الكتاب لسيبويهباب ما يكون استثناء بإلا

باب ما يكون استثناء بإلا

اعلم أن إلا يكون الاسم بعدها على وجهين: فأحدُ الوجهين أن لا تغير الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق، كما أن لا حين قلت: لا مرحبا ولا سلامٌ، لم تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فكذلك إلا، ولكنها تجيء لمعنى كما تجيء لا لمعنى.
والوجه الآخر أن يكون الاسم بعدها خارجا مما دخل فيه ما قبله، عاملا فيه ما قبله من الكلام، كما تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت عشرون درهما.
فأما الوجه الذي يكون فيه الاسم بمنزلته قبل أن تلحق إلا فهو أن تُدخل الاسم في شيء تنفي عنه ما سواه، وذلك قوله: ما أتاني إلا زيدٌ، وما لقيتُ إلا زيدا، وما مررتُ إلا بزيدٍ، تُجري الاسم مجراه إذا قلت ما أتاني زيدٌ، وما لقيتُ زيدا، وما مررتُ بزيد، ولكنك أدخلت إلا لتوجب الأفعال لهذه الأسماء ولتنفى ما سواها، فصارت هذه الأسماء مُستثناة.
فليس في هذه الأسماء في هذا الموضع وجه سوى أن تكون على حالها قبل أن تلحق إلا؛ لأنها بعد إلا محمولة على ما يجر ويرفع وينصب،

كما كانت محمولة عليه قبل أن تلحق إلا، ولم تشغل عنها قبل أن تلحق إلا الفعلَ بغيرها.

؟ باب ما يكون المستثنى فيه بدلا مما

نفى عنه ما أُدخل فيه وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٍ، وما رأيتُ أحدا إلا زيدا، جعلت المستثنى بدلا من الأول، فكأنك قلت: ما مررتُ إلا بزيدٍ، وما أتاني إلا زيدٌ، وما لقيتُ إلا زيدا.
كما أنك إذا قلت: مررت برجلٍ زيدٍ، فكأنك قلت: مررتُ بزيدٍ.
فهذا وجه الكلام أن تجعل المستثنى بدلا من الذي قبله، لأنك تُدخله فيما أخرجتَ منه الأول.
ومن ذلك قولك: ما أتاني القومُ إلا عمرو، وما فيها القومُ إلا زيدُ، وليس فيها القوم إلا أخوك، وما مررتُ بالقوم إلا أخيك.
فالقوم ههنا بمنزلة أحد.
ومن قال: ما أتاني القومُ إلا أباك، لأنه بمنزلة أتاني القومُ إلا أباك، فإنه ينبغي له أن يقول: " مَا فَعَلُوهُ إلاَّ قَليلاً مِنْهُمُ ". وحدثني يونس أن أبا عمرو كان يقول: الوجهُ ما أتاني القومُ إلا عبد الله.
ولو كان هذا بمنزلة أتاني القوم لما جاز أن تقول: ما أتاني أحد، كما أنه

لا يجوز أتاني أحدٌ، ولكن المستثنى في هذا الموضع مبدَلٌ من الاسم الأول، ولو كان من قبل الجماعة لما قلت: " ولم يكنْ لهم شُهداءُ إلا أنفسُهُم " ولكان ينبغي له أن يقول ما أتاني أحدٌ إلا قد قال ذاك إلا زيد، لأنه ذكر واحدا.
ومن ذلك أيضا: ما فيهم أحدٌ اتخذتُ عنده يداً إلا زيدٌ، وما فيهم خيرٌ إلا زيدٌ، إذا كان زيد هو الخير.
وتقول: ما مررتُ بأحد يقول ذاك إلا عبدِ الله، وما رأيت أحدا يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
هذا وجه الكلام.
وإن حملتَه على الإضمار الذي في الفعل فقلت: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيد ورفعت فجائز حسن.
وكذلك ما علمت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
وإن شئت رفعت فعربي.
قال الشاعر، وهو عدى بن زيد: في ليلةٍ لا نَرى بها أحداً ... يَحكى علينا إلاَّ كواكبُها

