لأنّك تبتدئه لتُنبَّهَ المخاطَبَ، ثم تَستفهم بعدَ ذلك وذلك قولك: زيدٌ كَمْ مَرّةً رأيتَه، وعبدُ الله هل لقيتَه، وعمروٌ هلاّ لِقيتَه، وكذلك سائرُ حروف الاستفهام؛ فالعاملُ فيه الابتداءُ، كما أنّك لو قلت: أَرأيتَ زيداً هل لقيتَه، كان علمتُ هو العامل، فكذلك هذا.
فما بعد المبتدإ من هذا الكلام فى موضع خبره.
فإن قلت: زيد كم مرة رأيتَ، فهو ضعيفٌ، إلاّ أن تُدْخِلَ الهاءَ، كما ضعَُفَ فى قوله: " كلُّه لم أَصنْعِ ".
ولا يجوز أن تقول: زيدا هل رأيتَ، إلا أن تردي معنى الهاء مع ضعفه فَترفَعُ، لأنّك قد فَصَلت بين المبتدإ وبين الفعل، فصار الاسمُ مبتدأَ والفعلُ بعد حرف الاستفهام.
ولو حَسُنَ هذا أو جاز لقلتَ: " قد علمتُ زيدٌ كم ضرب،
ولقلت: أرأيتَ زيدٌ كم مّرةً ضُربَ على الفعل الآخِر.
فكما لا تَجِدُ بُدّاً من إعمال الفعل " الأوّل " كذلك لا تجد بدًّا من إعمال الابتداء، لأنك إنما تجيء بالاستفهام بعدما تَفْرُغُ من الابتداء.
ولو أرادوا الإعمالَ لمَا ابتدءوا بالاسم، ألا تَرى أنَّك تقول: زيدٌ هذا أعمروٌ ضَرَبَه أم بِشرٌ، ولا تقول: عمراً أَضَرَبْتَ.
فكما لا يجوز هذا لا يجوز ذلك.
فحرفُ الاستفهام لا يُفْصَلُ به بين العامل والمعمولِ، ثمّ يكون على حاله إذا جاءت الألفُ أوّلاً، وإنّما يَدخل على الخَبَر.
وممّا لا يكون إلاّ رفعاً قولُك: أَأخَواك اللّذانِ رأيتُ؛ لأنّ رأيتُ صلَةٌ للّذَينِ وبه يتُّم اسماً، فكأَنّك قلت: أَأخَواك صاحبَانا.
ولو كان شيء من هذا يَنْصِبُ شيئاً فى الاستفهام لقلت فى الخَبَر: زيداً الذى رأيتُ، فنصبتَ كما تقول: زيدا رأيتُ.
وإذا كان الفعلُ فى موضعِ الصَّفة فهو كذلك، وذلك قولك: أزيدٌ أنت رجلٌ تضربه، وأكلَّ يومٍ ثوبٌ تَلْبَسُه.
فإِذا كان وصفاً فأحسنُه أَنْ يكون فيه الهاءُ، لأنّه ليس بموضعِ إعمالٍ، ولكنّه يجوز فيه كما جاز فى الوَصْل، لأنّه فى موضع ما يكون من الاسم.
ولم تكن لتقول: أزيداً أنت رجلٌ تضربه، وأنت إذا جعلتَه وصفا للمفعول لم تنصبه، لأنّه ليس بمبنىّ على الفعل، ولكن
الفعل فى موضع الوصف كما كان فى موضع الخبر.
فمن ذلك قول الشاعر:
أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهْ ... يُلْقِحُه قَوْمٌ وتَنْتِجونَهْ
وقال زيد الخَيْر:
أفي كلَّ عامٍ مَأْتَمٌ تَبعثونه ... على مِحْمَرٍ ثَوَّبْتُمُوه وما رُضَا
وقال جريرٌ فيما ليس فيه الهاءُ:
أَبَحتَ حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حَمَيْتَ بمُستَباحِ
وقال آخر:
فما أَدْرِى أَغَيَّرهْم تَناءٍ ... وطُولُ العَهْدِ أم مالٌ أَصابُوا
وممّا لا يكون فيه إلا الرفعُ قوله: أَعبدُ الله أنت الضاربُه؛ لأنّك إنما تريد معنَى أنت الذى ضَرَبَه.
وهذا لا يجرى مجرى يَفْعَلُ.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ما زيداً أنا الضاربُ ولا زيداً أنت الضاربُ، " وإنّما تقولُ: الضاربُ زيداً، على مثل قولك الحسنُ وجها ". ألا ترى أنّك لا تقول: أنت المائةَ الواهبُ كما تقول: أنت زيداً ضاربٌ.
وتقول: هذا ضاربٌ كما ترى، فيجيء على معنى هذا يضْرِبُ وهو يَعمل فى حال حديثك، وتقول: هذا ضارب فيجيء على مغنى هذا سيَضْربُ.
وإذا قلت: هذا الضاربُ فإِنّما تعرَّفُه على معنى الذى ضَرب فلا يكون إلاَّ رفعا، كما أنك لو قلت: أزيدٌ أنت ضاربهُ إذا لم تُرِدْ بضاربُه الفعلَ وصار
معرفة " رفعت "، فكذلك هذا الذي لا يجيء إلاَّ على هذا المعنى فإِنّما يكون بمنزلة الفعل نكرةً.
وأصلُ وقوع الفعل صفةً للنكرة، كما لا يكون الاسمُ كالفعل إلا نكرةً.
ألا ترى انكّ لو قلت: أكلَّ يوم زيدا تَضربُه لم يكن إلاّ نصباً، لأنَّه ليس بوصف.
فإِذا كان وصفاً فليس بمبنىّ عليه الأوَّلُ، كما أنّه لا يكون الاسمُ مبنياً عليه فى الخبر، فلا يكون ضاربٌ بمنزلة يَفْعَل وتفعل إلاّ نكرَةً.
وتقول: أَذَكَرٌ أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى، كأنّه قال: أَذَكَرٌ نتِاجُها أحَبُّ إليك أم أُنْثَى.
فأَن تَلِدَ اسمٌ، وتَلِدُ به يَتمُّ الاسمُ كما يتمُّ الذى بالفعل، فلا عَمَلَ له " هنا " كما ليس يكون لصلةِ الذى عمل.
وتقول: أزيد أني ضربه عمرو أَمثَلُ أم بِشْرٌ، كأنه قال: أزيدٌ ضرب عمرو إياه أمثلُ أم بشرٌ، فالمصدر مبتدأ وأمثلُ مبنىٌّ عليه، ولم يُنْزَلْ منزلة يَفْعلُ، فكأَنّه قال: أزيد ضاربُه خيرٌ أم بشر.
وذلك لأنك ابتدأْته وبنيت عليه فجعلته اسماً، ولم يَلتبس زيدٌ بالفعل إذ كان صلةً له، كما لم يلتبس به الضاربُه حين قلت: زيدٌ أنت الضاربُه، إلاّ أنّ الضاربُه فى معنى الذى ضَرَبه، والفعل تمَامُ هذه الأسماء، " فالفعل لا يلتبس بالأول إذا كان هكذا ".
وتقول: أَأَن تلد ناقُتك ذكراً أحبُّ إليك أم أُنْثَى، لأنَّك حملته على الفعل الذى هو صلةُ أَنْ، فصار فى صلته، فصار كقولك: الذى رأيتُ أخاه
زيدٌ.
