باب ما ينتصب على التعظيم والمدح
وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول، وإن شئت قطعتَه فابتدأتَه.
وذلك قولك: الحمد لله الحميد هو، والحمد لله أهلَ الحمد، والمُلك لله أهلَ المُلك.
ولو ابتدأته فرفعتَه كان حسنا، كما قال الأخطل:
نفسي فداءُ أميرِ المؤمنين إذا ... أبْدَى النواجذَ يومٌ باسلٌ ذكَرُ
الخائضُ الغمرَ والميمونُ طائرُه ... خليفةُ الله يُستسقى به المطرُ
وأما الصفة فإن كثيرا من العرب يجعلونه صفة، فيُتبعونه الأولَ
فيقولون: أهلِ الحمد والحميد هو، وكذلك الحمد لله أهلِه: إن شئت جررت، وإن شئت نصبت.
وإن شئت ابتدأت كما قال مُهلهِل:
ولقد خبطن بيوتَ يشكُرَ خبطة ... أخوالنا وهمُ بنو الأعمامِ
وسمعنا بعض العرب يقول: " الحمد لله ربَّ العالمين "، فسألت عنها يونس فزعم أنها عربية.
ومثل ذلك قول الله عز وجل: " لكِنِ الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلكَ والمقيمينَ الصلاةَ والمؤتون الزكاة ". فلو كان كله رفعاً كان جيداً.
فأما المؤمنون فمحمولٌ على الابتداء.
وقال جل ثناؤه: " وَلَكِنَّ البرَّ مَن آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المالَ عَلَى حُبه ذَوِى القُربى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينَ وابنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفىِ الرِّقَابِ وَأَقاَمَ الصَّلاَةَ وَآتى الزكاةَ والموفونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عاَهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى البأساءِ
وَالضّرَّاءِ وَحِينَ البأسِ ". ولو رفع الصابرين على أول الكلام كان جيدا.
ولو ابتدأتَه فرفعته على الابتداء كان جيدا كما ابتدأتَ في قوله: " والْمُؤْتُونَ الزكاةَ ".
ونظير هذا النصب من الشعر قول الخِرنِق:
لا يبعَدَنْ قومي الذي همُ ... سمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ
النازلين بكل مُعترَكٍ ... والطَّيِّبون معاقدَ الأَزْرِ
فرفعُ الطيبين كرفع المؤتين.
ومثل هذا في هذا الابتداء قول ابن خياط العُكلي:
وكلُّ قوِم أطاعوا أمرَ مُرشدهم ... إلا نُمَيراً أمرَ غاوِيهاَ
الظّاعنينَ ولمِّا يُظعنوا أَحَداً ... والقائلونَ لمنْ دارٌ نُخلّيها
وزعم يونس أن من العرب من يقول: " النازلون بكل معترك والطيبين " فهذا مثل " والصابرين ". ومن العرب من يقول: الظاعنون والقائلين، فنصبُه كنصب الطيبين إلا أن هذا شتمٌ لهم وذمٌّ كما أن الطيبين مدحٌ لهم وتعظيم.
وإن شئت أجريتَ هذا كله على الاسم الأول، وإن شئت ابتدأتَه جميعا فكان مرفوعا على الابتداء.
كل هذا جائز في ذين البيتين وما أشبههما، كلُّ ذلك واسع.
وزعم عيسى أنه سمع ذا الرمة يُنشد هذا البيت نصباً:
لقد حملتْ قيسُ بن عَيلانَ حربَها ... على مستقلّ للنَّوائبِ والحربِ
أخاها إذا كانتْ عِضاضاً سما لَها ... على كلِّ حالٍ من ذَلول ومن صعبِ
زعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدث الناس ولا مَن تخاطب بأمرٍ جهلوه، ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمتَ، فجعله ثناء وتعظيماً
ونصبه على الفعل، كأنه قال: أذكرُ أهلَ ذاك، وأذكر المقيمين، ولكنه فعلٌ لا يستعمل إظهارُه.
وهذا شبيهٌ بقوله: إنا بنى فلانٍ نفعل كذا، لأنه لا يريد أن يخبر مَن لا يدرى أنه من بنى فلان، ولكنه ذكر ذلك افتخارا وابتهاء.
إلا أن هذا يجرى على حرف النداء، وستراه إن شاء الله عز وجل في بابه في باب النداء مبيناً.
وتُرك إظهار الفعل فيه حيث ضارع هذا وأشباهه، لأن إنا بنى فلان ونحوه بمنزلة النداء.
وقد ضارعه هذا الباب.
ومن هذا الباب في النكرة قول أميةَ بن أبى عائذ:
ويَأْوِى إلى نِسوة عُطّلٍ ... وشُعثاً مراضيعَ مِثْلِ السَّعالِى
كأنه حيث قال: إلى نسوة عُطّل صِرنَ عنده ممن عُلم أنهن شُعثٌ، ولكنه، ذكر ذلك تشنيعا لهن وتشويها.
قال الخليل: كأنه قال: وأذكرهن شُعثاً، إلا أن هذا فعلٌ لا يُستعمل إظهارُه.
وإن شئت جررت على الصفة.
وزعم يونس أنك تقول: مررت بزيد أخيك وصاحبك، كقول الراجز:
بأعيُن منها مَليحاتِ النُّقَبْ ... شكلِ التِّجارِ وحلالِ المكتسَبْ
كذلك سمعناه من العرب.
وكذلك قال مالك بن خويلد الخُناعي:
يا ميَّ لا يُعجز الأيامَ ذو حِيَدٍ ... فى حَومةِ الموتِ رزّامٌ وفرّاسُ
يَحمى الصريمةَ أُحدانُ الرِّجالِ، له ... صيدٌ، ومجترئٌ بالليل همّاسُ وإن شئت حملته على الابتداء كما قال: فَتي الناس لا يَخْفى عليهمْ مكانُه ... وضِرغامةٌ إنْ هَمَّ بالحَرْب أَوْقَعا وقال آخر: إذا لَقَى الأعداءَ كان خلاتَهم ... وكلبٌ على الأَدَْنْينَ والجارِ نابحُ
كذلك سمعناهما من الشاعرين اللذين قالاهما.
واعلم أنه ليس كل موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كل صفة يحسن أن يعظَّم بها.
لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البزّاز، لم يكن هذا مما يعظَّم به الرجل عند الناس ولا يفخَّم به.
وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأن تذكر رجلاً بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثم تعظمه كما تعظم النبيه.
وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح.
فإن قلت مررت بقومك الكرام الصالحين ثم قلت المُطعِمين في المَحل، جاز لأنه إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عُرف منهم ذلك، وجاز له أن يجعلهم كأنه قد عُلموا.
فاستحسن من هذا ما استحسن العربُ، وأجِزْه كما أجازته.
وليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله عز وجل يكون تعظيما لغيره من المخلوقين: لو قلت: الحمدُ لزيد تريد العظمةَ لم يجز، وكان عظيماً.
وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرام، إذا جعلت المخاطَب كأنه قد عرفهم، كما قال مررت برجلٍ زيدٌ، فتُنزله منزلةَ من قال لك من هو وإن لم يتكلم به.
فكذلك هذا تُنزله هذه المنزلة وإن كان لم يعرفهم.
؟