باب ما يَنتصب من الأسماء التى ليست بصفةٍ
ولا مصادرَ لأنَّه حالٌ يَقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول به
وبعضُ العرب يقول: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، كأنَّه يقول: كلّمتُه وفُوهُ إلى فِىَّ، أى كلّمتُه وهذه حالهُ.
فالرفعُ على قوله كلّمتُه وهذه حالهُ، والنصبُ على قوله: كلّمتُه فى هذه الحال، فانتَصب لأنه حال وقع فيه الفعل.
وأما بايعته يدا بيد، فليس فيه إلا النصب، لأنه لا يَحسن أن تقول: بايعته ويد بيد، ولم يرد أن يُخبر أنَّه بايَعه ويدُه فى يده، ولكنَّه أراد أن يقولَ: بايعتُه بالتعجيل، ولا يبالِى أقَريباً كان أم بعيدا.
وإذا قال: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، فإنَّما يريد أن يُخبِر عن قُربه منه، وأنَّه شافَهه ولم يكن بينهما أحدٌ.
ومثله من المصادر فى أن تَلزمه الإِضافةُ وما بعدها مما يجوز فيه الابتداءُ ويكونُ حالا، قولُه: رَجَعَ فلانٌ عودة على بَدْئه، وانثنى فلانٌ عَوْدَه على
بَدْئه، كأنه قال: انثنى عَوْداً على بَدْءٍ.
ولا يُستعمل فى الكلام رجَعَ عَوْداً على بَدْءٍ، ولكنَّه مُثّل به.
ومَنْ رَفَعَ فوه إلى فىَّ، أجاز الرفع فى قوله: رَجَعَ فلانٌ عَودُه على بَدْئه.
ومما يَنتصب لأنَّه حالٌ وقع فيه الفعلُ قولك: بِعْتُ الشاءَ شاةً ودرهماً، وقامرتُه درهماً فى درهمٍ، وبعتُه دارى ذراعاً بدرهم، وبعت البرقفيز بن بدرهم، وأخذتُ زكاةَ مالِه درهماً لكلّ أربعين درهما، وبيّنتُ له حِسابَه باباً باباً، وتَصدَّقتُ بمالى درهما درهما.
واعلم أنَّ هذه الأشياءَ لا ينفرد منها شيء دون ما بعده، وذلك أنَّه لا يجوز أن تقول: كلّمتُه فاه حتّى تقول إلى فىَّ، لأنَّك إنَّما تريد مشافَهةً، والمُشافهةُ لا تكون إلاّ من اثنين، فإنَّما يَصحّ المعنى إذا قلت إلى فِىَّ، ولا يجوز أن تقول بايعتُه يداً، لأنَّك إنَّما تريد أن تقول: أخَذَ منّى وأعطانى، فإِنَّما يَصحَ المعنى إذا قلت: بيدٍ لأنهما عَمَلانِ.
ولا يجوز أن تقول: انثَنى عَوْدَه لأنَّك إنّما تريد أنّه لم يَقطع ذهابَه حتَّى وصلَه برجوع، وإنّما أردتَ أنه رجع فى حافِرِته أى نَقَضَ مجيئَة برجوعٍ، وقد يكون أن يَنقطع مجيئه ثم يَرجع فيقول: رجعتُ عَوْدِى
على بَدئى، أى رجعتُ كما جئتُ.. فالمجئُ موصولٌ به الرجوعُ، وهو بَدءٌ والرجوعُ عَوْدٌ.
ولا يجوز أن تقول: بعتُ دِارى ذراعا، وأنت تريد بدرهم، فيُرَى المخاطَبُ أنَّ الدار كلَّها ذراعٌ.
ولا يجوز أن تقول: بعتُ شائى شاةً شاةً، وأنت تريد بدرهم، فيُرَى المخاطَبُ أَنَّك بعتها الأوّلَ فالأولَ على الوِلاءِ.
ولا يجوز أن تقول: بيّنتُ له حِسابَه باباً، فيُرَى المخاطَب أنك إنما جعلت له حسابه باباً واحدا غيرَ مفسَّرٍ.
ولا يجوز تَصدّقتُ بمالى درهماً، فيُرَى المخاطَبُ أنك تَصدّقت بدرهم واحد.
وكذلك هذا وما أشبهه.
وأمّا قول الناس: كان البُرُّ قَفيزَيْنِ، وكان السَّمْنُ مَنَوَينِ، فإنما استغنوا هاهنا عن ذكر الدَّرهم لِما فى صدورهم من عِلمه، ولأنَّ الدرهم هو الذى يسعَّر عليه، فكأنّهم إنّما يَسألون عن ثمن الدرهم فى هذا الموضع، كما يقولون: البربستين، وتركوا ذكر الكُرَّ؛ استغناءً بما فى صدورهم من عِلمه، وبعلم المخاطَب، لأنَّ المخاطب قد علم ما يَعنى، فكأَنّه إنّما يَسأل هنا عن ثمن الكُرّ كما سألَ الأوّلُ عن ثمن الدرهم.