ولا يجوز أن تبتدئَ بالأخ قبل الذى وتُعْمِلَ فيه رأيتُ " أخاه زيد ". فكذلك لا يجوز النصب فى قولك: أذَكَرٌ أَنْ تَلِدَ ناقتُك أحب إليك أم أنثى.
وذلك أنك لو قلت: أخاه الذى رأيتُ زيدٌ لم يجز، وأنت تريد: الذى رأيتُ أخاه زيدٌ.
وممَّا لا يكون فى الاستفهام إلاّ رفعاً " قولك ": أَعبدُ الله أنت أكرمُ عليه أم زيدٌ، وأعبدُ الله أنت له أصدقُ أم بِشرٌ، كأنّك قلت: أعبدُ الله أنت أخوه أم بشر، لأنّ أَفْعَلَ ليس بفعلٍ، ولا اسمٍ يَجرى مجرى الفعل، وإنّما هو بمنزلة حسَنٍ وشديد ونحوِ ذلك.
ومثلُه: أَعبدُ الله أنتَ له خيرٌ أم بشرٌ.
وتقول: أزيدٌ أنت له أشدُّ ضَرْباً أم عمرو، فإِنَّما انتصابُ الضَّرْبِ كانتصاب زيد فى قولك: ما أحْسَنَ زيداً، وانتصابِ وجهٍ فى قولك: حَسَنٌ وجهَ الأخِ.
فالمصدرُ هنا كغيره من الأسماء، كقولك: أزيدٌ أنت له أطْلَقُ وجهاً أم فلانٌ.
وليس له سبيلٌ إلى الإِعمال، وليس له وجهٌ فى ذلك.
ومَّما لا يكون فى الاستفهام إلا رفعا قولك: أعبد الله إنْ تَرَهُ تضربْه، وكذلك إنْ طرحتَ الهاء مع قبحه فقلت: أبعد الله إنْ تَرَ تضربْ، فليس للآخِر سبيل على الاسم، لأنَّه مجزوم، وهو جوابُ الفعل الأوّل، وليس للفعل الأوّل سبيلٌ، لأنّه مع إن بمنزلة قولك: أعبد الله حين يأتيني أضرب فليس
لعبد الله فى يأتينى حَظٌّ، لأنّه بمنزلة قولك: أعبدَ الله يومَ الجمعة أضرِبُ.
ومثل ذلك: زيدٌ حين أَضْربُ يَأْتينى؛ لأنَّ المعَتمِدَ على زيدٍ آخِرُ الكلام وهو يَأْتينى.
وكذلك إذا قلت: زيدا إذا أتانى أضرِبُ، وإنما هو بمنزلة حينَ.
فإِن لم تَجْزِمِ الآخِرَ نصبتَ، وذلك قولك: أزيداً إنْ رأيتَ تضربُ.
وأحْسنُه أن تُدْخِلَ فى رأيتَ الهاءَ، لأنّه غيرُ مُسْتَعْمَلٍ، فصارت حروفُ الجزاء فى هذا بمنزلة قولك: زيدٌ كم مرّةً رأيْتَه.
فإِذا قلتَ: إنْ تَرَ زيدا تضربْ، فليس إلاّ هذا، صار بمنزلة قولك: حين ترى زيدا يأْتيك، لأنّه صار فى موضع المُضْمْرَ حين قلت: زيدٌ حين تَضْرِبُه يكون كذا وكذا.
ولو جاز أن تجعل زيداً مبتدأَ على هذا الفعل لقلتَ: القِتالُ زيداً حين تأتى، تريد القتالُ حين تأتى زيداً.
وتقول فى الخبر وغيره: إنْ زيدا تَرَه تضربْ، تَنصبُ زيدا، لأن الفعل أنْ يَلِىَ إنْ أولى، كما كان ذلك فى حروف الاستفهام، وهى أبعدُ من الرفع لأنه لا يُبْنَى فيها الاسم على مبتدإ.
وإنّما أجازوا تقديمَ الاسم فى إنْ لأنّها أمُّ الجزاء ولا تزول عنه، فصار ذلك فيها كما صار فى ألف الاستفهام ما لم يجز فى الحروف الأُخَرِ.
وقال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ:
لا تَجْزَعِى إنْ مُنْفِساً أَهْلكتُهُ ... وإذا هلكتُ فعند ذلكِ فاجْزَعىِ
وإن اضطَّر شاعرٌ فأجرى إذا مجرى إنْ فجازَى بها قال: أَزَيدٌ إذا تَرَ تَضْرِبْ، إن جعلَ تضربْ جَوَاباً.
وإنْ رفعَها نصبَ، لأنّه لم يجعلها جواباً.
وتَرَفعُ الجوابَ حين يَذهب الجزمُ من الأوّل فى اللفظ.
والاسمُ ههنا مبتدأٌ إذا جزمتَ، نحو قولهم: أيُّهم يأْتِكَ تضْربْ، إذا جزمتَ، لأنَّك جئت بتضرب مجزوما بعد أن عَمِلَ الابتداءُ فى أيُّهم ولا سبيل له عليه.
وكذلك هذا حيث جئتَ به مجزوما بعد أن عَمِلَ فيه الابتداءُ.
وأمّا الفعل الأوّل فصار مع ما قبله بمنزلة
حينَ وسائرِ الظروف.
وإن قلتَ: زيد إذا يأْتينى أَضرْبُ، تريد معنى الهاء ولا تريد زيداً أضربُ إذا يأتينى، ولكنكّ تضع أَضربُ ههنا مثلَ أضربْ إذا جزمت وإن لم يكن مجزوماً؛ لأنّ المعنى معنى المجازاة فى قولك: أزيدٌ إِنْ يأْتِك أضربْ ولا تريد به أضربُ زيداً، فيكونَ على أوّل الكلام، كما لم تُرِدْ بهذا أوّل الكلام، رفعتَ.
وكذلك حينَ، إذا قلت: أزيدٌ حين يأتيك تضربُ.
وإنما رفعتَ الأوّل فى هذا كلَّه لأنَّك جعلت تضربُ وأَضربُ جواباً، فصار كأنه من صلته إذ كان من تمامه، ولم يَرجع إلى الأوّل.
وإنّما تَرُدّه إلى الأوّل فيمن قال: إن تَأْتِنى آتيك، وهو قبيحٌ وإنّما يجوز فى الشعر.
وإذا قلت: أَزيدٌ إن يأتك تضرب فليس تكون الهاءُ إلاّ لزيد، ويكونُ الفعلُ الآخِرُ جواباً للأوّل.
ويدلّك على أنّها لا تكون إلاّ لزيد أنك لو قلت: أزيدٌ إن تَأْتكَ أَمَةُ الله تضربْها لم يجز، لأنك ابتدأ زيداً ولا بد من خبرٍ، ولا يكون ما بعده خبراً له حتّى يكون فيه ضميرهُ.
وإذا قلت: زيداٌ لَمْ أضربْ، أو زيداً لن أضربَ، لم يكن فيه إلاّ النصبُ، لأنك لم توقِع بعد لَمْ ولَنْ شيئاً يجوز لك أن تقدَّمَه قبلهما فيكون على غير حاله بعدهما " كما كان ذلك فى الجزاء ". ولن أَضْرِبَ نفىٌ لقوله:
سَأَضْرِبُ، كما أنّ " لا تَضْرِبْ نفى لقولِه: اضْرِبْ "، ولم أَضرب نفىٌ لِضربتُ.
