باب ما لا يكون إلا على معنى ولكن
فمن ذلك قوله تعالى: " لا عاصمَ اليومَ من أمر الله إلا مَن رحم " أي ولكن من رحم.
وقوله عز وجل: " فلولا كانت قرية آمنتْ فنفعها إيمانُها إلا قومَ يونسَ لما آمنوا " أي ولكن قوم يونس لما آمنوا.
وقوله عز وجل: " فلَوْلاَ كانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قبلِكم أُولُوا بقيةٍ ينهونَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قلِيلاً ممن أنجينا منهم "، أي ولكن قليلاً مما أنجينا منهم.
وقوله عز وجل: " أُخرِجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربُّنا الله "، أي ولكنهم يقولون: ربُنا الله.
وهذا الضربُ في القرآن كثير.
ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلاما بسلام.
ومثل ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر.
فما مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان والضرر.
كما أنك إذا قلت: ما أحسنَ ما كلم زيدا، فهو ما أحسنَ كلامَ زيدا.
ولولا ما لم يجز الفعل بعدُ إلا في ذا الموضع كما لا يجوز بعد ما أحسنَ بغير ما، كأنه قال: ولكنه ضر، وقال: ولكنه نقص.
هذا معناه.
ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
ولا عيبَ فيهمْ غيرَ أنْ سيوفَهم ... بهن فلولٌ من قِراعِ الكَتائِبِ
أي ولكن سيوفهم بهن فلول.
وقال النابغة الجعدى:
فَتىً كمُلت خيراتُه غيرَ أنه ... جوادٌ فلا يُبقي من المالِ باقيِاَ
كأنه قال: ولكنه مع ذلك جواد.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
وما سَجَنوني غيرَ أنّي ابنُ غالبٍ ... وأنّى من الأثرَيْنَ غيرِ الزّعانفِ
كأنه قال: ولكني ابنُ غالب.
ومثل ذلك في الشعر كثيرٌ.
ومثل ذلك قوله، وهو قول بعض بني مازن يقال له عنزُ بن دجاجة:
من كانَ أشركَ في تفرُّقِ فالجٍ ... فلَبُونه جرِبَت معاً وأغدّتِ
إلاّ كناشرةَ الذي ضيّعتُم ... كالغُصن في غُلوائه المنبّتِ
كأنه قال: ولكن هذا كناشرة.
وقال:
لولا ابنُ حارِثَة الأميرُ لقد ... أغضيْتَ من شَتْمى على رغمِ
إلاّ كمُعرضٍ المحسّرِ بَكرَه ... عَمداً يسبّبُني على الظُلْم
؟ باب ما تكون فيه أنَّ وأنْ مع صلتهما
بمنزلة غيرهما من الأسماء
وذلك قولهم ما أتاني إلا أنهم قالوا كذا وكذا، فأَنَّ في موضع اسم مرفوع كأنه قال: ما أتاني إلا قولُهم كذا وكذا.
ومثل ذلك قولهم: ما مَنَعَني إلاّ أنْ يَغضب علىّ فلانٌ.
والحجةُ على أنّ هذا في موضع رفع أنّ أبا الخطاب حدثنا أنه سمع من العرب الموثوق بهم، مَن يُنشد هذا البيت رفعا للكناني:
لَمْ يَمُنعَ الشربَ منها غيرُ أنْ نطقَتْ ... حَمامة في غصونٍ ذات أوقالِ
وزعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا الذي في موضع الرفع، فقال الخليل رحمه الله: هذا كنصب بعضهم يومئذ في كل موضع، فكذلك غير أن نطقت.
وكما قال النابغة:
على حين عاتَبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألَمَّا أصْحُ والشيبُ وازعُ
كأنه جعل حين وعاتبتُ اسما واحدا.
؟