وكذلك هذا وما أشبهه فأَجْرِه كما أجرتْه العربُ.
وزعم الخليل أنه يجوز: بعتُ الشاءَ شاةٌ ودرهمٌ، إنَّما يريد شاةً بدرهمٍ، ويَجعل بدرهمٍ خبراً للشاة وصارت الواوُ بمنزلة الباء فِى المعنى، كما كانت فى قولك: كلُّ رَجُلٍ وضيعتُه، فى معنى مع.
وإذا قلت شاةً بدرهم، فإِنّ بدرهمٍ ليس مبنيًّا على اسمٍ قبله ولكنَّه إنّما جاءَ ليبيَّن به السعرُ، كما جاءتْ " لَكَ " فى سَقْيًا، لتبيَّنَ من تَعنى.
فالباءُ هاهنا بمنزلة إلَى فى قولك: فاهُ إلى فِىّ، ولم تُبْنَ على ما قبلها.
وكذلك ما انتَصب فى هذا الباب وكان ما بعده ممّا يجوز أن يُبْنَى على ما قبله فى هذا الباب.
وزعم الخليل رحمه الله أنه يجوز أن تقول: بعتُ الدَّارَ ذراعٌ بدرهم، كما جاز لك فى الشاء.
وزعم أنه يقول: بعتُ دارى الذراعانِ بدرهم، وبعتُ البُرَّ القَفيزانِ بدرهم.
ولم يشبَّهْ هذا بقوله: فاه إلى فِىَّ، لأنَّ هذا فى بابه بمنزلة المصار التى تكون حالاً يقع فيها الأمرُ، نحو قولك: لقيتُه كِفاحاً، ونحو قوله: أَرْسَلَها العِراكَ، وفعلتُ ذاك طاقتى.
وليس كلُّ مصدرٍ فى هذا الباب تَدخله الألُف واللام ويكونُ معرفةً بالإِضافة، وليس كلُّ المصادر فى هذا الباب يكون فيها هذا فالأسماءُ أَبْعَدُ.
فلذلك كان الذراعُ رفعاً لأنّه لا يجوز أن " تجعله معرفة وتجعله حالاً يكون فيه الأمر، كما أنه لا يجوز لَك أن " تَدخل الألفُ واللام في قولك لقيته قائماً وقاعداً، أن تقولك لقيتُه القائمَ والقاعدَ، ولا " تقولُ ": ضربتُه القائمَ، فلمّا قبح ذلك فى الذَّراع جُعل بمنزلة قولك: لقيتُه يدُه فوق رأسه.
ومثلُ ذلك: بعته ربح الدرهم درهم، لا يكون فيه النَّصبُ على حال.
وزعم الخليل رحمه الله أن قولهم: رَبِحَتُ الدرهمَ درهماً، محالٌ، حتَّى تقول: فى الدرهمِ وللدّرهمِ.
وكذلك وجدنا العربَ تقول.
فإِنْ قال قائل: فاحذف حرف الجر وأنوه.
قيل له: لا يجوز ذلك كما لا تقول مررتُ أخاك وأنت تريد بأخيك.
فإِنْ قال: لا يجوز حذفُ الباِء من هذا قيل له: فهذا لا يقال أيضا.
وقال الخليل رحمه الله: كَلّمَنِى يدُه فى يدى الرفع لا يكون غيره؛ لأن هذا لايكون من صفة الكلام.
وقال الخليل رحمه الله: إن شئت جعلت: رجعت عودك في بَدْئك مفعولاً بمنزلة قولك: رجعتَ المالَ علىَّ، أي رددت المال علي، كأنه قال: ثنيت عَوْدى على بَدْئى.
هذا باب
ما يَنتصب فيه الاسمُ لأنه حال يقع فيه السَّعرُ
وإن كنتَ لم تَلفظ بفعلٍ، ولكنّه حال يقع فيه السَّعْرُ، فيَنتصبُ كما انَتصب لو كان حالاً وقع فيه الفعل، لأنه في أنه حال وقع فيه أمرٌ فى الموضعين سَواءٌ.
وذلك قولُك: لك الشّاءُ شاةٌ بدرهم شاةً بدرهم.
وإن شئت أَلغيت لَكَ فقلتَ: لك الشاءُ شاةٌ بدرهمٍ شاةٌ بدرهمٍ، كما قلتَ: فيها زيدٌ قائمً، رفعتَ.
وإذا قلت: الشاءُ لك، فإن شئتَ رفعتَ، وإن شئتَ نصبتَ، وصار لك الشاءُ إذا نصبتَ بمنزلة وَجَبَ الشاءُ، كما كان فيها زيدٌ قائماً بمنزلة: استقر زيد قائماً.