وتقول: كلَّ رجلٍ يأْتيك فاضربْ، " نصبٌ " لأنَّ يأتيك ههنا صفةٌ، فكأَنكّ قلت: كلَّ رجل صالحٍ اضربْ.
فإِنْ قلت: أيُّهم جاءك فاضرِبْ، رفعتَه لأنه جَعل جاءك فى موضع الخبر، وذلك لأنّ قوله: فاضربْ فى موضع الجواب، وأىٌّ من حروف المجازاة وكلُّ رجل ليستْ من حروف المجازاة.
ومثله: زيدٌ إنْْ أتاك فاضرِبْ، إلاّ أن تريد أوّلَ الكلام، فتنصبُ ويكونُ على حدّ قولك: زيدا إن أتاك تَضْرِبْ، وأيَّهم يأتك تضرب، إذا كان بمنزلة الذى.
وتقول: زيداً إذا أتاك فاضرب.
فإن وضعته في موضع زيد عن يأتك تضربْ رفعتَ، فارفعْ إذا كانت تضربْ جواباً ليأتك، وكذلك حينَ.
والنصبُ فى زيد أحسنُ إذا كانت الهاءُ يَضْعُفُ تركُها ويَقبُحُ.
فأعمِلْه فى الأوّل، وليس هذا فى القياس لأنَّها تكون بمنزلة حينَ، وإذا وحينَ لا يكون واحداً منهما خبراً لزيد.
ألاّ ترى أنَّك لا تقول: زيدٌ حينَ يأتينى؛ لأنَّ حينَ لا تكون ظرفاً لزيد.
وتقول: الحَرُّ حينَ تأتينى، فيكون ظرفاً، لما فيه من معنى الفعل.
وجميعُ ظروف الزَّمان لا تكون ظروفاً للجُثَثِ.
فإن قلت: زيداً يومَ الجمعة أَضربُ، لم يكن فيه إلاّ النصبُ، لأنَّه ليس ههنا معنى جزاء، ولا يجوز الرفع إلاّ على قوله: كلُّه لم أصْنَعِ ألا تَرى أنك لو قلت: زيدٌ يومَ الجمعة فأنا أضربُهُ لم يكن، " ولو قلت: زيدٌ إذا جاءنى فأنا أضربُه كان جيَّداً ". فهذا يدلّك على أنّه يكون على غير قوله زيداً أضرب حين يأتيك.
هذا باب الأمر والنهى
والأمرُ والنهىُ يُختار فيهما النصبُ فى الاسم الذى يُبْنَى عليه الفعلُ ويُبْنَى على الفعل، كما اختير ذلك فى باب الاستفهام؛ لأن الأمر والنهى إنما هما للفعل، كما أنّ حروف الاستفهام بالفعل أولى، وكان الأصل فيها أن يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فهكذا الأمرُ والنَّهى، لأنهما لا يقعان إلاَّ بالفعل، مظهراً أو مضمرا.
وهما أقوى فى هذا من الاستفهام؛ لأنّ حروف الاستفهام قد يُستفهم بها
وليس بعدها إلا الأسماءُ نحو قولك: أزيدٌ أخوك، ومتى زيدٌ منطلق، وهل عمروٌ ظريفٌ.
والأمرُ والنهىُ لا يكونان إلاّ بفعلٍ، وذلك قولك: زيداً اضربْه، وعمراً أمرُرْ به، وخالداً اضربْ أباه، وزيداً اشترِ له ثوبا.
ومثلُ ذلك: أَمَّا زيداً فاقتُلْه، وأَمَّا عمراً فاشترِ له ثوباً، وأَمّا خالداً فلا تَشْتِمْ أباه، وأَمّا بكراً فلا تمرر به.
ومنه: زيداً ليضربه عمرو، وبشراً ليقتل أباه بكر، لأنّه أَمْرٌ للغائب بمنزلة افعَلْ للمخاطَب.
وقد يكون فى الأمر والنهى أن يُبْنَى الفعل على الاسم، وذلك قولك: عبدُ الله اضربْه، ابتدأْتَ عبدَ الله فرفعته بالابتداء، ونبَّهتَ المخاطَبَ له لتُعرَّفَه باسمه، ثم بنيتَ الفعلَ عليه كما فعلت ذلك فى الخبر.
ومثل ذلك: أمّا زيد فاقتْله.
فإِذا قلت: زيدٌ فاضربْه، لم يَستقم أَنْ تَحملَه على الابتداء.
ألاَ ترى أنّك لو قلت: زيدٌ فمنطلقٌ لم يستقم، فهو دليلٌ على أنّه لا يجوز أن يكون مبتدأ.
فإِنْ شئتَ نصبته على شيء هذا تفسيرُه، كما كان ذلك فى الاستفهام، وإن شئت على عليك، كأَنك قلت: عليكَ زيدا فاقتلْه.
وقد يَحْسُنُ ويستقيمُ أنْ تقولَ: عبد الله فاضربه، إذا كان مبيناً على مبتدإ مُظْهَرٍ أو مُضْمَرٍ.
فأمّا فى المظهر فقولُك: هذا زيدٌ فاضربْه، وإن شئت لم تُظْهِرْ " هذا " ويَعمل كعمله إذا أظهرته، وذلك قولك: الهلالُ واللهِ فانظْر إليه، كأنّك قلت: هذا الهلالُ، ثم جئتَ بالأمر.
وممّا يَدُلُّك على حُسنِ الفاء ههنا أنّك لو قلت: هذا زيدٌ فحَسَنٌ جميلٌ،
كان " كلاماً " جيّداً.
ومن ذلك قول الشاعر:
وقائلةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فتاتَهمْ ... وأُكرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيَا
هكذا سُمِعَ من العرب تُنْشِدُه.
وتقول: هذا الرجلَ فاضربْه، إذا جعلته وصفاً ولم تجعله خبراً.
وكذلك: هذا زيد فاضربْه، إذا كان معطوفا على " هذا " أو بدَلا.
وتقول: الَّلِذينِ يأتيانِك فاضربْهما، تنصبُه كما تنصب زيدا، وإن شئت رفعتَه على أَنْ يكون مبنياً على مظهر أو مضمر.
وإن شئت كان مبتدأَ، لأنّه يستقيم أن تجعلَ خبرهَ من غير الأَفعال بالفاء.
ألاَ ترى أنّك لو قلت: الذى يأْتينى فله درهمٌ، والذي يأتيني فمكرم محموم، كان حسناً.
ولو قلت: زيدٌ فله درهمٌ لم يجز.
وإنَّما جاز ذلك لأنّ قوله: الذى يأَتينى فله درهمٌ، فى
معنى الجزاءِ، فدخلت الفاءُ فى خبره كما تدخل فى خبر الجزاءِ.
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبَّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ".
ومن ذلك قولهم: كلُّ رجل يأْتيك فهو صالحٌ، وكلُّ رجل جاءَ فله درهمانِ؛ لأنّ معنى الحديث الجزاءُ.
وأمَّا قول عَدِىَّ بن زيد:
أَرَواحٌ مُوَدَّعٌ أم بُكورُ ... أنتَ فانظُرْ لأىَّ ذاكَ تصير
فإنّه على أن يكون فى الذى يَرْفَعُ على حالة المنصوب فى النصب.
يعنى أن الذى من سببه مرفوع فترفعه بفعلٍ هذا يفسَّره، كما كان المنصوبُ ما هو من سببه ينتصب، فيكون ما سقط على سببيَّهِ تفسيره في الذي ينصب على أنه شيء هذا تفسيره.
