك أن تنادى اسما فيه الألف واللام البتة؛ إلا أنهم قد قالوا: يا الله اغفِر لنا، وذلك من قبل أنه اسمٌ يلزمه الألف واللام لا يفارقانه، وكثر في كلامهم فصار كان الألف واللام فيه بمنزلة الألف واللام التي من نفس الحروف، وليس بمنزلة الذي قال ذلك، من قبل أن الذي قال ذلك وإن كان لا يفارقه الألف واللام ليس اسما بمنزلة زيد وعمرو غالبا.
ألا ترى أنك تقول يا أيها الذي قال ذاك، ولو كان اسما غالبا بمنزلة زيد وعمرو لم يجز ذا فيه، وكأن الاسم والله أعلمُ إلهٌ، فلما أُدخل فيه الألف واللام حذفوا الألف وصارت الألف واللام خلَفاً منها.
فهذا أيضا مما يقويه أن يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
ومثل ذلك أناسٌ، فإذا أدخلت الألف واللام قلت الناس؛ إلا أن الناس قد تفارقهم الألف واللام ويكون نكرة، واسمُ الله تبارك وتعالى لا يكون فيه ذلك.
وليس النجم والدبرانُ بهذه المنزلة؛ لأن هذه الأشياء الألف واللام فيها بمنزلتها في الصعق، وهي في اسم الله تعالى بمنزلة شيء غير منفصل في الكلمة، كما كانت الهاء في الجحاجحة بدلا من الياء، وكما كانت الألف في يَمانٍ بدلا من الياء.
وغيروا هذا لأن الشيء إذا كثُر في كلامهم كان له نحوٌ ليس لغيره مما هو مثلُه.
ألا ترى أنك تقول: لم أكُ ولا تقول لم أقُ، إذا أردت أقُلْ.
وتقول: لا أدرِ كما تقول: هذا قاضٍ، وتقول لم أُبَل ولا تقول لم أرَمْ تريد لم أُرامِ.
فالعرب مما يغيرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره.
وقال الخليل رحمه الله: اللهم نداءٌ والميمُ ها هنا بدلٌ من يا، فهي ها هنا فيما زعم الخليل رحمه الله آخرَ الكلمة بمنزلة يا في أولها، إلا أن الميم ها هنا في الكلمة كما أن نون المسلمين في الكلمة بُنيت عليها.
فالميم في هذا الاسم حرفان أولُهما مجزومٌ، والهاء مرتفعةٌ لأنه وقع عليها الإعراب.
وإذا ألحقتَ الميم تصف الاسم، من قبل أنه صار مع الميم عندهم بمنزلة صوتٍ كقولك: يا هناهْ.
وأما قوله عز وجلّ: " اللهمّ فاطرَ السموات والأرض " فعلى يا،
فقد صرفوا هذا الاسم على وجوه لكثرته في كلامهم، ولأن له حالا ليست لغيره.
وأما الألف والهاء اللتان لحقتا أي توكيدا، فكأنك كررت يا مرتين إذا قلت: يا أيها، وصار الاسم بينهما كما صار هو بين ها وذا إذا قلت ها هو ذا.
وقال الشاعر:
مِنَ أجْلِكَ يا التي تيّمتِ قلبي ... وأنتِ بخيلةٌ بالوُدِّ عَنِّى
شبهه بيا الله.
وزعم الخليل رحمه الله أن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة.
وذلك أنه إذا قال يا رجل ويا فاسقُ، فمعناه كمعنى يا أيها الفاسقُ ويا أيها الرجل، وصار معرفة لأنك أشرت إليه وقصدت قصدَه، واكتفيت بهذا عن الألف واللام، وصار كالأسماء التي هي للإشارة نحو لهذا وما أشبه ذلك، وصار معرفة بغير ألف ولام لأنك إنما قصدت قصدَ شيء بعينه.
وصار هذا بدلا في النداء من الألف واللام، واستُغني به عنهما كما استغنيت بقولك اضربْ عن لتضربْ،
وكما صار المجرور بدلا من التنوين، وكما صارت الكاف في رأيتك بدلا من رأيتُ إياكَ.
وإنما يُدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئا بعينه قد رأيتَه أو سمعت به، فإذا قصدوا قصد الشيء بعينه دون غيره وعنوه، ولم يجعلوه واحدا من أمة، فقد استغنوا عن الألف واللام.
