باب ما أَشْرَكَ بين الاسمْينِ فى الحرف الجارّ
فَجَرَيا عليه كما أَشرك بينهما فى النَّعْت فَجَرَيا على المنعوت
وذلك قولك: مررتُ برجل وحمار قبل.
قالوا وأشركت بينهما فى الباءِ فجريا عليه، ولم تَجعلْ للرَّجل منزلةً بتقديمك إيّاه يكون بها أَوْلَى من الحمار،
كأنك قلت مررتُ بهما.
فالنفىُ فى هذا أن تقولَ: ما مررتُ برجلٍ وحمار، أي ما مررت بهما، وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا بشيء مع شيء، لأن يجوز أن تقول: مررت بزيد وعمرو والمبدوء به في المرور عمرو، " ويجوز أن يكون زيداً "، ويجوز أن يكون المرورُ وَقَعَ عليهما فى حالةٍ واحدة.
فالواوُ تَجمع هذه الأشياءَ على هذه المعانى.
فإذا سمعتَ المتكلَّمَ يَتكلّم بهذا أَجبتَه على أيَّها شئتَ؛ لأنها قد جَمعتْ هذه الأشياءَ.
وقد تقول: مررت بزيد وعمرو، على أنّك مررت بهما مُرُورَيْن، وليس فى ذلك " دليلٌ " على المرور المبدوء به، كأنّه يقول: ومررت أيضاً بعمرو.
فنفْىُ هذا: ما مررتُ بزيد وما مررتُ بعمرو.
وسنبَّين النفىَ بحروفه فى موضعه إنْ شاء الله.
ومن ذلك " قولك ": مررت بزيد فعمرو، ومررت برجل فامرأة.
فالفاء أشركت بينهما فى المرور، وجَعلتِ الأوّلَ مبدوءاً به.
ومن ذلك: مررتُ برجلٍ ثُمّ امرأَةٍ، فالمرورُ ههنا مُرورانِ، وجَعلَتْ ثُمّ الأوّلَ مبدوءاً به وأَشركتْ بينهما فى الجرّ.
ومن ذلك " قولك ": مررتُ برجلٍ أَوِ امْرأةٍ، فأَوْ أَشْركتْ بينهما فى الجرّ، وأثبتِت المرورَ لأَحَدِهما دون الآخَرِ، وسَوّتْ بينهما فى الدعْوَى.
فَجوابُ الفاءِ: ما مررت بزيد فعمرو.
وجوابُ ثُمّ: ما مررتُ بزيدٍ
ثمّ عمرو.
وجوابُ أَوْ إن نَفيتَ الاسمينِ: ما مررتُ بواحدٍ منهما، وإن أَثْبَتّ أحدَهما قلتَ: ما مررتُ بفلان.
ومن ذلك: مررتُ برجل لا امرأََة، أشركَتْ بينهما لاَ فى الباءِ وأحقَّتِ المرورَ للأوّل وفصلَتْ بينهما عند من التَبَساَ عليه فلم يَدْرِ بأيّهما مررتَ.
هذا باب المُبْدَل من المُبدَل منه
والمبدل يشرك المبدل منه فى الجر وذلك قولك: مررتُ برجلٍ حِمارٍ.
فهو على وجهٍ محالٌ، وعلى وجهٍ حَسَنٌ.
فأَمَّا المحُالُ فأَن تَعنَى أنَّ الرجلَ حِمارٌ.
وأَما الذى يَحسُن فهو أن تقول: مررتُ برجلٍ، ثم تُبْدِلَ الحِمارَ مَكَانَ الرجل فتقولَ: حِمارٍ، إمَّا أن تكونَ غلِطتَ أو نَسِيتَ فاستَدركتَ، وإمّا أن يَبْدُوَ لك أَن تُضربَ عن مرورك بالرجل وتَجعلَ مكانه مرورَك بالحمار بعد ما كنتَ أردتَ غيْرَ ذلك.
ومثل ذلك قولك: لا بَلْ حِمارٍ.
ومن ذلك قولك مررتُ برجلٍ بَلْ حمار، وهو على تفسير: مررتُ برجلٍ حِمارٍ.
ومن ذلك: ما مررتُ برجلٍ بَلْ حِمارٍ، وما مررتُ برجلٍ ولكن حمار، أبدلت الآخر من لأول وجعلتَه مكانَه.