يقول: ترفع " أنت " على فعل مضمر، لأن الذى من سببه مرفوع، وهو الاسم المضمر الذى فى انظْر.
وقد يجوز " أن يكون " أنت على قوله: أنت الهالِكُ، كما يقال: إذا ذُكِرَ إنسان لشيء، قال الناسُ: زيدٌ.
وقال الناس: أنت.
ولا يكون على أن تضمِرَ هذا، لأنَّك لا تُشيرُ للمخاطَب إلى نفسه ولا تحتاج إلى ذلك وإنما تُشير له إلى غيره.
ألا ترى أنَّك لو أشرت له إلى شخصه فقلت: هذا أنت، لم يستقم.
ويجوز هذا أيضاً على قولك: شاهِداك، أى ما ثبت لك شاهِداكَ.
قال الله تعالى جدّه: " طاعة وقول معروف ". فهو مثله.
فإمّا أَن يكونَ أَضْمَرَ الاسمَ وجَعل هذا خبرَه كأنّه قال: أمرى طاعة " وقولٌ معروف "، أو يكون أَضْمر الخبَر فقال: طاعةٌ وقولٌ معروف أمثلُ.
واعلم أَنّ الدعاءَ بمنزلة الأمر والنهى، وإنما قيل: " دعاءٌ " لأنه استُعْظِمَ أَنْ يقال: أمرٌ أو نَهْىٌ.
وذلك قولُك: اللهمَّ زيداً فاغفرْ ذنبَه، وزيدا فأَصلحْ شأنَه، وعَمْراً لِيَجْزِه اللهُ خيراً.
وتقول: زيداً قَطعَ اللهُ يدَه، وزيداً أَمَرَّ اللهُ عليه العيشَ، لأن " معناه معنى " زيداً لِيَقطعِ اللهُ يده.
وقال أبو الأسود الدُّؤَلِىُّ:
أَميرانِ كَانَا آخَيَانِى كِلاهما ... فكلاَّ جزاه اللهُ عَنِّى بما فَعَلْ
ويجوز فيه من الرفع ما جاز فى الأمر والنهى، ويَقبح فيه ما يقبح فى الأمر والنهى.
وتقول: أَمّا زيداً فَجدْعاً له، وأَمّا عمراً فسَقْياً له؛ لأنّك لو أظهرتَ الذى انتَصَبَ عليه سَقياً وجَدعا لنصبتَ زيداً وعمراً، فإِضمارُه بمنزلة إظهاره، كما تقول: أَمّا زيداً فضرباً.
وتقول: أمّا زيدٌ فسلامٌ عليه، وأَمّا الكافرُ فلعنةُ الله عليه؛ لأنَّ هذا ارتَفَعَ بالابتداء.
وأمّا قوله عزّ وجلّ: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ". وقوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "، فإِن
هذا لم يُبْنَ على الفعل، ولكنه جاء على مثل قوله تعالى: " مَثَلُ الجَنَّة اَّلِتى وُعِدَ المُتَّقُونَ ". ثمَّ قال بَعْدُ: " فيها أنهار من ماء "، فيها كذا وكذا.
فغنما وُضِعَ المَثَلُ للحديث الذى بعده، فذكر أخباراً وأحاديثَ، فكأَنه قال: ومن القَصَص مَثَلُ الجنّة، أو مما يقص عليهكم مَثَلُ الجنّة، فهو محمول على هذا الإِضمارِ " ونحوِه ". والله تعالى أعلم.
وكذلك " الزانية والزاني "، " كأنه " لمّا قال جلّ ثناؤُه: " سورة أنزلناها فرضناها ". قال: فى الفراِئض الزَّانِيَةُ والزَّانِى، " أو الزانيةُ والزانِى فى الفرائض ". ثم قال: فاجْلِدُوا، فجاءَ بالفعل بعد أن مَضَى فيهما الرفعُ، كما قال:
وقائلة: خَوْلانُ، فانْكِحْ فتاتَهم
فجاء بالفعل بعد أنْ عَمل فيه المضمَرُ.
وكذلك: " والسارق والسارقة " " كأنه قال: و " فيما فرض عليكم " السارقُ والسارقةُ، أو السَّارق والسارقة فيما فرض عليكم ". فإِنَّما دخلت هذه الأسماءُ بعد قصَص وأحاديثَ.
ويحمل على نحوٍ من هذا " ومثلِ ذلك ": " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ".
وقد يَجْرِى هذا فى زيدٍ وعمرو على هذا الحدّ، إذا كنتَ تُخبِرُ " بأشياء " أو توصي.
ثم تقول: زيدٌ، فيمن أُوِصى به فأَحْسِنْ إليه وأَكرْمْه.
وقد قرأ أناس: " والسارق والسارقة " و " الزانية والزانِىَ "، وهو فى العربيّة على ما ذكرت لك من القوَّة.
ولكن أَبَتِ العامَّةُ إلاّ القراءةَ بالرفع.
وإنَّما كان الوجهُ في الأمر والنَّهى النصبَ لأنّ حدَّ الكلام تقديمُ الفعل، وهو فيه أوجبُ، إذ كان ذلك يكون فى ألف الاستفهام، لأنّهما لا يكونان إلا بفعل.
وقَبُحَ تقديمُ الاسم فى سائر الحروف، لأنّها حروفٌ تَحْدُثُ قبل الفعل.
وقد يصير معنى حديثهن إلى الجزاء، والجزاء لا يكون إلاّ خبراً، وقد يكون فيهنّ الجزاءُ فى الخبر، وهى غيرُ واجبة كحروف الجزاء فأُجْرِيَتْ مُجراها.
والأمر ليس يَحْدُثُ له حرفٌ سوى الفعل، فيُضارِع حروفََ الجزاء، فيقبُح حذفُ الفعل منه كما يَقبح حذفُ الفعل بعد حروف الجزاء.
وإنّما يقبح حذفُ الفعل وإضمارُه بعد حروف الاستفهام لمضارعتها حروفَ الجزاء.
وإنما قلت: زيداً اضربْه، واضربْه مشغولةٌ بالهاء، لأنَّ الأمرَ والنهى لا يكونان إلاّ بالفعل، فلا يستغنى عن الإضمار إن لم يظهَرْ.
باب حروفٍ أُجريتْ مُجرى حروف الاستفهام وحروفِ الأمر والنهى وهى حروف النَّفى، شبّهوها بحروف الاستفهام حيث قُدّم الاسمُ قبل الفعل، لأنَّهنَّ غيرُ واجبات، كما أنّ الألف وحروف الجزاء غير واجبة، وكما أنَّ الأمر والنهى غير واجبَيْنِ.
وسَهُل تقديم الأسماء فيها لأنّها نفىٌ لواجبٍ، وليست كحروف الاستفهام والجزاء، وإنّما هى مضارعة، وإنما تجيء لخلاف قوله: قد كان.
وذلك قولك: ما زيداً ضربتُه ولا زيداً قتلتُه، وما عَمْراً لقيتُ أباه ولا عمراً مررتُ به ولا بِشرا اشتريتُ له ثوبا.
وكذلك إذا قلت: ما زيداً أنا ضاربُه، إذا لم تجعله اسماً معروفا.
