باب افتراق فعلت وأفعلت
في الفعل للمعنى
تقول: دخل وخرج وجلس.
فإذا أخبرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أخرجه وأدخله وأجلسه.
وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته، وجاء وأجأته؛ فأكثر ما يكون على فعل إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت.
ومن ذلك أيضاً مكث وأمكثته.
وقد يجيى الشيء على فعلت فيشرك أفعلت، كها أنهما قد يشتركان في غير هذا؛ وذلك قولك: فرح وفرحته، وإن شئت قلت أفرحته؛ وغرم وغرمته، وأغرمته إن شئت؛ كما تقول: فزعته وأفزعته.
وتقول: ملح وملحته؛ وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته.
وقالوا: ظرف وظرفته، ونبل ونبلته؛ ولا يستنكر أفعلت فيهما؛ ولسكن هذا أكثر واستغني به.
ومثل أفرحت وفرحت: أنزلت ونزلت، قال الله عز وجل: " لولا
أنزل عليه آيةٌ من ربه قل إن الله قادرٌ على أن ينزل آيةً "، وكثرهم وأكثرهم، وقللهم وأقلهم.
وأما طردته فنحيته، وأطردته: جعلته طريداً هارباً، وطردت الكلاب الصيد أي جعلت تنحيه.
ويقال طلعت أي بدوت، وطلعت الشمس أي بدت.
وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم.
وشرقت: بدت؛ وأشرقت: أضاءت.
وأسرع: عجل.
وأبطأ: احتبس.
وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولك: خف وثقل، ولا تعديهما إلى شيء، كما تقول: طولت الأمر وعجلته.
وتقول: فتن الرجل وفتنته، وحزن وحزنته، ورجع ورجعته.
وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزيناً وجعلته فاتناً، كما أنك حين قلت: أدخلته أردت جعلته داخلاًن ولكنك أدرت أن تقول: جعلت فيه حزناً وفتنةً، فقلت فتنته كما قلت كحلته، أي جعلت فيه كحلاً، ودهنته جعلت فيه دهناً، فجئت بفعلته على حدةٍ، ولم ترد بفعلته ههنا تغيير قوله حزن وفتن.
ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته.
وفتن من فتنته كحزن من حزنته.
ومثل ذلك: شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر الرجل لم تقل إلا أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته.
وإذا قال: شترت عينه فهو لم يعرض لشتر الرجل، فإنما جاء ببنناء على حدة.
فكل بناء مما ذكرت لك على حدةٍ.
كما أنك إذا قلت طردته فذهب فاللفظان مختلفان.
ومثل حزن وحزنته: عورت عينه وعرتها.
وزعموا أن بعضهم يقول: سودت عينه وسدتها، كما قالوا: عورت عينه وعرتها.
وقد اختلفوا في هذا البيت لنصيبٍ فقال بعضهم:
سَوِدُت فلم أَملِك سَوادى وتحته ... قميصٌ من القُوهِيِّ بيضٌ بنَائُقهْ
وقال بعضهم: سدت، يعني فعلت.
وقال بعض العرب: أفتنت الرجل، وأحزنته، وأرجعته، وأعورت عينه، أرادوا جعلته حزيناً وفاتناًن فغيروا فعل كما فعلوا ذلك في الباب الأول.
وقالوا: عورت عينه كما قالوا: فرحته، وكما قالوا: سودته.
ومثل فتن وفتنته: جبرت يده وجبرتها، وركضت الدابة وركضتها، ونزحت الركية ونزحتها، وسار الدابة وسرتها.
وقالوا: رجس الرجل ورجسته، ونقص الدرهم ونقصته.
ومثله غاض الماء وغضته.
وقد جاء فعلته إذا أردت أن تجعله مفعلاً، وذلك: فطرته فأفطر، وبشرته فأبشر.
وهذا النحو قليل.