وقد يكونُ فيه الرفُع على أن يُذْكَرَ الرجُل فيقال: مِن أمِره ومن أمره، فتقولُ أنت: قد مررت به، فما مررت برجل بل حمار ولكن حِمارٌ، أى بل هو حمارٌ ولكنْ هو حمار.
ولو ابتَدأتَ كلاماً فقلتَ: ما مررتُ برجلٍ ولكنْ حِمارٌ، تريد: ولكنْ هو حمارٌ، كان عربيَّا؛ أو بلْ حمارٌ، أو لا بل حمارٌ، كان كذلك، كأنّه قال: ولكنِ الذى مررتُ به حمارٌ.
وإذا كان قبل ذلك منعوتٌ فأَضمرتَه، أو اسم فأضمرتَه أو أَظهرتَه، فهو أَقْوَى؛ لأنك تُضْمرُ ما ذكرتَ وأنت هنا تُضْمرُ ما لم تَذكر.
وهو جائزٌ عربي، لأن معناه ما مررت بشيء هو رجل؛ فجاز هذا كما جاز المنعوتُ المذكورُ نحُو قولك: " ما " مررتُ برجلٍ صالحٍ بل طالحٌ.
ومثل ذلك قوله عزّ وجلّ: " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ". فهذا على أنَّهم قد كانوا ذكروا الملائكةَ قبل ذلك بهذا، وعلى الوجه الآخرِ.
والمعرفةُ والنكرة فى لكنْ وبَلْ ولا بلْ سَواءٌ.
ومن المبدَلِ أيضاً قولك: قد مررتُ برجلٍ أو امرأَةٍ، إنَّما ابتَدأَ بيقينٍ ثمّ جعل مكانَه شكّا أَبدلَه منه، فصار الأوّلُ والآخِرُ الادَّعاءُ فيهما سَواءٌ، فهذا شبيهٌ بقوله: ما مررت بزيد ولكن عمرو، ابتدأ بنفىٍ ثم أَبدل مكانَه يقينًا.
وأمّا قولهم: أَمررتَ برجل أَمِ امرأةٍ؟ إذا أردتَ معنى أيُّهما مررتَ به، فإِنَّ أَمْ تُشْرِك بينهما كما أَشركتْ بينهما أَوْ.
وأمّا: ما مررتُ برجلٍ فكيف امرأةٌ، فزعم يونسُ أنّ الجرَّ خطأ، وقال: هو بمنزلة أَيْنَ.
ومَنْ جَرَّ هذا فهو يَنبغى له أن يقول: ما مررتَ بعبد الله فلِمَ أخيه، وما لَقيِتَ زيداً مرّة فكَمْ أبا عمرو؟ تريد: فلِمَ مررتَ بأخيه؟ وفَكَمْ لقيتَ أبا عمرو؟ واعلم أنّ المعرفة والنكرة فى باب الشَّريكِ والبدلِ سواءٌ.
واعلم أنّ المنصوب والمرفوع في الشركة والبدل كالمجرور.
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
؟
هذا باب مجرى نعت المعرفة عليها
فالمعرفةُ خمسة أشياء: الأسماء التي هي أعلامٌ خاصة، والمضاف إلى المعرفة، إذا لم ترد معنى التنوين، والألف واللامُ، والأسماء المبهمة، والإضمارُ.
فأما العلامة المختصة فنحو زَيدٍ وعَمرٍو، وعبدِ الله، وما أشبه ذلك.
وإنما صار معرفة لأنه اسمٌ وقع عليه يُعرف به بعينه دون سائر أمته.
وأما المضاف الى معرفة فنحو قولك: هذا أخوك، ومررتُ بأبيك، وما أشبه ذلك.
وإنما صار معرفة بالكاف التي أضيف إليها، لأن الكاف يراد بها الشيء بعينه دون سائر أمته.
وأما الألف واللام فنحو الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك.
وإنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك قلت: مررتُ برجلٍ، فإنك إنما زعمت أنك إنما مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسمُ، لا تريد رجلا بعينه يعرفه المخاطَب.
وإذا أدخلتَ الألف واللام فإنما تُذكّره رجلا قد عرَفه، فتقول: الرجل الذي من أمره كذا وكذا؛ ليتوهم الذى كان عهدَه ما تذكر من أمره.
وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا وهذه، وهذان وهاتان، وهؤلاء، وذلك وتلك، وذانك وتانك، وأولئك، وما أشبه ذلك.
وإنما صارت معرفة لأنها صارت أسماء إشارة إلى الشيء دون سائر أمّته.
وأما الإضمار فنحو: هو، وإياه، وأنتَ، وأنا، ونحن، وأنتم، وأنتن، وهن، وهم، وهي، والتاء التي في فعَلتُ وفعلَتْ وفعلْتِ، وما زِيدَ على التاء نحو قولك: فعلتما وفعلتم وفعلتن، والواو التي في فعلُوا، والنون والألف اللتان في فعلْنا في الاثنين والجميع، والنون في فعلْنَ، والإضمار الذي ليست له علامة ظاهرة نحو: قد فعل ذلك، والألف التي في فعَلا، والكاف والهاء في رأيتُكَ ورأيته، وما زيدَ عليهما نحو: رأيتكما ورأيتكم، ورأيتهما، ورأيتهم، ورأيتكن ورأيتهن، والياء في رأيتُني، والألف والنون اللتان في رأيتَنا وغُلامُنا، والكاف والهاء اللتان في بكَ وبه وبها، وما زيد عليهن نحو قولك: بكما وبكم وبكن وبهما وبهم وبهن، والياء في غلامي وبى.
وإنما صار الإضمار معرفة لأنك إنما تضمِر اسما بعد ما تعلم أن مَنْ يحدَّث قد عرف مَن تعنى وما تعنى، وأنك تريد شيئا يعلمه.
واعلم أن المعرفة لا توصَف إلا بمعرفة، كما أن النكرة لا توصَف إلا بنكرة.
واعلم أن العَلَم الخاص من الأسماء يوصَف بثلاثة أشياء: بالمضاف إلى مثله، وبالألف واللام، وبالأسماء المبهمة.
فأما المضاف فنحو: مررتُ بزيدٍ أخيك.
والألف واللام نحو قولك: مررت بزيد الطويل، وما أشبه هذا من الإضافة والألف واللام.
وأما المبهمة فنحو: مررتُ بزيد هذا وبعمرو ذاك.
والمضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء: بما أضيف كإضافته، وبالألف واللام، والأسماء المبهمة؛ وذلك: مررتُ بصاحبك أخي زيد، ومررتُ بصاحبك الطويل ومررت بصاحبك هذا.
فأما الألف واللام فتوصف بالألف واللام، وبما أضيف إلى الألف واللام؛ لأن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام فصار نعتا، كما صار المضاف إلى غير الألف واللام صفة لما ليس فيه الألف واللام، نحو مررتُ بزيد أخيك، وذلك قولك: مررتُ بالجميل النبيل، ومررتُ بالرجل ذى المال.
وإنما منع أخاك أن يكون صفة للطويل أن الأخ إذا أضيف كان أخصَّ، لأنه مضاف إلى الخاص وإلى إضماره، فإنما ينبغي لك أن تبدأ به وإن لم تكتفِ بذلك زدتَ من المعرفة ما تزداد به معرفة.
وإنما منع هذا أن يكون صفة للطويل والرجل أن المخبِر أراد أن يقرب به شيئا ويشير إليه لتعرفه بقلبك وبعينك، دون سائر الأشياء.
وإذا قال الطويل فإنما يريد أن يعرفك شيئا بقلبك ولا يريد أن يعرفكه بعينك، فلذلك صار هذا يُنعت بالطويل ولا يُنعت الطويل بهذا، لأنه صار أخصَّ من الطويل حين أراد أن يعرفه شيئا بمعرفة العين ومعرفة القلب.
وإذا قال الطويل فإنما عرفه شيئا بقلبه دون عينه، فصار ما اجتمع فيه شيئان أخص.
واعلم أن المبهمة توصَف بالأسماء التي فيها الألف واللام والصفات التي فيها الألف واللام جميعا.
وإنما وُصفتْ بالأسماء التي فيها الألف واللام
لأنها والمبهمة كشيء واحد، والصفات التي فيها الألف واللام هي في هذا الموضع بمنزلة الأسماء وليست بمنزلة الصفات في زيد وعمرو إذا قلتَ مررتُ بزيد الطويل، لأني لا أريد أن أجعل هذا اسما خاصا ولا صفة له يُعرف بها، وكأنك أردت أن تقول مررت بالرجل، ولكنك إنما ذكرت هذا لتقرب به الشيء وتشير إليه.