وكذلك ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
وإن رفعتَ فجائز حسن.
وكذلك ما علمت أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن شئت رفعت.
وإنما اختير النصبُ هنا لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدَل منه، وأن لا يكون بدلا إلا من منفى، فالمبدَل منه منصوب منفى ومضمَره مرفوع، فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه لأنه هو المنفى، وهذا وصف أو خبر وقد تكلموا بالآخر، لأن معناه النفي إذا كان وصفا لمنفى، كما قالوا: قد عرفت زيدٌ أبو مَن هو، لما ذكرتُ لك، لأن معناه معنى المستفهَم عنه.
وقد يجوز: ما أظن أحداً فيها إلا زيدٌ، ولا أحدَ منهم اتخذتُ عنده يداً إا زيدٍ، على قوله: إلاَّ كواكبُها.
وتقول: ما ضربتُ أحدا يقول ذاك إلا زيدا، لا يكون في ذا إلا النصب، وذلك لأنك أردت في هذا الموضع أن تخبر بموقوع فعلِك، ولم ترد أن تخبر أنه ليس يقول ذاك إلا زيد، ولكنك أخبرت أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدا.
والمعنى في الأول أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيدٌ،

ولكنك قلت رأيتُ أو ظننت أو نحوهما لتجعل ذلك فيما رأيت وفيما ظننت.
ولو جعلت رأيت رؤية العين كان بمنزلة ضربت.
قال الخليل رحمه الله: ألا ترى أنك تقول: ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما ظننته يقوله إلا عمرو.
فهذا يدلك على أنك إنما انتحيت على القول ولم ترد أن تجعل عبد الله موضعَ فعل كضربتُ وقتلت، ولكنه فعلٌ بمنزلة ليس يجيء لمعنى، وإنما يدل على ما في علمك.
وتقول: أَقلُّ رجلٍ يقولُ ذاك إلاَّ زيدٌ، لأنه صار في معنى ما أحدٌ فيها إلا زيد.
وتقول: قَلَّ رجلٌ يقولُ ذاك إلاَّ زيدٌ، فليس زيدٌ بدلا من الرجل في قلَّ، ولكن قلَّ رجلٌ في موضع أقلُّ رجل، ومعناه كمعناه.
وأقل رجلٍ مبتدأ مبني عليه، والمستثنى بدل منه؛ لأنك تُدخله في شيء تُخرج منه مَن سواه.
وكذلك أقل من يقول ذلك، وقل من يقول ذاك، إذا جعلتَ

مَن بمنزلة رجلٍ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب، يجعلونه نكرة، كما قال: رُبَّ ما تكره النفوسُ مِن الأ ... مر له فَرجةٌ كحلِّ العِقالِ فجعل ما نكرة.

؟ باب ما حُمل على موضع العامل

في الاسم والاسم

لا على ما عمل في الاسم، ولكن الاسم وما عمل فيه في موضع اسم مرفوع أو منصوب.
وذلك قولك: ما أتاني من أحدٍ إلا زيدٌ، وما رأيت من أحدٍ إلا زيدا.

وإنما منعك أن تحمل الكلام على مِن أنه خلفٌ أن تقول: ما أتاني إلا من زيد، فلما كان كذلك حمله على الموضع فجعله بدلا منه كأنه قال: ما أتاني أحد إلا فلان؛ لأن معنى ما أتاني أحد وما أتاني من أحدٍ واحدٌ، ولكن مِن دخلت هنا توكيدا، كما تدخل الباء في قولك: كفى بالشيب والإسلام، وفي: ما أنت بفاعل، ولستَ بفاعلٍ.
ومثل ذلك: ما أنت بشيء إلا شيء لا يُعبَأ به، من قبل أن بشيء في موضع رفع في لغة بني تميم، فلما قبُح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع، وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب، ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يُعبَأ به، استوت اللغتان، فصارت ما على أقيس الوجهين؛ لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يُعبَأ به فكأنك قلت: ما أنت إلا شيء لا يُعبَأ به.
وتقول: لستَ بشيء إلا شيئا لا يُعبَأ به، كأنك قلت: لستَ إلا شيئا لا يُعبَأ به، والباء ههنا بمنزلتها فيما قال الشاعر:

