الكتاب لسيبويهباب مايحقر لدنوه من الشيء

باب مايحقر لدنوه من الشيء

وليس مثله.
وذلك قولك: هو أصيغر منك، وإنَّما أردت أن تقلل الذي بينهما ومن ذلك قولك هو دوين ذاك، وهو فويق ذاك.
ومن ذا أن تقول أسيِّد، أي قد قارب السواد.
وأما قول العرب: هو مثيل هذا وأميثال هذا، فإنَّما هذا، فإنَّما أرادوا أن يخبروا أن المشبَّه حقيرٌ، كما أن المشبّه به حقيرٌ.
وسألأت الخليل عن قول العرب: ما أميلحه.
فقال: لم يكن ينبغي أن

يكون في القياس، لأنَّ الفعل لايحقَّر، وإنما تحقَّر الأسماء لأنها توصف بما يعظم ويهون، والأفعال لاتوصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقروا هذا اللفظ وإنما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنَّك قلت: مليِّحٌ، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئاً آخر نحو قولك: يطؤهم الطريق، وصيد عليه يومان.
ونحو هذا كثير في الكلام.
وليس شيء من لفعل ولا شيءٌ مما سمِّى به الفعل يحقر إلاّ هذا وحده وماأشبهه من قولك: ما أفعله.
واعلم أن علامات الإضمار لا يحقَّرون، من قبل أنها لا تقوى قوة المظهرة ولاتمكن تمكنُّها، فصارت بمنزلة لا ولو وأشباههما.
فهذه لا تحقَّر لأنها ليست أسماء، وإنما هي بمنزلة الأفعال التي لا تحقَّر.
فمن علامات الإضمار وأنا ونحن، ولو حقرتهنَّ لحقرت الكاف التي في بك والهاء التي في به وأشباه هذا.
ولا يحقر أين ولا متى، ولا كيف؛ ولا حيث ونحوهنَّ، من قبل أن أين ومتى وحيث ليس فيها ما في فوق ودون وتحت، حين قلت: فويق ذاك ودوين ذاك، وتحيت ذاك، وليست أسماء تمكَّن فتدخل

فيها الألف واللام ويوصفن، وإنَّما لهنَّ مواضع لا يجاوزنها فصرن بمنزلة علامات الإضمار.
وكذلك من وما وأيهم، إنَّما هنَّ بمنزلة أين لا تمكَّن الأسماء التامَّة نحو زيدٍ ورجلٍ.
وهنَّ حروف استفهام كم أنَّ أين حرف استفهام، فصرن بمنزلة هل في أنهنَّ لا يحقرن.
ولا نحقّر غير، لأنَّها ليست منزلة مثلٍ، وليس كل شيء يكون غير الحقير عندك يكون محقَّراً مثله، كما لا يكون كلُّ شيء مثل الحقير حقيراً، وإنما معنى مررت برجلٍ غيرك معنى مررت برجلٍ ليس بك وسواك لا يحقر لأنه ليس اسماً متمكنا وإنما هو كقولك مررت برجلٍ ليس بك، فكما قبح تحقير ليس قبح تحقير سوى.
وغير أيضاً ليس باسم متمكَّن.
ألا ترى أنَّها لا تكون إلاَّ نكرة، ولا تجمع، ولا تدخلها الألف واللام.
وكذلك حسبك لا يحقَّر كما لا يحقَّر غيرٌ، وإنَّما هو كقولك: كفاك فكما لا يحقَّر كفاك، كذلك لا تحقِّر هذا.
واعلم أنَّ اليوم والشهر والسنة والساعة والليلة يحقرن.
وأمَّا أمس وغدٌ فلا يحقَّران؛ لأنَّهما ليسا اسمين لليومين بمنزلة زيدٍ وعمروٍ، وإنما هما اليوم الذي قبل يومك، واليوم بعد يومك، ولم يتمكنا كزيدٍ

واليوم والساعة والشهر وأشباههن، ألا ترى أنَّك تقول: هذا اليوم وهذه الليلة فيكون لما أنت فيه، ولما لم يأت، ولما مضى وتقول: هذا زيدٌ وذلك زيدٌ، فهو اسم ما يكون معك وما يتراخى عنك.
وأمس وغدٌ لم يتمكنا تمكَّن هذه الأشياء، فكرهوا أن يحقروهما كما كرهوا تحقير أين، واستغنوا عن تحقيرها بالذي هو أشد تمكنا، وهو اليوم والليلة والساعة.
وكذلك أول من أمس، والثَّلاثاء، والأربعاء، والبارحة لما ذكرنا وأشباههنَّ.
ولا تحقَّر أسماء شهور السنة، فعلامات ما ذكرنا من الدَّهر لا تحقّر، إنَّما يحقَّر الاسم غير العلم الذي يلزم كل شيء من أمته، نحو: رجلٍ وامرأةٍ وأشباههما.
واعلم أنَّك لا تحقِّر الاسم إذا كان بمنزلة الفعل، ألا ترى أنه قبيح: هو ضويربٌ زيداً، وهو ضويربٌ زيدٍ، إذا أردت بضارب زيدٍ التنوين.
وإن كان ضارب زيدٍ لما مضى فتصغيره جيد.
ولا تحقِّر عند كما تحقِّر قبل وبعد ونحوهما، لأنك إذا قلت عند

فقد قللت ما بينهما، وليس يراد من التقليل أقلُّ من ذا، فصار ذا كقولك: قبيل ذاك، إذا أردت أن تقلَّل ما بينهما.
وكذلك عن ومع، صارتا في أن لا تحقّرا كمن.

جارٍ التحميل