الكتاب لسيبويهباب ما يلزم الواو فيه بدل الياء

باب ما يلزم الواو فيه بدل الياء

وذلك إذا كانت فعلت على خمسة أحرف فصاعداً.
وذلك قولك: أغزيت وغازيت، واسترشيت.
وسألت الخليل عن ذلك فقال: إنما قلبت ياءً لأنك إذا قلت يفعل لم تثبت الواو للكسرة، فلم يكن ليكون فعلت على الأصل وقد أخرجت يفعل إلى الياء.
وأفعل وتفعل ونفعل.
قلت: فما بال تغازينا وترجينا وأنت إذا قلت يفعل منهما كان بمنزلة يفعل من غزوت.
قال: الألف بدلٌ من الياء ههنا التي أبدلت مكان الواو، وإنا أدخلت التاء على غازيت ورجيت.
وقال: ضوضيت وقوقيت بمنزلة ضعضعت، ولكنهم أبدلوا الياء إذ كانت رابعة.
وإذا كررت الحرفين فهما بمنزلة تكريرك الحرف الواحد، فإنما الواوانن ههنا بمنزلة ياءي حييت وواوي قوةٍ، لأنك ضاعفت.
وكذلك: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت.
ولكنهم أبدلوا الألف لشبهها بالياء؛ فصارت كأنها هي.
يدلك على أنها ليست فاعلت قولهم: الحيحاء والعيعاء، كما قالوا: السرهاف والفرشاط؛ والحاحاة والهاهاة، فأجري مجرى دعدعت إذ كن للتصويت، كما أن دهديت هي فيما زعم الخليل دهدهت بمنزلة دحرجت، ولكنه أبدل الياء من الهاء لشبهها بها، وأنها في الخفاء والخفة نحوها، فأبدلت كما أبدلت من الياء في هذه.

وقالوا: دهدوة الجعل، وقالوا: دهدية الجعل، كماقالوا دحروجةٌ.
يدلك على أنها مبدلة قولهم: دهدهت.
فأما الغوغاء ففيها قولان: أما من قال غوغاءٌ فأنث ولم يصرف فهي عنده مثل عوراء.
وأما من قال غوغاءٌ فذكر وصرف فإنما هي عنده بمنزلة القمقام، وضاعفت الغين والواو كما ضاعفت القاف والميم.
وكذلك الصيصية والدوداة، والشوشاة؛ فإنما يضاعف حرفٌ وياء أو واو، كما ضاعفت القمقام، فجعلت هؤلاء بمنزلتها، كما تجعل الحياء وحييت بمنزلة الغصص وغصصت، وكما تجعل القوة بمنزلة الغصة.
فهؤلاء في الأربعة بمنزلة هؤلاء في الثلاثة.
والموماة بمنزلة الدوداة والمرمر، ولا تجعلها بمنزلة تمسكن؛ لأن ما جاء هكذا والأول من نفس الحرف هو الكلام الكثير ولا تكاد تجد في هذا الضرب الميم زائدة إلا قليلا.
وأما قولهم: الفيفاة فالألف زائدة، لأنهم يقولون الفيف في هذا المعنى.
وأما القيقاء والزيزاء فبمنزلة العلباء، لأنه لا يكون في الكلام مثل القلقال إلا مصدراً.
وإذا كانت الياء زائدة رابعة فهي تجري مجرى ما هو من نفس الحرف.
وذلك نحو: سلقيت، وجعبيت، تجريهما وأشباههما مجرى ضوضيت وقوقيت.
وأما المروراة فبمنزلة الشجوجاة، وهما بمنزلة صمحمحٍ، ولا تجعلهما على عثوثلٍ لأن مثل صمحمحٍ أكثر.
وكذلك قطوطى.

وقالوا: القيقاء والزيزاءة، فإنما أرادوا الواحد على القيقاء، والزيزاء.
وقد قال بعضهم: قيقاءةٌ وقواقٍ، فجعل الياء مبدلةً كما أبدلها في قيلٍ.
وسألته عن أثفية فقال: هي فعليةٌ فيمن قال أثفت، وأفعولةٌ فيمن قال ثفيت.