ويدلك على ذلك أنك لا تقول: مررتُ بهذين الطويل والقصير وأنت تريد أن تجعله من الاسم الأول بمنزلة هذا الرجل، ولا تقول: مررتُ بهذا ذى المال كما قلت: مررتُ بزيد ذى المال.
واعلم أن صفات المعرفة تجرى من المعرفة مجرى صفات النكرة من النكرة، وذلك قولك: مررتُ بأخوَيْك الطويلَيْن؛ فليس في هذا إلا الجر كما ليس في قولك: مررت برجل طويل، إلا الجر.
وتقول: مررت بأخوَيْك الطويل والقصير، ومررتُ بأخوَيك الراكع والساجد، ففي هذا البدل، وفي هذا الصفة، وفيه الابتداء، كما كان ذلك في مررت برجلين صالح وطالح.
وإذا قلت: مررت بزيد الراكع ثم الساجد، أو الراكع فالساجد، أو الراكع لا الساجد، أو الراكع أو الساجد، أو إما الراكع وإما الساجد، وما أشبه هذا، لم يكن وجه كلامه إلا الجر كما كان ذلك في النكرة.
فإن أدخلتَ بل ولكنْ جاز فيهما ما جاز في النكرة.
فعلى هذا فقِس المعرفة.
وقد مضى الكلام في النكرة فأغنى عن إعادته في المعرفة، لأن الحكم واحد.
واعلم أن كل شيء كان للنكرة صفة فهو للمعرفة خبر، وذلك قولك:
مررت بأخويك قائمَيْن، فالقائمان هنا نصب على حد الصفة في النكرة.
وتقول: مررت بأخويك مسلما وكافرا هذا على مَن جر وجعلهما صفة للنكرة، ومن جعلهما بدلا من النكرة جعلهما بدلا من المعرفة كما قال الله عز وجل: " لَنَسْفَعاً بالناصيةِ.
ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئة ". وأنشدنا لبعض العرب الموثوق بهم:
فإلى ابنِ أمّ أناسٍ ارحلُ ناقتي ... عمرٍو فتُبلغُ حاجتى أو تُزحِفُ
ملِكٍ إذا نَزَلَ الوفودُ ببابِهِ ... عرَفوا مواردَ مُزبِدٍ لا يُنزَفُ
ومَن رفع في النكرة رفع في المعرفة.
قال الفرزدق:
فأصْبَحَ فى حيثُ الْتَقَيْناَ شريدُهمْ ... طليقٌ ومكتوفُ اليدينِ ومُزعِفُ
وقال آخر، رجل من بنى قُشير:
فلا تَجعلى ضيفَيّ ضيفٌ مُقرَّبٌ ... وآخرُ معزولٌ عن البيتِ جانبُ
والنصبُ جيِّد كما قال النابغة الجعدى:
وكانتْ قُشَيرٌ شامِتا بصَديقها ... وآخرَ مَرزيّا وآخرَ رازِيا
وقال الآخر، وهو ذو الرمة:
تَرى خلقَها نِصفٌ قَناة قَويمةٌ ... ونصفٌ نَقاً يَرتجُّ أو يتمرْمرُ
وبعضهم ينصب على البدل.
وإن شئت كان بمنزلة رأيتُه قائما، كأنه صار خبرا على حد من جعله صفة للنكرة على الأوجه الثلاثة.
واعلم أن المضمر لا يكون موصوفا، من قِبل أنك إنما تضمِر حين ترى أن المحدَّث قد عرف مَن تعنى، ولكن لها أسماء تُعطَف عليها، تعم وتؤكد، وليست صفة؛ لأن الصفة تحلية نحو الطويل، أو قرابة نحو أخيك وصاحبك وما أشبه ذلك، أو نحو الأسماء المبهمة، ولكنها معطوفة على الاسم تجرى مجراه، فلذلك قال النحويون صفة.
وذلك قولك: مررت بهم كلهم، أى لم أدعْ منهم أحداً، ويجيء توكيداً كقولك: لم يبق منهم مُخبّر وقال بقي منهم.
ومثله أيضا: مررتُ بهم أجمعين أكتعين، ومررتُ بهم جُمَعَ كُتَع، ومررتُ بهم أجمعَ أكتعَ، ومررتُ بهم جميعهم.