فأما خطأته فإنما أردت سميته مخطئاً، كما أنك حيث قلت: فسقته وزنيته، أي سميته بالزنا والفسق.
كما تقول: حييته أي استقبلته بحياك الله، كقولك: سقيته ورعيته، أي قلت له: سقاك الله ورعاك الله، كما قلت له يا فاسق.
وخطأته قلت له يا مخطىء.
ومثل هذا: لحنته.
وقالوا: جدعته وعقرته، أي قلت له: جدعك الله وعقرك الله.
وأفقت به، أي قلت له أفٍّ.
وقالوا: أسقيته في معنى سقيته، فدخلت على فعلت كما تدخل فعلت عليها، يعني في فرحت ونحوها.
وقال ذو الرمة:
وقفت على ربعٍ لمية ناقتي ... فما زِلْتُ أَبكي حَوْلَه وأُخاطِبُه
وأَسْقِيه حتى كاد ممّا أُبِثُّه ... تُكَلِّمُني أَحْجارُه ومَلاعِبُه
وتجيء أفعلته على أن تعرضه لأمر، وذلك قولك: أقتلته أي عرضته للقتل.
ويجيء مثل قبرته وأقبرته، فقبرته: دفنته، وأقبرته: جعلت له قبراً.
وتقول: سقيته فشرب، وأسقيته: جعلت له ماءً وسقيا.
ألا ترى أنك تقول: أسقيته نهراً.
وقال الخليل: سقيته وأسقيته، أي جعلت له ماءً وسقيا.
فسقيته مثل كسوته، وأسقيته مثل ألبسته.
ومثله: شفيته وأشفيته، فشفيته: أبرأته، وأشفيته: وهبت له شفاءً كما جعلت له قبراً.
وتقول: أجرب الرجل وأنحز وأحال، أي صار صاحب جربٍ وحيالٍ ونحازٍ في ماله.
وتقول لما أصابه: هذا نحزٌ وجربٌ وحائلٌ للناقة.
ومثل ذلك: مشدٌّ، ومقطفٌ: ومقوٍ، أي صاحب قوةٍ وشدةٍ وقطافٍ في ماله.
ويقال: قوي الدابة وقطف.
ومثل ذلك قول الرجل: ألام الرجل أي صار صاحب لائمةٍ.
وتقول: قد لامه، أي أخبر بأمره.
ومثل هذا قولهم: أسمنت وأكرمت فاربط، وألأمت.
ومثل هذا أصرم النخل وأمضغ، وأحصد الزرع، وأجز النخل وأقطع، أي قد استحق أن تفعل به هذه الأشياء، كما استحق الرجل أن تلومه.
فإذا أخبرت أنك قد أوقعت به قلت: قطعت وصرمت وجززت، وأشباه ذلك.
وقالوا: حمدته أي جزيته وقضيته حقه، فأما أحمدته فتقول وجدته مستحقا للحمد مني، فإنما تريد أنك استبنته محموداً كما أن أقطع النخل استحق القطع، وبذلك استنبت أنه استحق الحمد، كما تبين لك النخل وغيره، فكذلك استبنته فيه.
وقالوا: أراب، كما قالوا: ألام، أي صار صاحب ريبةٍ، كما قالوا: ألام أي استحق أن يلام.
وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبة، كما تقول: قطعت النخل أي أوصلت إليه القطع واستعملته فيه.
ومثل ذلك: أبقت المرأة وأبق الرجل وبقت ولداً، وبققت كلاماً كقولك: نثرت ولداً ونثرت كلاماً.
ومثل المجرب والمقطف: المعسر والموسر والمقل.
وأما عسرة فتقول ضيقت عليه، ويسرته: تقول وسعت عليه.
وقد يجيء فعلت وأفعلت المعنى فيهما واحد، إلا أن اللغتين اختلفتا.
زعم ذلك الخليل.
فيجيء به قوم على فعلت، ويلحق قوم فيه الألف فيبنونه على أفعلت.