فمن ثم لم يُدخلوهما في هذا ولا في النداء.
ومما يدلك على أن يا فاسقُ معرفة قولك: يا خباثِ ويا لَكاعِ ويا فساقِ، تريد يا فاسقةُ ويا خبيثةُ ويا لَكعاءُ، فصار هذا اسما لهذا كما صارت جَعار اسما للضّبُع، وكما صارت حَذام ورقاش اسما للمرأة، وأبو الحارث اسما للأسد.
ويدلك على أنه اسم للمنادى أنهم لا يقولون في غير النداء جاءتني خَباثِ ولَكاعِ، ولا لُكَع ولا فُسَقُ.
فإنما اختُصّ النداء بهذا الاسم أن الاسم معرفة، كما اختُص الأسد بأبى الحارث إذ كان معرفة.
ولو كان شيء من هذا نكرة لم يكن مجرورا؛ لأنها لا تُجرّ في النكرة.
ومن هذا النحو أسماء اختُص بها الاسم المنادى لا يجوز منها شيء في غير النداء، نحو: يا نومانُ، ويا هناء، ويا فل.
ويقوى ذلك كله أن يونس زعم أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسقُ الخبيثُ.
ومما يقوى أنه معرفة تركُ التنوين فيه، لأنه ليس اسمٌ يشبه الأصوات فيكون معرفة إلا لم ينون، وينون إذا كان نكرة.
ألا ترى أنهم قالوا هذا عمرَوَيْهِ وعمرَوَيهٍ آخرُ.
وقال الخليل رحمه الله: إذا أردت النكرة فوصفتَ أو لم تصف فهذه منصوبة؛ لأن التنوين لحقها فطالت، فجُعلت بمنزلة المضاف لما طال نُصب ورُدّ إلى الأصل، كما فُعل ذلك بقبلُ وبعدُ.
وزعموا أن بعض العرب يصرف قبلا وبَعْداً فيقول: ابدأ بهذا قَبلاً، فكأنه جعلها نكرة.
فإنما جعل الخليل رحمه الله المنادى بمنزلة قبل وبعد، وشبهه بهما مفردين إذا كان مفردا، فإذا طال وأضيف شبهه بهما مضافين إذا كان مضافا، لأن المفرد في النداء في موضع نصبٍ، كما أن قبلُ وبعدُ قد يكونان في موضع نصب وجر ولفظُهما مرفوع، فإذا أضفتهما رددتَهما إلى الأصل.
وكذلك نداء النكرة لما لحقها التنوين وطالت، صارت بمنزلة المضاف.
وقال ذو الرمة:
أَدَارًا بحُزوى هِجْتِ للعين عَبرةً ... فماءُ الهَوَى يرفَضُّ أَو يترقْرَق
وقال الآخر، توبةُ بن الحُميّر: لعَلَكَ يا تَيْساً نَزَا في مريرةٍ ... مُعذّبُ لَيْلَى أَنْ تَرانى أَزورُهاَ وقال عبدُ يغوث: فيا راكباً إمّا عرَضْتَ فبلّغنَ ... ندامايَ من نجرانَ أنْ لا تَلاَِقياَ وأما قول الطّرِمّاح:
يا دارُ أَقْوَت بعدَ أصرامِها ... عاماً وما يَعْنيكَ من عامِهاَ
فإنما ترك التنوين فيه لأنه لم يجعل أقوَتْ من صفة الدار، ولكنه قال: يا دارُ، ثم أقبل بعدُ يحدث عن شأنها، فكأنه لما قال: يا دارُ، أقبل على إنسان فقال: أقوتْ وتغيّرتْ، وكأنه لما ناداها قال: إنها أقوتْ يا فلان.
وإنما أردت بهذا أن تعلم أن أقوتْ ليس بصفة.
ومثل ذلك قول الأحوص:
يا دارُ حسرَها البِلى تَحْسيراَ ... وسَفتْ عليها الريحُ بعدكَ مُورا
وأما قول الشاعر، لعمرو بن قِنعاس:
أَلاَ يا بيتُ بالعَلْياءِ بيتُ ... ولولا حبُّ أَهْلِكَ ما أتيتُ
فإنه لم يجعل بالعلياء وصفا، ولكنه قال: بالعلياء لي بيتٌ، وإنما تركتُه لك أَيُّها البيتُ لحبِّ أَهله.