قال هُدْبةُ بن الخَشْرَمْ العُذْرىّ:
فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذاع ضيَاعٍ هنَّ يَتركْنَ للفَقْرِ
وقال زُهير:
لا الدَّارَ غَيَّرَها بَعْدِى الأَنيسُ ولا ... بالدّارِ لو كَلَّمَتْ ذا حاجةٍ صَمَمُ
وقال جرير:
فَلا حَسَباً فَخَرْتَ به لتَيْمٍ ... ولا جَدّاً إذا ازدَحَمَ الجُدودُ
وإن شئت رفعتَ، والرَّفعُ فيه أقوى إذْ كان يكون فى ألف الاستفهام، لأنَّهنَّ نفىُ واجبٍ يُبتدأ بعدهنّ ويُبنَى على المبتدإ بعدهنّ، ولم يَبلغنَ أَن يكنَّ مثل ما شُبَّهْنَ به.
فإِنْ جعلتَ " ما " بمنزلة ليس فى لغة أهل الحجاز لم يكن إلا الرفع، لأنك تجيء بالفعل بعد أن يَعمل فيه ما هو بمنزلة فِعلٍ يَرفع، كأنَّك قلت: ليس زيدٌ ضربتُه.
وقد أَنشد بعضهم هذا البيتَ رَفعاً، " قول مزاحم العقيلى ":
وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف
فإِن شئت حملتَه على ليس، وإن شئت حملته على " كُلُّهُ لم أَصنعِ ". فهذا أبعدُ الوجهين.
وقد زعم بعضهم أنّ ليس تجعل كما، وذلك قليل لا يَكادُ يُعْرَفُ، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خَلَقَ اللهُ أَشْعَرَ منه، وليس قالها زيد.
قال حُمَيْدٌ الأرْقَطُ:
فأصْبَحُوا والنَّوىَ عالي مُعَرَّسِهِمْ ... وليسَ كل النوى يلقي المساكين
وقال هشام أخو ذى الرمة:
هي الشفاء لدائى لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداءِ مَبْذولُ
هذا كلُّه سُمِعَ من العرب.
والوجه والحدّ أن تَحْمِلَه على أَنّ فى ليس إضماراً وهذا مبتدأٌ، كقوله: إنَّه أمةُ الله ذاهبةٌ.
إلاَّ أنَّهم زعموا أنَّ بعضهم قال: ليس الطَيبُ إلاّ المِسكُ، وما كانَ الطيبُ إلا المسكُ.
فإِن قلت: ما أنا زيدٌ لقيتُه، رفعتَ إلاّ فى قول من نَصَبَ زيداً لقيتُه لأنَّك قد فصَلتَ كما فصلت فى قولك: أنت زيدٌ لقيتَه.
" وإن كانتْ ما التى هى بمنزلة ليس، فكذلك، كأنّك قلت: لستُ زيدٌ لقيتُه "، لأنّك شغلت الفعل " بأنا "، وهذا مبتدأٌ بعد اسم، وهذا الكلام فى موضع خبره، وهو فيه أقوى لأنَّه عاملٌ فى الاسم الذى بعده.
وألفُ الاستفهام، وما فى لغة بنى تميم، يفصلنَ فلا يَعْمَلنَ.
فإِذا اجتمع أَنك تَفصِلُ وتعمل الحرفَ فهو أقوى.
وكذلك: إنَّى زيدٌ لقيتُه، وأنا عمرو ضربتُه، ولَيْتَنِى عبدُ الله مررتُ به، لأنّه إنما هو اسمٌ مبتدأُ " ثم ابْتُدِئَ بعده "، أو اسمٌ قد عَمِلَ فيه عاملٌ ثم ابتُدئ بعده الكلام فى موضع خبره.
فأما قوله عزّ وجلّ: " إنا كل شيء خَلِقْنَاهُ بِقَدَرٍ "، فإِنّما هو على قوله: زيداً ضربتُه، وهو عربىٌّ كثير.
وقد قرأَ بعضهم: " وأما ثمود فهديناهم "، إلاَّ أنّ القراءة لا تُخالَفُ؛ لأنّ القراءة السُّنَّةُ.
وتقول: كنتُ عبدُ الله لقيتُه، لأنَّه ليس من الحروف التى يُنْصَبُ ما بعدها كحروف الاستفهام وحروفِ الجزاء ولا ما شُبّه بها، وليس بفعلٍ ذكرتَه ليعمل في شيء فيَنْصِبَه أو يَرفعَه، ثم يُضَمَّ إلى الكلام الأوّل الاسمُ بما يُشْرَكُ " به "، كقولك: زيدا ضربت وعمراً مررت به، ولكنه شيء عَمِلَ فى الاسم، ثم وضعتَ هذا فى موضع خبره، مانعاً له أن ينصبَ، كقولك: كان عبدُ الله أبوه منطلقٌ.
ولو قلت: كنتُ أخاك وزيدا مررتُ به نصبتَ، لأنَّه قد أُنفذ إلى مفعول ونُصبَ ثم ضممتَ إليه اسما وفعلا.
وإذا قلت: كنتُ زيدٌ مررتُ به، فقد صار هذا فى موضع أخاك ومَنَعَ الفعَل أن يَعْمَلَ.
وكذلك: حَسِبْتُنى عبدُ الله مررتُ به، لأنّ هذا المضمَرَ المنصوبَ بمنزلة المرفوع فى كنتُ؛ لأنّه يَحتاج إلى الخبر كاحتياج الاسم فى كنتُ، وكاحتياجِ المبتدإ، فإِنَّما هذا فى موضع خبره، كما كان فى موضع خبرِ كان، فإِنَّما أراد أن يقولَ: كنتُ هذه حالى، وحَسِبتُنى هذه حالى، كما قال: لقيتُ عبدَ الله وزيد يضربه عمرو، فإنما قال: لقيت عبد الله وزيد هذه حالُه، ولم يَعْطِفه على الحديث الأوَّل ليكون في مثل معناه، ولم يُرِدْ أن يقول: فعلتُ وفَعَلَ، وكذلك لم يُرِدْه فى الأوّل.
ألا ترى أنّه لم يُنْفِذِ الفعلَ فى كنتُ إلى المفعول الذى به يَسْتَغنىِ الكلامُ كاستغناء كنتُ بمفعوله.
فإِنَّما هذه فى موضع الإِخبارِ، وبها يَسْتَغنِى الكلامُ.
وإذا قلتَ: زيدا ضربتُ وعمراً مررتُ به، فليس الثانى فى موضع خبر، ولا تريد أن يستغنى به شيء لا يتم غلا به، فإِنّما حالُه كحال الأول " فى أنه مفعولٌ "، وهذا " الثانى " لا يَمْنَعُ الأوّلَ مفعوله أَنْ يَنْصِبَهُ لأنّه ليس فى موضع خبره، فكيف يُختار فيه النّصبُ، وقد حال بينه وبين مفعوله، وكان فى موضعه، إلاّ أن تَنصبه على قولك: زيداً ضربتُه.
ومثل ذلك: قد علمتُ لَعَبْدُ الله تضربه، فدخولُ اللام يدلُّك أنَّه إنَّما
أراد به ما أراد إذا لم يكن قبله شيء، لأنها ليست مما يضم به الشيء إلى الشيء كحروف الاشتراك، فكذلك تركُ الواو فى الأول هو كدخول اللام هنا.
وإن شاءَ نصبَ، كما قال الشاعر، وهو المَرَّار الأسدى:
فلو أنّها إياكَ عَضَّتْكَ مِثْلُها ... جَرَْرتَ على ما شئتَ نَحْراً وكَلْكَلاَ
هذا بابٌ من الفعل يستعمَلُ فى الاسم
ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسمٌ آخَرَ فيَعْمَلُ فيه كما عَمِلَ فى الأوّل وذلك قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم، ورأيتُ بنى زيد ثُلُثَيْهم، ورأيتُ بنى عمّك ناساً منهم، ورأيتُ عبدَ الله شخصهَ، وصَرفْتُ وجوهها أولها.