هذا باب التضعيف في بنات الياء

وذلك نحو: عييت وحييت وأحييت واعلم أن آخر المضاعف من بنات الياء يجري مجرى ما ليس فيه تضعيف من بنات الياء، ولا تجعل بمنزلة المضاعف من غير الياء، لأنها إذا كانت وحدها لاماً لم تكن بمنزلة اللام من غير الياء، فكذلك إذا كانت مضاعفةً.
وذلك نحو: يعيا ويحيا، ويعيى ويحيى، أجريت ذلك مجرى يخشى ويخشي.
ومن ذلك محياً، قالوه كما قالوا مخشىً.
فإذا وقع شيءٌ من التضعيف بالياء في موضع تلزم ياء يخشى فيه الحركة وياء يرمي لا تفارقهما، فإن الإدغام جائزٌ فيه، لأن اللام من يرمي ويخشى قد صارتا بمنزلة غير المعتل، فلما ضاعفت صرت كأنك ضاعفت في غير بنات الياء حيث صحت اللام على الأصل وحدها.
وذلك قولك: قد حي في هذا المكان، وقد عي بأمره.
وإن شئت قلت: قد حيي في هذا المكان وقد عيي بأمره.
والإدغام أكثر، والأخرى عربيةٌ كثيرةً.
وسنبين هذا النحو إن شاء الله.
ومثل ذلك قد أحي البلد، فإنما وقع التضعيف لأنك إذا قلت خشي أو رمي كانت الفتحة لا تفارق، وصارت هذه الأحرف على الأصل

بمنزلة طرد وأطرد وحمد، فلما ضاعفت صارت بمنزلة مد وأمد وود.
قال الله عز وجل: " ويحيى من حي عن بينةٍ ". وكذلك قولهم: حياءٌ وأحيةٌ، ورجلٌ عييٌّ وقومٌ أعياء؛ لأن اللام إذا كانت وحدها كانت بمنزلة غير المعتل فلزمتها الحركة، فأجري مجرى حي.
فإذا قلت فعلوا وأفعلوا قلت: حيا وأحيوا، لأنك قد تحذفها في خشوا وأخشوا.
قال الشاعر: وكُنَّا حَسِبْناهُمْ فَوارِسَ كهمسٍ ... حَيُوا بعدَ ما ماتوا من الدَّهْر أَعْصُرَا وقد قال بعضهم: حيوا وعيوا.
لما رأوها في الواحد والاثنين والمؤنث إذا قالوا حييت المرأة، بمنزلة المضاعف من غير الياء، أجروا الجمع على ذلك.
قال الشاعر: عَيُّوا بأَمْرِهِمُ كما ... عَيّتْ بَبْيضتها الحَمامَةْ

وقال ناسٌ كثير من العرب: قد حيي الرجل وحييت المرأة، فبين.
ولم يجعلوها بمنزلة المضاعف من غير الياء.
وأخبرنا بهذه اللغة يونس.
وسمعنا بعض العرب يقول، أعييتاء وأحييةٌ؛ فيبين.
وأحسن ذلك أن تخفيها وتكون بمنزلتها متحركة.
وإذا قلت يحيي أو معىٍ ثم أدركه النصب فقلت: رأيت معيباً ويريد أن يحييه، لم تدغم لأن الحركة غير لازمة، ولكنك تخفي وتجعلها بمنزلة المتحركة، فهو أحسن وأكثر.
وإن شئت بينت كما بينت حيي.
والدليل على أن هذا لا يدغم قوله عز وجل: " أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى ". ومثل ذلك معييةٌ؛ لأنك قد تخرج الهاء فتذهب الحركة وليست بلازمة لهذا الحرف.
وكذلك محييان ومعييان وحييان، إلا أنك إن شئت أخفيت.
والتبيين فيه أحسن مما في يائه كسرة، لأن الكسرة من الياء، فكأنهن ثلاث ياءات.
فأما تحيةٌ فبمنزلة أحييةٍ، وهي تفعلةٌ.
والمضاعف من الياء قليل، لأن الياء قد تثقل وحدها لاماً، فإذا كان قبلها ياءٌ كان أثقل لها.

جارٍ التحميل