كما أنه قد يجيء الشيء على أفعلت لا يستعمل غيره، وذلك قلته البيع وأقلته، وشغله وأشغله، وصر أذنيه وأصر أذنيه وبكر وأبكر، وقالوا: بكر فأدخلوه مع أبكر وبكر كأبكر فقالوا أبكر كما قالوا: أدنف الرجل فبنوه على أفعل، وهو من الثلاثة، ولم يقولوا: دنف كما قالوا: مرض.
وأبكر كبكر.
وكما قالوا: أشكل أمرك.
وقالوا: حرثت الظهر وأحرثته.
ومثل أدنفت: أصبحنا، وأمسينا، وأسحرنا، وأفجرنا، شهوه بهذه التي تكون في الأحيان.
ومثل ذلك: نعم الله بك عيناً، وأنعم الله بك، وزلته من مكانه وأزلته.
وتقول: غفلت؛ أي صرت غافلاً، وأغفلت إذا أخبرت أنك تركت شيئاً ووصلت غفلتك إليه.
وإن شئت قلت: غفل عنه فاجتزأت بعنه عن أغفلته؛ لأنك إذا قلت عنه فقد أخبرت بالذي وصلت غفلتك إليه.
ومثل هذا: لطف به وألطف غيره، ولطف به كغفل عنه، وألطفه كأغفله.
ومثل ذلك بصر وما كان بصيراً، وأبصره إذا أخبر بالذي وقعت رؤيته عليه.
ووهم يهم وأوهم يوهم، مثل غفل وأغفل.
وقد يجيء فعلت وأفعلت في معنى واحدٍ مشتركين كما جاء فيما صيرته فاعلاً ونحوه؛ وذلك وعزت إليه وأوعزت إليه، وخبرت وأخبرت، وسميت وأسميت.
وقد يجيئان مفترقين، مثل علمته وأعلمته، فعلمت: أدبت، وأعلمت: آذنت، وآذنت: أعلمت؛ وأذنت: النداء والتصويت بإعلانٍ.
وبعض العرب يجري أذنت وآذنت مجرى سميت وأسميت.
وتقول: أمرضته، أي جعلته مريضاً، ومرضته، أي قمت عليه ووليته.
ومثله أقذيت عينه أي جعلتها قذية، وقذيتها: نظفتها.
وتقول: أكثر الله فينا مثلك، أي أدخل الله فينا كثيراً مثلك، وتقول للرجل: أكثرت، أي جئت بالكثير، وأما كثرت فأن تجعل قليلاً كثيراً، وكذلك قللت وكثرت.
وإذا جاء بقليلٍ قلت: أقللت وأوتحت.
وتقول: أقللت وأكثرت أيضاً في معنى قللت وكثرت.
وتقول: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا وأفجرنا، وذلك إذا صرت
في حين صبحٍ ومساءٍ وسحرٍ، وأما صبحنا ومسينا وسحرنا فتقول: أتيناه صباحاً ومساءً وسحراً، ومثله بيتناه: أتيناه بياتا.
وما بني على يفعل: يشجع ويجبن ويقوى، أي يرمي بذلك، ومثله قد شنع الرجل أي رمى بذلك وقيل له.
وقالوا: أغلقت الباب، وغلقت الأبواب حين كثروا العمل، وسترى نظير ذلك في باب فعلت إن شاء الله.
وإن قلت أغلقت الأبواب كان عربياً جيداً، وقال الفرزدق:
ما زلْتُ أُغلِقُ أبوابا وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
ومثل غلقت وأغلقت أجدت وجودت وأشباهه.
وكان أبو عمرو أيضاً يفرق بين نزلت وأنزلت.
ويقال أبان الشيء نفسه وأبنته، واستبان واستبنته، والمعنى واحدٌ، وذا هاهنا بمنزلة حزن وحزنته في فعلت، وكذلك بين وبينته.