فهكذا هذا وما أشبه.
ومنه مررتُ به نفسِه، ومعناه مررتُ به بعينه.
واعلم أن الخاص من الأسماء لا يكون صفة، لأنه ليس بحليةٍ ولا قرابة ولا مبهم، ولكنه يكون معطوفا على الاسم كعطف أجمعين.
وهذا قول الخليل رحمه الله، وزعم أنه من أجل ذلك قال: يا أيها الرجل زيدٌ أقبلْ.
قال: لو لم يكن على الرجل كان غيرَ منوَّن.
وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف لأن المبهم تقرِّب به شيئا أو تُباعده، وتُشير إليه.
ومن الصفة: أنت الرجل كلُّ الرجل، ومررت بالرجل كلِّ الرجل.
فإن قلت: هذا عبد الله كلُّ الرجل، أو هذا أخوك كلُّ الرجل، فليس في الحُسن كالألف واللام؛ لأنك إنما أردت بهذا الكلام هذا الرجل المبالغ في الكمال، ولم ترد أن تجعل كل الرجل شيئا تعرف به ما قبله وتبينه للمخاطب، كقولك: هذا زيد.
فإذا خفت أن يكون لم يُعرَف قلت: الطويل، ولكنك بنيت هذا الكلام على شيء قد أثبت معرفته، ثم أخبرت أنه مستكمِلٌ للخِصال.
ومثل ذلك قولك: هذا العالِم حقُّ العالِم وهذا العالم كلُّ العالم، إنما أراد أنه مستحقٌ للمبالغة في العلم.
فإذا قال هذا العالم جِدُّ العالم
فإنما يريد معنى هذا عالِم جدا، أي هذا قد بلغ الغاية في العلم.
فجرى هذا الباب في الألف واللام مجراه في النكرة إذا قلت: هذا رجلٌ كلُّ رجل، وهذا عالمٌ حقُّ عالم، وهذا عالمٌ جدُّ عالم.
ويدلك على أنه لا يريد أن يثبت بقوله كلُّ الرجل الأول أنه لو قال: هذا كلُّ الرجل، كان مستغنيا به، ولكنه ذكر الرجل توكيدا، كقولك: هذا رجلٌ صالحٌ، ولم يرد أن يبين بقوله كلُّ الرجل ما قبله، كما يبين زيدا إذا خاف أن يلتبس فلم يرد ذلك بالألف واللام، وإنما هذا ثناء يحضُرك عند ذكرك إياه.
ومن الصفة قولك: ما يَحسن بالرجل مثلِك أن يفعل ذاك، وما يحسن بالرجل خيرٍ منك أن يفعل ذاك.
وزعم الخليل رحمه الله أنه إنما جر هذا على نية الألف واللام، ولكنه موضعٌ لا تدخله الألف واللام كما كان الجَمّاء الغفيرَ منصوبا على نية إلقاء الألف واللام، نحو طُرّاً وقاطبة والمصادر التي تشبهها.
وزعم رحمه الله أنه لا يجوز في: ما يحسن بالرجل شبيهٍ بك، الجر، لأنك تقدر فيه على الألف واللام.
وقال: وأما قولهم: مررتُ بغيرك
مثلك، وبغيرك خيرٍ منك، فهو بمنزلة مررتُ برجل غيرك خيرٍ منك، لأن غيرك ومثلك وأخواتها يكن نكرة، ومَن جعلها معرفة قال: مررتُ بمثلك خيرا منك، وإن شاء خيرٍ منك على البدل.
وهذا قول يونس والخليل رحمهما الله.
واعلم أنه لا يَحسن ما يحسن بعبد الله مثلِك على هذا الحد.
ألا ترى أنه لا يجوز: ما يَحسن بزيد خيرٍ منك، لأنه بمنزلة كل الرجل في هذا.
فإن قلت: مثلِك وأنت تريد أن تجعله المعروف بشبهه جاز، وصار بمنزلة أخيك.
ولا يجوز في خيرٍ منك، لأنه نكرة، فلا تُثبِت به المعرفة.
ولم يُرد في قوله: ما يحسن بالرجل خيرٍ منك، أن يُثبِت له شيئا بعينه ثم يعرفه به إذا خاف التباسا.
واعلم أن المنصوب والمرفوع يجري معرفتُهما ونكرتُهما في جميع الأشياء كالمجرور.
؟