فهذا يجيء على وجهينِ: على أنَّه أراد: رأيتُ أكثرَ قومك، و " رأيت " ثُلُثَى قومك، وصرفتُ وجوهَ أوّلِها، ولكنَّه ثَنَّى الاسمَ توكيداً، كما قال جلّ ثناؤه: " فَسَجَدَ الملائكة كلهم
أجْمَعُونَ " وأشباه ذلك.
فمن ذلك قوله عزّ وجل: " يسألونك عن الشر الحرام قتال فيه ". وقال الشاعر:
وذكر تَقْتُدَ بَرْدَ مائها ... وعَتَكُ البَوْلِ على أنسائِها
ويكون على الوجه الآخرَ الذى أذكره لك، وهو أن يَتكلّمَ فيقولَ: رأيتُ قومَك، ثم يَبْدوَ له أن يبيَّنَ ما الذى رأى منهم، فيقولَ: ثُلُثَيْهم أَو ناساً منهم.
ولا يجوز أن تقول: رأيتُ زيدا أباه، والأبُ غيرُ زيد، لأنّك لا تبينَّه بغيره ولا بشيء ليس منه.
وكذلك لا تثنَّى الاسم توكيداً وليس بالأول ولا شيء منه، فإِنَّما تثنَّيه وتُؤكَّدُهُ مُثَنًّى بما هو منه أو هو هو.
وإنّما يجوز رأيتُ زيداً أباه
ورأيت عمراً، أَن يكون أراد أن يقول: رأيتُ عمرا أو رأيتُ ابا زيد، فَغَلِطَ أو نَسِىَ، ثم استَدرك كلامَه بعدُ؛ " وإمّا أن يكون أَضْرَبَ عن ذلك فنَحَّاه وجعل عمراً مكانَه ".
فأَمّا الأوّل فجيّدٌ عربى، مثلُه قوله عزّ وجلّ: " ولله على الناس حج البيت من استطاع عليه سبيلا " لأنهم من الناس.
ومثلُه إلاَّ أنَّهم أعادوا حرفَ الجرّ: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين اشتضعفوا لمن آمن منهم ".
ومن هذا الباب " قولك ": بعت متاعك أسفله قبل أَعلاه، واشتريتُ متاعَك أسفلَه أسَرعَ من اشترائى أَعلاه، واشتريتُ متاعَك بعضَه أعجلَ من بعض، وسقيت إبلك صغارها أحسن من سقي كِبارَها، وضربت الناسَ بعضَهم قائما وبعضَهم قاعداً، فهذا لا يكون فيه إلاَّ النصبُ؛ لأنَّ ما ذكرتَ بعده ليس مبنيّا عليه فيكونَ مبتدأ، وإنَّما هو من نعتِ الفعل، زعمتَ أنّ بَيْعَه أسفلَه كان قبل بيعه أعلاه، وأنّ الشَّراءَ كان فى بعضٍ أعجلَ من بعض، وسَقْيَه الصغارَ كان أحسنَ من سَقيه الكبار، ولم تَجعله خبراً لما قبله.
ومن ذلك قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مرفوعاً وبعضِه مطروحاًن فهذا
لا يكون مرفوعاً؛ لأنك حملت النعتَ على المرور فجعلته حالاً " للمرور " ولم تجعلْه مبنياًّ على المبتدأ.
وإن لم تجعله حالاً للمرور جاز الرفع.
ومن هذا الباب: أَلزمتُ الناسَ بعضَهم بعضاً، وخَوّفتُ الناس ضعيفَهم قَوِيَّهم.
فهذا معناه في الحديث المعنى " الذي " في قولك: خاف الناس ضعيفهم قويهم، ولَزِمَ الناسُ بعضُهم بعضاً، فلما قلت: أزلمت وخوّفتُ صار مفعولا، وأجريتَ الثانىَ على ما جرى عليه الأوّلُ وهو فاعلٌ، فصار فِعْلا تعدّى إلى مفعولينِ.
وعلى ذلك دَفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، على قولك: دَفَعَ الناسُ بعضُهم بعضاً.
ودخولُ الباء ههنا بمنزلة قولك: ألزمتُ، كأنَّك قلت فى التمثيل: أَدْفَعْتُ، كما أنكَ تقول: ذهبتَ به " من عندنا " وأَذهبتَه من عندنا، وأخرجتَه " معك " وخرجتَ به معك.
وكذلك مَيَّزتُ متاعَك بعضَه من بعضٍ، وأَوصلتُ القومَ بعضَهم إلى بعضٍ، فجعلتَه مفعولا على حدّ ما جَعلتَ الذى قبله وصار قوله إلى بعض ومن بعض، فى موضع مفعولٍ منصوبٍ.
ومن ذلك: فضَّلتُ متاعَك أسفلَه على أعلاه، " فإنَّما جعله مفعولا من قوله: خَرَجَ متاعُك أسفُله على أعلاه "، كأنه قال فى التمثيل: فضَلَ متاعُك أسفلُه على أعلاه، " فعلى أعلاه فى موضع نصب ".
ومثل ذلك: صَكَكتُ الحَجَريْنِ أَحَدَهما بالآخَر، على أنَّه مفعول، من أصْطَكَّ الحجرانِ أحدُهما بالآخَر.
ومثل ذلك " قوله عزّ وجلّ ": " وَلَوْلاَ دِفَاعُ
اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ".
وهذا ما يَجرى منه مجرورا كما يجرى منصوبا، وذلك قولك: عجبتُ من دَفْعِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ، إذا جعلت الناسَ مفعولِينَ كان بمنزلة قولك: عَجِبْتُ من إذهابِ الناسِ بعضِهم بعضاً، لأنَّك إذا قلت: أَفعلتُ، استغنيتَ عن الباء، وإذا قلت: فَعلتُ احتجتَ إليها، وجرى فى الجرّ على قولك: دفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ.
وإن جعلت الناسَ فاعِلينَ قلت: عجبتُ من دفعِ الناسِ بعضِهم بعضاً، جرى فى الجرَّ على حدَّ مجراه فى الرفع، كما جرى فى الأوَّل على مجراه فى النَّصب، وهو قولك: دفعَ الناسُ بعضُهم بعضاً.
وكذلك جميعُ ما ذكرنا إذا أَعملتَ فيه المصدرَ فجرى مجراه فى الفعل.
و" من " ذلك قولك: عَجِبْتُ من موافقةِ الناسِ أسودِهم أَحمرَهم، جرى على قولك: وافَقَ الناسُ أَسودُهم أَحمرَهم.
وتقول: سمعتُ وَقعَ أَنْيابِه بعضِها فوقَ بعض، جرى على قولك: أَنْيابُه بعضُها فوق بعض.
وتقول: عجبت من إيقاع أنيابه فوق بعض، على حد قولك: أوقعت أنيابه بعضها فوق بعض.
هذا وجهُ اتّفاقِ الرفعِ والنصبِ فى هذا الباب، واختيارِ النصب، واختيار الرفع.
تقول: رأيتُ متاعَك بعضُه فوقَ بعضٍ، إذا جعلتَ فوقاً فى موضع الاسم المبنىّ على المبتدإ وجعلتَ الأوّل مبتدأَ، كأنك قلت: رأيتُ متاعَك بعضُه أَحسنُ من بعض، ففوق فى موضع أحسَنُ.