يا ابْنَيْ لُبَينَي لستُما بيدٍ ... إلاَّ يَداً ليست لها عضُدُ ومما أجرى على الموضع لا على ما عمل في الاسم: لا أحدَ فيها إلا عبد الله، فلا أحدَ في موضع اسم مبتدإ، وهي ههنا بمنزلة من أحدَ في ما أتاني.
ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحدٍ لا عبدُ الله ولا زيدٌ، من قبل أنه خلفٌ أن تحمل المعرفة على مِن في ذا الموضع، كما تقول لا أحدَ فيها لا زيدٌ ولا عمرو؛ لأن المعرفة لا تُحمل على لا؛ وذلك أن هذا الكلام جواب لقوله: هل مِن أحد، أو هل أتاك من أحد؟ وتقول: لا أحدَ رأيته إلا زيد، إذا بنيتَ رأيته على الأول، كأنك قلت: لا أحدَ مرئى.
وإن جعلت رأيته صفة فكذلك، كأنك قلت لا أحدَ مرئيا.
وتقول: ما فيها إلا زيدٌ، وما علمتُ أن فيها إلا زيدا.
فإن قلبتَه فجعلتَه يلي أن وما في لغة أهل الحجاز قبح ولم يَجز؛ لأنهما ليسا بفعل فيُحتمل قلبُهما كما لم يجز فيهما التقديم والتأخير ولم يجز ما أنت إلا ذاهبا، ولكنه لما طال الكلام قويَ واحتُمل ذلك، كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتزداد حُسناً.
وسترى ذلك إن شاء الله، ومنها ما قد مضى.

وتقول: إن أحدا لا يقول ذاك، وهو ضعيف خبيث، لأن أحدا لا يستعمل في الواجب، وإنما نفيتَ بعد أن أوجبتَ، ولكنه قد احتُمل حيث كان معناه النفي، كما جاز في كلامهم: قد عرفتُ زيدٌ أبو مَن هو، حيث كان معناه أبو مَن زيدٌ.
فمن أجاز هذا قال: إن أحداً لا يقول هذا إلا زيدا، كما أنه يقول على الجواز: رأيتُ أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا، يصير هذا بمنزلة ما أعلمُ أن أحدا يقول ذاك، كما صار هذا بمنزلة ما رأيتُ حيث دخله معنى النفي.
وإن شئت قلت إلا زيدٌ، فحملته على يقول، كما جاز: يَحكى علينا إلاَّ كواكبُها وليس هذا في القوة كقولك: لا أحدَ فيها إلا زيدٌ، وأقلُّ رجلٍ رأيتُه إلا عمرو؛ لأن هذا الموضع إنما ابتُدئ مع معنى النفي، وهذا موضعُ إيجاب، وإنما جيء بالنفي بعد ذلك في الخبر، فجاز الاستثناء أن يكون بدلا من الابتداء، حين وقع منفيا.
ولا يجوز أن يكون الاستثناء أولا لو لم يقل أقلُّ رجلٍ ولا رجلَ، لأن الاستثناء لابد له ها هنا من النفي.
وجاز أن يُحمل على إن هاهنا، حيث صارت أحد كأنها منفية.

؟ باب النصب فيما يكون مستثنى مبدَلاً

حدثنا بذلك يونس وعيسى جميعا أن بعض العرب الموثوقَ بعربيته يقول: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدا.
وعلى هذا: ما رأيت أحدا إلا زيدا، فينصب زيدا على غير رأيت؛ وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلاً من الأول، ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول.
والدليل على ذلك أنه يجيء على معنى: ولكن زيدا، ولا أعني زيدا.
وعمل فيه ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم إذا قلت عشرون درهما.
ومثله في الانقطاع من أوله: إن لفُلان والله مالا إلا أنه شقي؛ فأنه لا يكون أبدا على إن لفلان، وهو في موضع نصبٍ وجاء على معنى: ولكنه شقي.

؟ هذا بابٌ يختار فيه النصب

لأن الآخِر ليس من النوع الأول وهو لغة أهل الحجاز، وذلك قولك: ما فيها أحد إلا حمارا، جاءوا به على معنى ولكن حمارا، وكرهوا أن يُبدلوا الآخِر من الأول، فيصيرَ كأنه من نوعه، فحُمل على معنى ولكن، وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم.
وأما بنو تميم فيقولون: لا أحدَ فيها إلا حمارٌ، أرادوا ليس فيها إلا حمار، ولكنه ذكر أحدا توكيدا لأن يُعلم أن ليس فيها آدميّ،

ثم أبدل فكأنه قال: ليس فيها إلا حمارٌ.
وإن شئت جعلته إنسانها.
قال الشاعر، وهو أبو ذؤيب الهذلي: فإنْ تُمسِ في قبرٍ برَهوَةَ ثاوِيا ... أنيسُك أصداءُ القُبورِ تصيحُ فجعلهم أنيسَه.
ومثل ذلك قوله: ما لي عتابٌ إلاَّ السيفُ، جعله عتابه.
كما أنك تقول: ما أنت إلا سيرا، إذا جعلته هو السير.
وعلى هذا أنشدت بنو تميم قولَ النابغة الذبياني:

يا دارَ ميّةَ بالعلياء فالسّندِ ... أقوَتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ وقفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائلها ... عيّتْ جَواباً وما بالرَّبْعِ مِن أحدِ إلا أُواريُّ لأياً ما أبيّنها ... والنّؤيُ كالحَوْض بالمَظْلومة الجلَدِ وأهل الحجاز ينصبون.
ومثل ذلك قوله:

وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلاّ اليَعافيرُ وإلا العيسُ جعلها أنيسها.
وإن شئت كان على الوجه الذي فسرته في الحمار اول مرة.
وهو في كلا المعنيين إذا لم تنصب بدلٌ.
ومن ذلك من المصادر: ما له عليه سلطانٌ إلا التكلف، لأن التكلف ليس من السلطان.
وكذلك: إلا أنه يتكلف، هو بمنزلة التكلف.
وإنما يجيء هذا على معنى ولكنْ.
ومثل ذلك قوله عز وجل ذكره: " ما لهم به من عِلمٍ إلا اتّباعَ الظن "، ومثله: " وإن نشأْ نُغرقْهُم فلا صريحَ لهم ولا هُم يُنقَذون.
إلا رحمة منا ". ومثل ذلك قول النابغة: حلفتُ يَميناً غيرَ ذى مَثنَوِيةٍ ... ولا عِلمَ إلا حُسنَ ظنٍّ بصاحبِ

وأما بنو تميم فيرفعون هذا كله، يجعلون اتباع الظن علمهم، وحُسنَ الظن علمه، والتكلف سلطانه.
وهم يُنشدون بيت ابن الأيهم التغلبي رفعا: ليس بيني وبين قيسٍ عِتابُ ... غيرُ طعنِ الكُلى وضربِ الرّقابِ جعلوا ذلك العتاب.
وأهل الحجاز ينصبون على التفسير الذي ذكرنا.
وزعم الخليل أن الرفع في هذا على قوله: وخيلٍ قد دلَفتُ لها بخيلٍ ... تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجيعُ جعل الضرب تحيّتَهم، كما جعلوا اتِّباعَ الظن علمَهم.
وإن شئتَ

كانت على ما فسّرتُ لك في الحمار إذا لم تجعله أنيسَ ذلك المكان.
وقال الحارث بن عُبار: والحربُ لا يبقى لجا ... حمِها التّخيلُ والمِراحُ إلا الفتى الصبّارُ في الن ... جَدَات والفرسُ الوَقاحُ وقال: لم يغذُها الرِّسلُ ولا أيسارُها ... إلا طريُّ اللحمِ واستجزارُها وقال:

عشيةَ لا تُغني الرماحُ مكانها ... ولا النّبلُ إلا المشرَفيّ المصَمّمُ وهذا يقوى: ما أتاني زيدٌ إلا عمرٌو، وما أعانه إخوانُكم إلا إخوانُه؛ لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا منها.
؟

جارٍ التحميل