الكتاب لسيبويهباب الرفع فيما اتصل بالأول

باب الرفع فيما اتصل بالأول

كاتصاله بالفاء وما انتصب لأنه غاية

تقول: سرت حتى أدخلها، وقد سرت حتى أدخلها سواء، وكذلك إني سرت حتى أدخلها، فيما زعم الخليل.
فإن جعلت الدخول في كل ذا غايةً نصبت وتقول: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيداً سار حتى يدخلها ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم غير متيقن فإنه يدخل عليه سار زيدٌ حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري ويدخل عليه عبد الله سار حتى يدخلها أرى.

فإن قال: فإني لم أعمل أرى، فهو يزعم أنه ينصب بأرى الفعل.
وإن جعلت الدخول غايةً نصبت في ذا كله.
وتقول: كنت سرت حتّى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غايةً.
وليس بين كنت سرت وبين سرت مرةً في الزمان الأول حتى أدخلها شئ، وإنّما ذا قول كان النحويّون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف.
يقولون: إذا لم يجز القلب نصبنا فيدخل عليهم قد سرت حتى أدخلها أن ينصبوا وليس في الدنيا عربيٌ يرفع سرت حتى أدخلها إلا وهو يرفع إذا قال: قد سرت.
وتقول: إنّما سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها، إن جعلت الدخول غايةً.
وكذلك ما سرت إلا قليلاً حتى أدخلها، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، لأنّ معنى هذا معنى سرت قليلاً حتّى أدخلها، فإن جعلت الدخول غايةً نصبت.
ومما يكون فيه الرفع شئ ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربما

سرت حتى أدخلها، وطالما سرت حتى أدخلها، وكثر ما سرت حتى أدخلها ونحو هذا.
فإن احتجوا بأنه غير سيرٍ واحد فكيف يقولون إذا قلت: سرت غير مرة حتى أدخلها.
وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتى أدخلها، فرفع في ربما ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في قد.
وتقول: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها وقلما سرت حتى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنك سرت قليلاً وعنيت سيراً واحداً، وإن شئت نصبت على الغاية.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت سيراً واحداً، أو عنيت غير سير، لأنك قد تنفي الكثير من السير الواحد كما تنفيه من غير سير.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها إذا عنيت غير سير، وكذلك أقل ما سرت حتى أدخلها، من قبل أن قلما نفيٌ لقوله كثر ما، كما أن ما سرت نفيٌ لقوله سرت.
ألا ترى أنه قبيح أن تقول: قلما سرت فأدخلها كما يقبح في ما سرت، إذا أردت معنى فإذا أنا أدخل.
وتقول: قلما سرت فأدخلها، فتنصب بالفاء ههنا كما تنصب في ما، ولا يكون كثر ما سرت فأدخلها لأنه واجبٌ، ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها إذا كنت محتقراً لسيرك الذي أدى إلى الدخول، ويقبح إنما سرت حتى أدخلها، لأنه ليس في هذا اللفظ

دليلٌ على انقطاع السير كما يكون في النصب، يعني إذا احتقر السير، لأنك لا تجعله سيراً يؤدي الدخول وأنت تستصغره، وهذا قول الخليل.
وتقول: كان سيرى أمس حتى أدخلها ليس إلا، لأنك لو قلت: كان سيرى أمس فإذا أنا أدخلها لم يجز، لأنك لم تجعل لكان خبراً.
وتقول: كان سيرى أمس سيراً متعباً حتى أدخلها، لأنك تقول: ههنا فأدخلها وفإذا أنا أدخلها، لأنك جئت لكان بخبرٍ، وهو قولك: سيراً متعباً.
واعلم أن ما بعد حتى لا يشرك الفعل الذي قبل حتى في موضعه كشركة الفعل الآخر الأوّل إذا قلت: لم أجئ فأقل، ولو كان ذلك لاستحال كان سيرى أمس شديداً حتّى أدخل، ولكنها تجئ كما تجئ ما بعد إذا وبعد حروف الابتداء.
وكذلك هي أيضاً بعد الفاء إذا قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها؛ لأنها منفصلة يعني الفاء؛ فإنما عنينا بقولنا الآخر متصلٌ بالأول أنهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال: فإنَّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فرُكُوب فإنما يعني أنهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأن الآخر كان مع فراغه من الأول.

فإن قلت: كان سيرى أمس حتى أدخلها، تجعل أمس مستقراً، جاز الرفع لأنه استغنى، فصار كسرت، لو قلت فأدخلها حسن، ولا يحسن كان سيري فأدخل، إلاّ أن تجئ بخبر لكان.
وقد تقع نفعل في موضع فعلنا في بعض المواضع، ومثل ذلك قوله، لرجل من بني سلولٍ مولدٍ: ولقد أمُرُّ على اللَّئيم يَسُبُّني ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيني واعلم أن أسير بمنزلة سرت إذا أردت بأسير معنى سرت.
واعلم أن الفعل إذا كان غير واجب لم يكن إلا النصب، من قبل أنه إذا لم يكن واجباً رجعت حتى إلى أن وكي، ولم تصر من حروف الابتداء كما لم تصر إذن في الجواب من حروف الابتداء إذا قلت: إذن أظنك، وأظن غير واقعٍ في حال حديثك.
وتقول: أيهم سار حتى يدخلها، لأنك قد زعمت أنه كان سيرٌ ودخولٌ،

وإنما سألت عن الفاعل.
ألا ترى أنك لو قلت: أين الذي سار حتى يدخلها وقد دخلها لكان حسناً، ولجاز هذا الذي يكون لما قد وقع، لأن الفعل ثم واقعٌ، وليس بمنزلة قلما سرت إذا كان نافياً لكثرما، ألا ترى أنه لو كان قال: قلما سرت فأدخلها، أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبةً خارجةً من معنى قلما، لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت وحتّى دخلت، كما تقول: ما سرت حتى دخلت.
فإنما ترفع بحتى في الواجب، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلاً من الأول كان مع الأول فيما مضى أو الآن.
وتقول: أسرت حتى تدخلها نصب، لأنك لن تثبت سيراً تزعم أنه قد كان معه دخول.

جارٍ التحميل