وإن جعلتَه حالاً بمنزلة قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مطروحا وبعضِه مرفوعا، نصبتَه لأنه لم تَبْنِ عليه شيئاً فتَبتدِئَه.
وإن شئت قلت: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض، فيكون بمنزلة قولك: رأيتُ بعضَ متاعِك الجيَّد، فوصلتَه إلى مفعولين لأنَّك أَبدلت، فصرتَ كأنّك قلت: رأيتُ بعضَ متاعك.
والرفعُ فى هذا أَعْرَفُ، لأنّهم شبَّهوه بقولك: رأيتُ زيداً أبوه أَفضلُ منه، لأنّه اسمٌ هو للأوّل ومن سببه، " كما أن هذا له ومن سببه "، والآخِرُ هو المبتدأ الأول، كما أن الآخِر ههنا هو المبتدأُ الأوّل.
وإن نصبتَ فهو عربىّ جيدّ.
ومما جاء فى الرفع قوله تعالى: " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ".
وممَّا جاء فى النصب أنّا سمعنا من يُوثَق بعربيّته يقول: خَلَقَ الله الزرافة يديها طول من رِجْلَيْها.
وحدّثنا يونسُ أنَّ العرب تُنْشِدُ هذا البيت، وهو لعَبْدةَ بن الطَّبيب:
فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ ... ولكنّه بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا
وقال رجل من بَجيلَة أو خَثْعَمٍ:
ذَرِينى إنّ أَمْرَكِ لَنْ يُطاعَا ... وما أَلفَيْتِنِى حلِْمى مُضاعَا
وقال آخر فى البدل:
إن علي الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعَا
فهذا عربىٌّ حسَن، والأوّل أَعرف وأَكثر.
وتقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض، فله ثلاثةُ أَوجُهٍ فى النصب: إن شئتَ جعلتَ فَوْقَ فى موضع الحال، كأنه قال: علمت متاعَك وهو بعضُه على بعض أى فى هذه الحال، كما جعلت ذلك فى رأيتُ في رؤية
العين.
وإن شئت نصبتَه على ما نصبتَ عليه رأيته زيدا وجهَه أَحسَنَ من وجه فلان، " تريد رؤية القلب ".
وإن شئت نصبتَه على أنّك إذا قلت: جَعَلتُ متاعَك يدخله معنى أَلقيتُ، فيصيرُ كأَنّك قلت: أَلقيتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض؛ لأنّ أَلقيتُ كقولك: أَسقطتُ متاعَك بعضَه على بعضٍ، وهو مفعولٌ من قولك: سَقَط متاعُك بعضُه على بعضٍ، فجرى كما جرى صَكَكْتُ الحَجَرَينِ أحدَهما بالآخَر.
فقولك " بالآخر " ليس فى موضع اسمٍ هو الأوّلُ، ولكنّه فى موضعِ الاسم الآخِر فى قولك: صَكَّ الحَجَرَانِ أحدُهما الآخَرَ، ولكَّنك أَوصلتَ الفعلَ بالباء، كما أنّ مررتُ بزيدٍ الاسمُ منه في موضع اسمٍ منصوبٍ.
ومثل هذا: طرحتُ المتاعَ بعضَه على بعضٍ، لأن معناه أَسقطتُ فأُجرى مُجراه وإن لم يكن من لفظه فاعلٌ.
وتصديقُ ذلك قولُه عزّ وجلّ: " ويجعل الخبيث بعضه على بعض ".
والوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننتُ متاعَك بعضَه أحسنَ من بعض.
والرفعُ فيه أيضاً عربىّ كثير.
تقول: جعلتُ متاعَك بعضُه على بعض، فوجهُ الرفع فيه على ما كان فى رأيتُ.
وتقول: أَبكيتُ قومَك بعضَهم على بعض، وحَزَّنتُ قومَك بعضَهم على بعض، فأَجريتَ هذا على حدّ الفاعل إذا قلت: بَكى قومُك بعضُهم على بعض، " وحَزِن قومُك بعضُهم على بعض "، فالوجه هنا النصب؛ لأنك
إذا قلت: أَحزنتُ قومَك بعضَهم على بعض، وأَبكيتُ قومَك بعضهم على بعض، لم ترد أن تقول: بعضُهم على بعض فى عَونٍ، ولا أَنّ أَجسادَهم بعضُها على بعض، فيكونَ الرفعُ الوَجْهَ؛ ولكنَّك أَجريته على قولك: بَكى قومك بعضها بعضاً، فإِنَّما أَوصلتَ الفعلَ إلى الاسم بحرف جرّ، والكلامُ فى موضع اسم منصوب، كما تقول: مررتُ على زيد ومعناه مررت زيداً.
فإِنْ قيل: حزَّنتُ قومَك بعضُهم أَفضلُ من بعضٍ، " وأَبكيتُ قومَك بعضُهم أكرمُ من بعضٍ "، كان الرفعة الوجهَ؛ لأنَّ الآخِر هو الأوّل ولم تجعله فى موضع مفعولٍ هو غيرُ الأوّل.
وإن شئت نصبته على قولك: حزنت قومك بعضهم قائماً وبعضَهم قاعداً على الحال، لأنك قد تقول: رأيت قومك أكثرهم وحزنت قومك بعضَهم، فإِذا جاز هذا أَتْبَعتَهُ ما يكون حالاً.
وإن كان مما يَتعدَّى إلى مفعولينِ أَنفذتَه إليه، لأنَّه كأَنه لم تذكر قبله شيئاً كأنه رأيتُ قومَك، وحزّنت قومك.
إلاّ أَنَّ أَعربَه وأكثرَه إذا كان الآخِرُ هو الأوّلَ أن يُبْتَدَأَ.
وإنْ أَجريتَه على النَّصب فهو عربىٌّ جيّد.
هذا باب من الفعل
يُبْدَلُ فيه الآخِرُ من الأوّل ويُجْرَى على الاسم
كما يُجْرَى أَجْمعُونَ على الاسم، وَيُنْصَبُ بالفعل لأنه مفعول
فالبَدَلُ أن تقول: ضرِبَ عبدُ الله ظهرُه وبطنهُ، وضُرِبَ زيدٌ الظَّهرُ والبطنُ، وقُلِبَ عمروٌ ظهرهُ وبطنهُ، ومُطِرْنَا سَهْلُنا وجَبَلُنا، ومُطِرنا السَّهْلُ والجبل.
ون شئتَ كان على الاسم بمنزلة أَجمعين توكيداً.
وإنْ شئت نصبت، تقول: ضُرِبَ زَيدٌ الظَّهرَ والبطنَ، ومُطِرْنا السَّهلَ والجبلَ، وقُلِبَ زيدٌ ظهرَه وبطنَه.
فالمعنى أنَّهم مُطِرُوا فى السَّهل والجبل، وقُلِبَ على الظَّهرِ والبطنِ.
ولكنّهم أجازوا هذا، كما أجازوا " قولَهم ": دَخَلتُ البيتَ، وإنَّما معناه دخلتُ فى البيت.
والعامل فيه الفعلُ، وليس المنتصبُ ههنا بمنزلة الظرف؛ لأنّك لو قلت: " قُلِبَ " هو ظهرُه وبطنُه وأنت تعنى على ظهره لم يجز.