وأما قول الأحوص:
سلامُ الله يَا مطرٌ عليها ... وليس عليكَ ياَ مطرُ السلامُ
فإنما لحقه التنوين كما لحق ما لا ينصرف، لأنه بمنزلة اسم لا ينصرف، وليس مثل النكرة؛ لأن التنوين لازمٌ للنكرة على كل حال والنصبَ.
وهذا بمنزلة مرفوع لا ينصرف يلحقه التنوين اضطرارا؛ لأنك أردت في حال التنوين في مطرٍ ما أردت حين كان غير منون، ولو نصبتَه في حال التنوين لنصبته في غير حال التنوين، ولكنه اسم اطرد الرفعُ فيه وفي أمثاله في النداء، فصار كأنه يُرفع بما يرفع من الأفعال والابتداء، فلما لحقه التنوين اضطرارا لم يغيَّر رفعه كما لا يغير رفع ما لا ينصرف إذا كان في موضع رفع، لأن مطرا وأشباهه في النداء بمنزلة ما هو في موضع رفع، فكما
لا ينتصب ما هو في موضع رفع كذلك لا ينتصب هذا.
وكان عيسى بن عمر يقول يا مطراً، يشبّه بقوله يا رجلا، يجعله إذا نُوّن وطال كالنكرة.
ولم نسمع عربيا يقوله، وله وجه من القياس إذا نُوّن وطال كالنكرة.
ويا عشرين رجلا كقولك: يا ضاربا رجلا.
؟
هذا باب
ما يكون الاسمُ والصفة فيه بمنزلة اسم واحد
ينضمّ فيه قبل الحرف المرفوع حرفٌ، وينكسر فيه قبل الحرف المجرور الذي ينضم قبل المرفوع، وينفتح فيه قبل المنصوب ذلك الحرف.
وهو ابْنُمٌ وامرؤٌ.
فإن جررت قلت: في ابنِمٍ وامرئٍ، وإن نصبت قلت: ابنَماً وامرَأً، وإن رفعت قلت: هذا ابنُمٌ وامرُؤٌ.
ومثل ذلك قولك: يا زيدَ بنَ عمرو.
وقال الراجز، وهو من بنى الحِرماز: يا حكمَ بنَ المنذرِ بنِ الجارودْ
وقال العجاج: يا عمرَ بنَ معمرٍ لا منتَظَرْ وإنما حملهم على هذا أنهم أنزلوا الرفعة التي في قولك زيد بمنزلة الرفعة في راء امرئ، والجرة بمنزلة الكسرة في الراء والنصبة كفتحة الراء وجعلوه تابعا لابن.
ألا تراهم يقولون: هذا زيدُ بنُ عبد الله، ويقولون: هذه هندُ بنتُ عبد الله فيمن صرف، فتركوا التنوين ها هنا لأنهم جعلوه بمنزلة اسم واحد لما كثُر في كالمهم، فكذلك جعلوه في النداء تابعا لابن.
وأما مَن قال: يا زيدُ بنَ عبد الله، فإنه إنما قال هذا زيدُ بنُ عبد الله وهو لا يجعله اسما واحدا، وحذف التنوين لأنه لا ينجزم حرفان.
فإن قلت: هلا قالوا: هذا زيدُ الطويلُ؟ فإن القول فيه أن تقول جُعل هذا لكثرته في كلامهم بمنزلة قولهم: لَدُ الصلاة، حذفها لأنه لا ينجزم حرفان ولم يحركها.
واختُصّ هذا الكلام بحذف التنوين لكثرته كما اختُصّ لا أدرِ ولم أُبَلْ لكثرتهما.
ومن جعله بمنزلة لَدُنْ فحذفه لالتقاء
الساكنين ولم يجعله بمنزلة اسم واحد قال: هذه هندٌ بنتُ فلان.
وزعم يونس أنها لغةٌ كثيرة في العرب جيدة.
وأما زيدُ ابنَ أخينا فلا يكون إلا هكذا، من قبل أنك تقول: هذا زيدٌ ابنُ أخينا، فلا تجعله اسما واحدا كما تقول هذا زيدٌ أخونا.
وزيدٌ في قولك يا زيدُ بنَ عمرو في موضع نصب، كما أن الأم في موضع جر في قولك: يا ابنَ أمَّ، ولكنه لفظه كما ذكرت لك، وهو على الأصل.
؟