ولم يُجيزوه فى غير السَّهل والجبل، والظَّهر والبطن، كما لم يَجز دخلت عبد الله، فجاز هذا في هذا وحده، كما لم يجز حذف حرف الجرّ إلاّ فى الأماكن، فى مثل: دخلتُ البيتَ.
واختُصَّت بهذا، كما أنَّ لَدُنْ مع غُدْوَةً لها حالٌ ليستْ فى غيرها من الأسماء، وكما أنَ عَسَى لها فى قولهم: " عَسَى الغُوَيرُ أَبؤساً " حالٌ لا تكون فى سائر الأشياء.
ونظير هذا أيضاً فى أنَّهم حذفوا حرف الجرّ ليس إلاّ، قولُهم: نُبَّئْتُ زيداً قال ذاك، إنَّما يريد عن زيد، إلاَّ أنّ معنى الأوّل معنى الأَماكن.
وزعم الخليل رحمه الله أنّهم يقولون: مُطِرْنا الزَّرْعَ والضرع.
وإن شئت رفعتَ على البدل وعلى أن تصيَّره بمنزلة أجمعين تأكيداً.
فإن قلت: ضُرِبَ زَيدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، جاز " على " أن يكون بدلا، وأَن يكون توكيدا.
وإنْ نصبته لم يحسن؛ لأن الفعل إنما أنفذ في هذه الأسماء خاصة إلى المنصوب إذا حذفتَ منهُ حرف الجرّ، إلاّ أن تَسمعَ العربَ تقول فى غيره، وقد سَمعناهم يقولون: مَطَرَتهُمْ ظهراً وبطنا.
وتقول: مُطِرَ قومُك اللَّيلَ والنهارَ، على الظَّرف وعلى الوجه الآخَر.
وإن شئت رفعته على سَعَةِ الكلام، كما قال: صِيدَ عليه اللَّيلُ والنهارُ، وهو نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ، وكما قال جرير:
لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ فى السُّرَى ... ونمْتِ وما لَيْلُ الْمَطِىَّ بنائمِ
فكأنَّه فى كلَّ هذا جَعل الليلَ بعضَ الاسمِ.
وقال آخر:
أَمَّا النَّهارُ ففى قَيدٍ وسِلْسِلَةٍ ... والليلُ فى قَعْرِ مَنْحُوتٍ من السَّاج
فكأَنه جَعل النَّهارَ فى قيدٍ والليلَ فى بطن منحوتٍ، أو جعلَه الاسمَ أو بعضَه.
وإن شئت قلت: ضُرِبَ عبدُ الله ظهرُه، ومُطِرَ قومُك سهلهم، على قولك: رأَيتُ القومَ أَكثَرهم، ورأَيتُ عمراً شخصه، كما قال:
فكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبِيَهْ مُعَيَّنٌ بسَوادِ
" يريد: كأنَّ حاجبيِْه، فأَبدل حاجبيه من الهاء التى فى كأنّه، وما زائدة ".
وقال الجَعْدىّ:
مَلَكَ الخَوَرْنَقَ والسَّدِيرَ وداته ... ما بين حمير أهلها وأوال
" يريد: ما بين أهل حمير، فأَبدلَ الأهل من حمير ".
ومثل ذلك قولهم: صَرفتُ وجوهَها أولها.
و " مثله ": ما لي بهم عِلمٌ أمرِهم.
وأمّا قولُ جرير:
مَشَقَ الهواجر لحمهن مع السرى ... حتى ذهبن كلا كلاً وصدورا
فإنما هو على قوله: ذهب قُدُماً، وذَهَبَ أُخُراً.
وقال عمرو بن عمَّارٍ النَّهدىّ:
طويلُ مِتَلَّ العُنْقِ أشْرَف كاهِلاً ... أَشَقُ رَحيبَ الجَوْفِ مُعْتَدِلُ الجِرْمِ
كأنه قال: ذهَبَ صُعُداً، فإِنَّما خبَّر أنّ الذهاب كان على هذه الحال.
ومثله: " قول رجل من عُمانَ ":
إذا أَكلتُ سمَكاً وفَرْضَا ... ذَهَبْتُ طولاً وذَهبتُ عَرْضاَ
فإِنَّما شبَّه هذا الضَّربَ من المصادر.
وليس هذا مثلَ قول عامرِ بن الطُّفيل:
فَلأَبَغِيَنّكُمُ قَناً وعُوارِضاً ... وَلأُقْبِلنَّ الخَيْلَ لابَةَ ضَرْغَدِ
لأنَّ قناً وعُوارضَ مكانان، وإنَّما يريد: بقناً وعُوارضَ، ولكن الشاعر شبّهه بدخلتُ البيتَ، وقُلِبَ زيدٌ الظهرَ والبطنَ.
هذا باب من
اسم الفاعل " الذى " جَرَى مَجرى الفِعل المضارعِ
فى المفعول فى المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت فى يَفعَلُ كان نكرةً منوّنا وذلك قولك: هذا ضارب زيداً غداً.
فمعنا وعملُه مثلُ هذا يَضْرِبُ زيداً " غداً ". فإِذا حدّثت عنِ فعلٍ فى حينِ وقوعِه غيرِ منقطعٍ كان كذلك.
وتقول: هذا ضاربٌ عبدَ الله الساعةَ، فمعناه وعملُه مثلُ " هذا " يَضرب زيداً الساعةَ.
وكان " زيدٌ " ضارباً أباك، فإِنَّما تُحدَّث أيضاً عن اتَّصال فعلٍ فى حال وقوعه.
وكان مُوَافقاً زيداً، فمعناه وعملُه كقولك: كان يَضرب أباك، ويوافِقُ زيدا.
فهذا جرى مجرى الفعِل المضارعِ فى العمل والمعنى منوَّنا.
ومما جاء فى الشعر: منوَّنا " من هذا الباب قوله ":
إنّى بحَبْلِكَ واصِلٌ حَبلِى ... وبِرِيشِ نَبْلِكَ رَائشٌ نَبلِى
وقال " عُمَرُ " بن أبى ربيعة:
ومن مالي عينيه من شيء غيرهِ ... إذا راحَ نحوَ الجمرَةِ البِيضُ كالدُّمَى وقال زُهير: بَدَا لِىَ أَنَّى لستُ مُدْرِكَ ما مضَى ... ولا سابِقاً شيئاً إذا كان جائيا وقالَ الأَخْوَصُ الرَّياحُّى: مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحِينَ عَشِيرًة ... ولا ناعِباً إلاّ ببَْينٍ غُرابُها واعلم أنَّ العرب يَستخفّون فيحذفون التنوينَ والنون، ولا يتغير من المعنى،
ولا يَجعلُه معرفةً.
فمن ذلك " قوله عزّ وجلّ ": " كل نفس ذائقة الموت " و " إنَّا مرسلو النَّاقَةِ " و " لَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رؤوسهم " و " غير محلي الصيد ". فالمعنى معنى " ولا آمين البيت الحرام ".
" و " يزيد هذا عندك بياناً قولُه تعالى جَدُّه: " هديا بالغ الكعبة " و " عارض ممطرنا ". فلو لم يكن هذا فى معنى النَّكرة والتنوين لم توصَفْ به النّكرةُ.
وستراه مفصَّلاً أيضاً فى بابه، مع غير هذا من الحجج إن شاء الله.
وقال الخليل: هو كائنُ أَخِيك، على الاستخفاف، والمعنى: هو كائنٌ أَخاك.
وممّا جاء فى الشَّعر غيرَ منَّونٍ قول الفرزدق: