وقال في رجل اسمه مسلماتٌ أو ضرباتٌ: هذا ضرباتٌ كما ترى ومسلماتٌ كما ترى.
وكذلك المرأة لو سميتها بهذا انصرفت.
وذلك أن هذه التاء لما صارت في النصب والجر جراً أشبهت عندهم الياء التي في مسلمين، والياء التي في رجلين، وصار التنوين بمنزلة النون.
ألا ترى إلى عرفاتٍ مصروفةً في كتاب الله عز وجلَّ وهي معرفةٌ.
الدَّليل على ذلك قول العرب: هذه عرفاتٌ مباركاً فيها.
ويدلك أيضاً على معرفتها أنك لا تدخل فيها ألفاً ولاما، وإنما عرفاتٌ بمنزلة أبانين، وبمنزلة جمع.
ومثل ذلك أذرعاتٌ، سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس:
تنورَّتها مِن أذرعاتٍ، وأهُلها ... بيَثْرِبَ، أَدْنَى دارِها نظرٌ عالِ
ولو كانت عرفات نكرةً لكانت إذاً عرفات في غير موضع.
ومن العرب من لا ينون أذرعات ويقول: هذه قريشيات كما ترى، شبهوها بهاء التأنيث، لأن الهاء تجئ للتأنبث ولا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة، ولا الأربعة بالخمسة.
فإن قلت: كيف تشبهها بالهاء وبين التاء وبين الحرف المتحرك ألف؟ فإن الحرف الساكن ليس عندهم بحاجز حصين، فصارت التاء كأنِّها ليس بينها وبين الحرف المتحرك شيء.
ألا ترى أنِّك تقول: اقتل فتتبع الألف التاء، كأنها ليس بينها شيء وسترى أشباه ذلك إن شاء الله مما يشبَّه بالشيء وليس مثله في كل شيء.
ومنه ما قد مضى هذا باب الأسماء الأعجمية اعلم أن كلَّ اسم أعجمي أعرب وتمكن في الكلام فدخلته الألف واللام وصار نكرة، فإنك إذا سميت به رجلاً صرفته، إَّلا أن يمنعه من الصرف ما يمنع العربي.
وذلك نحو: اللجام، والديباج، واليرندج، والنَّيروز، والفرند، والزَّنجبيل، والأرندج، والياسمين فيمن قال: ياسمينٌ كما ترى، والسهريز، والآجر فإن قلت: أدع صرف الآجر، لأنه لا يشبه شيئاً من كلام العرب، فإنه
قد أعرب وتمكن في الكلام، وليس بمنزلة شيء ترك صرفه من كلام العرب؛ لأنَّه لا يشبه الفعل وليس في آخره زيادة، وليس من نحو عمر، وليس بمؤنث، وإنمَّا هو بمنزلة عربيٍّ ليس له ثلنٍ في كلام العرب، نحو إبل، وكدت تكاد، وأشباه ذلك وأما إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون، وأشباه هذه الأسماء فإنَّها لم تقع في كلامهم إلا معرفة على حد ما كانت في كلام العجم ولم تمكن في كلامهم كما تمكن الأول، ولكنها وقعت معرفة، ولم تكن من أسمائهم العربيَّة فاستنكروها ولم يجعلوها بمنزلة أسمائهم العربية: كنهشلٍ وشعثمٍ، ولم يكن شيء منها قبل ذلك اسماً يكون لكل شيء من أمةٍ.
فلما لم يكن فيها شيء من ذلك استنكروها في كلامهم.
وإذا حقرت اسماً من هذه الأسماء فهو على عجمته كما أن العناق إذا حقرتها اسم رجل كانت على تأنيثها.
وأما صالحٌ، فعربي، وكذلك شعيبٌ.
وأما نوحٌ، وهودٌ، ولوطٌ فتنصرف على كل حال، لخفتها.
هذا باب تسمية المذكر بالمؤنث اعلم أن كل مذكّر سّميته مؤنّث على أربعة أحرف فصاعداً لم ينصرف.
وذلك أن أصل المذكر، عندهم أن يسمى بالمذكر، وهو شكله والذي يلائمه،
فلما عدلوا عنه ما هو له في الأصل، وجاءوا بما لا يلائمه ولم يكن منه فعلوا ذلك به، كما فعلوا ذلك بتسميتهم إيَّاه بالمذكر وتركوا صرفه كما تركوا صرف الأعجمي.
فمن ذلك: عناق، وعقرب، وعقاب، وعنكبوت، وأشباه ذلك.
وسألته: عن ذراع فقال: ذراعٌ كثر تسميتهم به المذكر، وتمكن في المذكر وصار من أسمائه خاصَّة عندهم، ومع هذا أنهَّم يصفون به المذكر فيقولن: هذا ثوبٌ ذراعٌ.
فقد تمكن هذا الاسم في المذكر.
وأما كراع فإن الوجه ترك الصرف، ومن العرب من يصرفه يشبهه بذراع؛ لأنه من أسماء المذكر.
وذلك أخبث الوجهين.
وإن سمَّيت رجلاً ثماني لم تصرفه لأن ثماني اسم لمؤنث، كما أنك لا تصرف رجلا اسمه ثلاث؛ لأنَّه ثلاثا كعناق.
ولو سميت رجلا حبارى، ثم حقرته فقلت: حبير لم تصرفه، لأنَّك لو حقرت الحبارى نفسها فقلت: حبيرٌ كنت إنمَّا تعني المؤنَّث، فالياء إذا ذهبت فإنما هي مؤنثة؛ كعنيّقٍ.
واعلم أنك إذا سميت المذكر بصفة المؤنَّث صرفته، وذلك أن تسِّمى رجلاً بحائضٍ أو طامثٍ أو متئمٍ.
فزعم أنه إنما يصرف هذه الصفات لأنَّها مذكرةٌ وصف بها المؤنث، كما يوصف المذكر بمؤنث لا يكون إلا لمذكَّر،
وذلك نحو قولهم: رجلٌ نكحةٌ، ورجلٌ ربعةٌ، ورجل خجأةٌ فكأنَّ هذا المؤنَّث وصفٌ لسلعة أو لعين أو لنفس، وما أشبه هذا.
وكأنَّ المذكر وصف لشيء، كأنك قلت: هذا شيءٌ حائضٌ ثم وصفت به المؤنَّث، كما تقول هذا بكرٌ ضامرٌ، ثم تقول: ناقةٌ ضامرٌ.
وزعم الخليل أن فعولاً ومفعالاً إنَّما امتعتنا من الهاء لأنَّهما إنما وقعتا في الكلام على التذكير، ولكنَّه يوصف به المؤنث، كما يوصف بعدلٍ وبرضاً.
فلو لم تصرف حائضا لم تصرف رجلا يسَّمى قاعداً إذا أردت صفة القاعد من الزوج ولم تكن لتصرف رجلاً يسمى ضارباً إذا أردت الناقة الضارب، ولم تصرف أيضاً رجلاً يسمى عاقراً؛ فإنَّ ما ذكرت لك مذكَّر وصف به مؤنَّث، كما أن ثلاثةٌ مؤنثٌ لا يقع إَّلا لمذكرين.
ومما جاء مؤنَّثاً صفةً تقع للمذكر والمؤنَّث: هذا غلامٌ يفعةٌ، وجاريةٌ يفعةٌ، وهذا رجل ربعةٌ، وامرأة ربعةٌ.
فأما ما جاء من المؤنَّث لا يقع إَّلا لمذكر وصفاً، فكأنه في الأصل صفة لسلعة أو نفسٍ، كما قال: " لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمةٌ " والعين عين القوم وهو ربيثتهم، كما كان الحائض في الأصل صفةً لشيء وإن لم يستعملوه؛ كما أنَّ أبرق في الأصل عندهم وصفٌ، وأبطح، وأجرع، وأجدل، فبمن ترك الَّصرف، وإن لم يستعملوه وأجروه مجرى الأسماء.
وكذلك جنوبٌ وشمالٌ، وحرورٌ وسمومٌ وقبولٌ ودبورٌ، إذا سميت رجلاً بشيء منها صرفته
لأنَّها صفاتٌ في أكثر كلام العرب: سمعناهم يقولون: هذه ريح حرورٌ، وهذه ريحٌ شمالٌ، وهذه الريح الجنوب، وهذه ريح سمومٌ، وهذه ريحٌ جنوبٌ.
سمعنا ذلك من فصحاء العرب، لا يعرفون غيره.
قال الأعشى:
لها زجلٌ كحفيف الحصا ... د صادَفَ باللَّيل رِيحاً دَبورَا
ويجعل اسماً، وذلك قليل، قال الشاعر.
حَالت وحِيلَ بها وغَيَّرَ آيَها ... صرفُ البِلَى تَجري به الرِيّحانِ
ريحُ الجَنوبِ مع الَّشمال وتارةً ... رِهَمُ الرَّبيع وصائبُ التَّهتان
فمن جعلها أسماء لم يصرف شيئاً منها اسم رجل، وصارت بمنزلة: الصعَّود والهبوط، والحرور، والعروض.
وإذا سميت رجلاً بسعاد أو زينب أو جيأل، وتقديرها جيعل، لم تصرفه؛ من قبل انَّ هذه أسماءٌ تمكنت في المؤنث واختص بها وهي مشتقة، وليس شيء منها يقع على شيء مذكر: كالرَّباب، والثوَّاب، والدَّلال.
فهذه الأشياء مذكرة، وليست سعاد وأخواتها كذلك، ليست بأسماء للمذكر، ولكنهَّا اشتقَّت فجعلت مختصاً بها المؤنث في التسمية، فصارت عندهم كعناقٍ.
وكذلك تسميتك رجلا بمثل: عمان؛ لأنَّها ليست بشيء مذكر معروف، ولكنَّها مشتقة لم تقع إلا علما لمؤنث وكان الغالب عليها المؤنَّث، فصارت عندهم حيث لم تقع إلاَّ لمؤنّثٍ كعناق لا تعرف إلا َّعلما لمؤنَّث، كما إن هذه مؤنثة في الكلام.
فإن سمَّيت رجلاً بربابٍ، أودلالٍ صرفته؛ لأنه مذكر معروف.
واعلم أنَّك إذا سميت رجلاً خروقاً، أو كلابا، أو جمالا، صرفته في النكرة والمعرفة، وكذلك الجماع كلُّه.
ألا تراهم صرفوا: أنماراً، وكلاباً؛ وذلك لأنَّ هذه تقع على المذكر، وليس يختص به واحد المؤنَّث فيكون مثله.
ألا ترى أنَّك تقول: هم رجالٌ فتذكِّر كما ذكرت في الواحد، فلمَّا لم تكن فيه علامة التأنيث وكان يخرج إليه المذكر ضارع المذكر الذي يوصف به المؤنّث، وكان هذا مستوجبا لصرف إذا صرف ذراعٌ وكراعٌ لما ذكرت لك.
فإن قلت: ما تقول في رجل يسمَّى: بعنوق فإن عنوقا بمنزلة خروقٍ؛ لأن هذا التأنيث هو التأنيث الذي يجمع به المذكَّر، وليس كتأنيث عناق، ولكن تأنيثه تأنيث الذي يجمع المذكَّرين، وهذا التأنيث الذي في عنوقٍ تأنيث حادث، فعنوقٌ البناء الذي يقع للمذكرين، والمؤنث الذي يجمع المذكرين.
وكذلك رجل يسمَّى: نساءً، لأنها جمع نسوةٍ.
فأمَّا الطًّاغون فهو اسمٌ واحدٌ مؤنث، يقع على الجميع كهيئة للواحد.
وقال عزَّ وجلَّ: " والذين اجتنبوا الطَّاغوت أن يعبدوها ".
وأمَّا ما كان اسماً لجمع مؤنث لم يكن له واحدٌ فتأنيثه كتأنيث الواحد، لا تصرفه اسم رجل، نحو: ابل، وغنم؛ لأنَّه ليس له واحد، يعني أنه إذا جاء اسماً لجمع ليس له واحد كسر عليه، فكان ذلك الاسم على أربعة أحرف، لم تصرفه اسماً لمذكر.
هذا باب تسمية المؤنث اعلم أن كل مؤنث سميته بثلاثة أحرف متوالٍ منها حرفان بالتحرك لا ينصرف، فإن سميته بثلاثة أحرف فكان الأوسط منها ساكناً وكانت شيئاً مؤنثاً أو اسماً الغالب عليه المؤنث كسعاد، فأنت بالخيار: إن شئت صرفته وإن شئت لم تصرفه.
وترك الصرف أجواد.
وتلك الأسماء نحو: قدر، وعنز، ودعد، وجمل، ونعم، وهند.
وقال الشاعر فصرفت ذلك ولم يصرفه:
لم تتلفَّع بِفَضْلِ مِئْزَرِها ... دعدٌ ولم تغذ دعد في العلب
فصرفت ولم يصرف.
وإنمَّا كان المؤنث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكر لأن الأشياء كلَّها أصلها التذكير ثم تختصَّ بعد، فكل مؤنث شيءٌ، والشيء يذكَّر، فالتذكير أول، وهو أشد تمكناً، كما أنَّ النكرة هي أشد تمكناً من المعرفة، لأنَّ الأشياء إنمَّا تكون نكرةً ثم تعرف فالتذكير قبل، وهو أشد تمكناً عندهم.
فالأول هو أشد تمكناً عندهم.
فالنكرة تعرف بالألف واللام والإضافة، وبأن يكون علماً.
والشيء يختص بالتأنيث فيخرج من التذكير، كما يخرج المنكور إلى المعرفة.
فإن سميت المؤنث بعمرو أو زيد، لم يجز الصرف.
هذا قول ابن أبي إسحاق وأبي عمرو، فيما حدثنا يونس، وهو القياس؛ لأنَّ المؤنث أشد ملاءمة للمؤنث.
والأصل عندهم أن يسمىَّ المؤنث بالمؤنث، كما أنَّ أصل تسمية المذكَّر بالمذكر.
وكان عيسى يصرف امرأة اسمها عمرو، لأنَّه على أخف الأبنية.
هذا باب أسماء الأرضين إذا كان اسم الأرض على ثلاثة أحرف خفيفةٍ وكان مؤنثاً، أو كان الغالب عليه المؤنث كعمان، فهو بمنزلة: قدر، وشمس، ودعد.
وبلغنا عن بعض المفسَّرين أن قوله عزَّ وجلَّ: " اهبطوا مصر "، إنما أراد مصر بعينها.
فإن كان الاسم الذي على ثلاثة أحرف أعجميَّا، لم ينصرف وإن كان خفيفا، لأن المؤنث في ثلاثة الأحرف الخفيفة إذا كان أعجمياً، بمنزلة المذكَّر في الأربعة فما فوقها إذا كان اسما مؤنثاً.
ألا ترى أنَّك لو سَّميت مؤنثَّا بمذكر خفيف لم تصرفه، كما لم تصرف المذكَّر إذا سميته بعناق ونحوها.
فمن الأعجمَّية: حمص، وجور، وماه.
فلو سميت امرأة بشىء من هذه الأسماء لم تصرفها، كما لا تصرف الرَّجل لو سميَّته بفارس ودمشق.
وأمَّا واسطٌ فالتذكير والصرف أكثر، وإنمَّا سمي واسطاً، لأنه مكانٌ وسط البصرة والكوفة.
فلو أرادوا التأنيث قالوا: واسطةٌ.
ومن العرب من يجعلها اسم أرض فلا يصرف.
ودابقٌ الصرف والتذكير فيه أجود.
قال الراجز، وهو غيلان:
ودابِقُ وأَيْنَ مِّني دابِقُ
وقد يؤنث فلا يصرف.
وكذلك منًى، الصرف والتذكير أجود، وإن شئت أنثت ولم تصرفه.
وكذلك هجر، يؤنث ويذكَّر.
قال الفرزدق:
منهنّ ايَّام صِدْقٍ قد عُرِفْتُ بها ... أيَّام فارِسَ والأَيَّامُ منْ هجرا
فهذا أنت.
وسمعنا من يقول: " كجالب التَّمر إلى هجر " يا فتى.
وأمَّا حجر اليمامة فيذكَّر ويصرف.
ومنهم من يؤنث فيجريه مجرى امرأةٍ سميِّت بعمروٍ، لأن حجرا شيء مذكر سِّمي به المذكَّر.
فمن الأرضين: ما يكون مؤنَّثا ويكون مذكَّرا، ومنها مالا يكون إلا على التأنيث، نحو: عمان، والزاب، وإراب، ومنها ما لا يكون إَّلا على التذكير نحو فلجٍ، وما وقع صفة كواسطٍ ثم صار بمنزلة زيد وعمرو، وإنمَّا وقع لمعنى، نحو قول الشاعر:
ونابِغةُ الجعديُّ بالرَّمل بيتُه ... عليه ترابٌ من صَفيحٍ موضَّع
أخرج الألف واللام وجعله كواسط.
وأمَّا قولهم: قباء وحراء، فد اختلفت العرب فيهما، فمنهم من يذكر ويصرف، وذلك أنهَّم جعلوهما اسمين لمكانين، كما جعلوا واسطاً بلداً أو مكانا.
ومنهم من أنَّث ولم يصرف، وجعلهما اسمين لبقعتين من الأرض.
قال الشاعر، جرير:
ستَعْلَمُ أَيُّنَا خَيْرٌ قديمَا ... وأَعْظَمُنَا ببَطْنِ حِرَاءَ نارَا
وكذلك أضاخ؛ فهذا أنَّث، وقال غيره فذكر.
وقال العجاج:
وربِّ وجهٍ من حراءٍ مُنْحَنِ
وسألت الخليل فقلت: أرأيت من قال: قباء يا هذا، كيف ينبغي له أن يقول إذا سمَّى به رجلاً؟ قال: يصرفه، وغير الصرف خطأٌ، لأنَّه ليس بمؤنَّث معروف في الكلام، ولكنَّه مشتق كجلاس، وليس شيئاً قد غلب عليه عندهم التأنيث كسعاد وزينب.
ولكه مشتقٌّ يحتمله المذكَّر ولا ينصرف في المؤنث، كهجر وواسط.
ألا ترى أنَّ العرب قد كفتك ذلك لمَّا جعلوا واسطا للمذكَّر صرفوه، فلو علموا أنَّه شيء للمؤَّنث كعناق
لم يصرفوه، أو كان اسماً غلب التأنيث لم يصرفوه، ولكنَّه اسمٌ كغرابٍ ينصرف في المذكَّر ولا في المؤنث؛ فإذا سميت به الرجل فهو بمنزلة المكان.
قلت: فإن سمَّيته بلسان، في لغة من قال: هي اللسان؟ قال: لا أصرفه، من قبل أنَّ اللَّسان قد استقر عندهم حينئذٍ أنَّه بمنزلة: عناق قبل أن يكون اسماً لمعروف، وقباء وحراء ليسا هكذا، إنَّما وقعا علماً علماً على المؤنَّث والمذكر مشتقين وغير مشتقين في الكلام لمؤنَّث من شيء، والغالب عليهما التأنيث، فإنَّما هما كمذكر إذا وقع على المؤنَّث لم ينصرف.
وأمَّا اللِّسان فبمنزلة اللذاذ واللذَّاذة، يؤنِّث قوم ويذكر آخرون.
هذا باب أسماء القبائل والأحياء وما يضاف إلى الأب والأم أمَّا ما يضاف إلى الآباء والأمهات فنحو قولك: هذه بنو تميمٍ، وهذه بنو سلولٍ، ونحو ذلك.
فإذا قلت: هذه تميمٌ، وهذه أسدٌ، وهذه سلولٌ، فإنَّما تريد ذلك المعنى، غير أنَّك إذا حذفت المضاف تخفيفاً، كما قال عزَّ وجلَّ: " واسأل القرية "، ويطؤهم الطريق، وأنَّما يريدون: أهل القرية وأهل الطريق.
وهذا في كلام العرب كثير، فلمَّا حذفت المضاف وقع عل المضاف إليه ما يقع على المضاف، لأنه صار في مكانه فجرى مجراه.
وصرفت تميماً وأسداً؛ لأنك لم تجعل واحداً منهما اسماً للقبيلة؛ فصارا في الانصراف على حالهما قبل أن تحذف المضاف.
ألا ترى أنَّك لو قلت: اسأل واسطاً كان في الانصراف على حاله إذا قلت: أهل واسطٍ فأنت لم تغير ذلك المعنى وذلك التأليف، إلا أنَّك حذفت.
وإن شئت قلت: هؤلاء تميمٌ وأسدٌ؛ لأنَّك تقول: هؤلاء بنو أسدٍ وبنو تميم، فكما أثبتَّ اسم الجميع ههنا أثبت هنالك اسم المؤنث، يعني في: هذه تميمٌ وأسدٌ.
فإن قلت: لم لم يقولوا: هذا تميمٌ، فيكون الفظ كلفظه إذا لم ترد معنى الإضافة حين تقول: جاءت القرية، تريد: أهلها؟ فلأنَّهم أرادوا أن يفصلوا بين الإضافة وبين إفرادهم الرجل، فكرهوا الالتباس.
ومثل هذا القوم، هو واحدٌ في اللفظ، وصفته تجري على المعنى، لا تقول القوم ذاهبٌ.
وقد أدخلوا التأنيث فيما هو أبعد من هذا، أدخلوه فيما لا يتغير منه المعنى
لو ذكرَّت، قالوا: ذهبت بعض أصابعه وقالوا: ذهبت بعض أصابعه، وقالوا: ما جاءت حاجتك.
وقد بين أشباه هذا في موضعه.
وإن شئت جعلت تميماً وأسداً اسم قبيلة في الموضعين جميعاً فلم تصرفه.
والدليل على ذلك قول الشاعر
نَبَا الخزُّ عن روحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ ... وعَجّتْ عجيجاً مِن جُذامَ المَطارِفُ
وسمعنا من العرب من يقول، للأخطل:
فإنْ تَبْخَلْ سَدُوسُ بدِرْهَمَيْها ... فإنَّ الريح طيَّبة قَبولُ
فإذا قالوا: ولد سدوسٌ كذا وكذا، أو ولد جذامٌ كذا وكذا، صرفوه: ومما يقويِّ ذلك أن يونس زعم: أنَّ بعض العرب يقول: هذه تميم بنت مرٍّ.
وسمعناهم يقولون: قيس بنت عيلان، وتميم صاحبة ذلك.
فإنَّما قال: بنت حين جعله اسماً لقبيلة.
ومثل ذلك قوله: باهلة بن أعصر، فباهلة امرأةٌ ولكنَّه جعله اسماً للحي، فجاز له أن يقول: ابن.
ومثل ذلك تغلب ابنة وائلٍ.
غير أنه قد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون أباً، وقد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون اسماً للقبيلة.
وكلٌّ جائز حسن.
فإذا قلت: هذه سدوس، فأكثرهم يجعله اسماً للقبيلة.
وإذا قلت: هذه تميمٌ فأكثرهم يجعله اسماً للأب.
وإذا قلت: هذه جذام فهي كسدوس.
فإذا قلت: من بني سدوسٍ فالصرف، لأنَّك قصدت قصد الأب.
وأما أسماء الأحياء فنحو: معدٍّ، وقريشٍ، وثقيفٍ.
وكلُّ شيء لا يجوز لك أن تقول فيه: من بني فلان، ولا هؤلاء بنو فلان، فإنمَّا جعله اسم حي فإن قلت: لم تقول هذه ثقيفٍ، فإنهم إنما أرادوا: هذه جماعة ثقيف أو هذه جماعة فإنهم إنما أرادوا: هذه جماعة ثقيفٍ أو هذه جماعةٌ من ثقيف ثم حذفوها ههنا كما حذفوا في تميمٍ.
ومن قال: هؤلاء جماعة ثقيف قال: هؤلاء ثقيف.
فإن أرادت الحيَّ ولم ترد الحرف قلت: هؤلاء ثقيف، كما تقول: هؤلاء قومك، والحيّ جينئذٍ بمنزلة القوم، فكينونة هذه الأشياء للأحياء أكثر.
وقد تكون تميمٌ اسماً للحي.
وإن جعلتها اسماً للقبائل فجائز حسن، ويعني قريش وأخواتها.
قال الشاعر:
غلَبَ المَساميحَ الوَليدُ سَماحةً ... وكَفَى قُرَيشَ المُعْضِلاتِ وسادَهَا
وقال:
عَلِمَ القَبائِلُ مِن معدَّ وغيرِها ... أنّ الجَوادَ محمَّد بنُ عُطارِدِ
وقال: ولَسْنا إذا عدَّ الحَصَى بأقلةٍ ... وإنْ معدَّ اليومَ مودٍ ذَليلُهَا وقال: وأنت أمرؤٌ من خير قومِك فيهِمُ ... وأنتَ سِواهمْ في معدَّ مخيَّر وقال زهير: تمدُّ عليهمْ من يمينٍ واشملٍ ... بحورٌ له مِن عَهْدِ عادَ وتبعَّا وقال: لو شَهْدَ عادَ في زمانِ عاد ... لا بتزَّها مبارك الجلاد
وتقول: هؤلاء ثقيف بن قسيٍ، فتجعله اسم الحي وتجعل ابن وصفاً، كما تقول: كلٌّ ذاهبٌ وبعضٌ ذاهبٌ، فهذه الأشياء إنمَّا هي آباءٌ، والحدُّ فيها أن تجري ذلك المجرى، وقد جاز فيها ما جاز في قريشٍ إذا كانت جمعاً لقوم.
قال الشاعر فيما وصف به الحيُّ ولم يكن جمعاً:
بحيٍّ نميريٍّ عليه مهابةٌ ... جميعٍ إذا كان اللِّئامُ جَنادِعَا
وقال
سادُوا البِلادَ وأصْبَحُوا في آدمٍ ... بَلَغُوا بها بِيضَ الوجُوهِ فُحولاَ
فجعله كالحي والقبيلة.
وقال بعضهم: بنو عبد القيس؛ لأنه أب.
فأما ثمود وسبأ، فهما مرةً للقبيلتين، ومرةً للحيين، وكثرتهما سواءٌ.
وقال تعالى: " وعاداً وثموداً " وقال تعالى: " ألا
إنَّ ثموداً كفروا ربَّهم " وقال: " وآتينا ثمود النَّاقة مبصرةً "، وقال: " وأمَّا ثمود فهديناهم "، وقال: " لقد كان لسبأٍ في مساكنهم " وقال " من سبأٍ بنبأٍ يقين " وكلن أبو عمرٍ ولا يصرف سبأ، يجعله اسماً للقبيلة.
وقال الشاعر:
مِنْ سَبَأَ الحاضِرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنونَ مِنْ دُونِ سَيْله العَرِمَا
وقال في الصرف، للنابغة الجعدي:
أضحت ينفرها الوالدان مِنْ سبأٍ ... كأنّهم تحت دَفَّيْها دَحاريج
هذا باب ما لم يقع إلا اسما للقبيلة كما أنّ عمان لم يقع إَّلا اسما لمؤنث، وكان التأنيث هو الغالب عليها وذلك: مجوس، ويهود.
قال امرؤ القيس:
أحارِ أريكَ بَرْقاً هَبَّ وَهْناً ... كنارِ مَجوسَ تَسْتَعِرُ اسْتِعارَا
وقال:
أولئك أوْلَى من يَهودَ بِمَدْحهِ ... إذا أنْت يوماً قلتَها لم تؤنَّب
فلو سميت رجلاً بمجوس لم تصرفه، كما لا تصرفه إذا سميته بعمان.
وأما قولهم: اليهود والمجوس، فإنما أدخلوا الألف واللام ههنا كما أدخلوها في المجوسّ واليهودي، لأنهم أرادوا اليهوديِّين والمجوسِّيين، ولكنهم حذفوا ياءي الإضافة، وشبهوا ذلك بقولهم: زنجيٌّ وزنجٌ، إذا أدخلوا
الألف واللام على هذا، فكأنك أدخلتها على: يهودِّيين ومجوسييِّن، وحذفوا ياءي الإضافة وأشباه ذلك.
فإن أخرجت الألف واللام من المجوس صار نكرة، كما أنك لو أخرجتها من المجوسييِّن صار نكرة.
وأما نصارى فنكرة، وإنمَّا نصارى جمع نصران ونصرانةٍ، ولكنهَّ لا يستعمل في الكلام إلاّ بباءي الإضافة إلا في الشعر، ولكنهم بنو الجميع على حذف الياء، كما أن ندامى جمع ندمان، والنَّصاري ههنا بمنزلة: النصرانييِّن.
ومما يدلك على ذلك قول الشاعر.
صدَّت، كما صدَّ عمَّا لا يحلُّ له ... ساقي نَصارَى قُبَيْلَ الفِصْحِ صُوّامِ
فوصفه بالنكرة، وإنمَّا النَّصاري جماع نصران ونصرانةٍ.
والدليل على ذلك قول الشاعر:
فكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانةٌ لم تحنَّف
فجاء على هذا كما جاء بعض الجميع على غير ما يستعمل واحداً في الكلام، نحو: مذاكير وملامح.
هذا باب أسماء السُّور تقول: هذه هودٌ كما ترى، إذا أردت أن تحذف سورة من قولك: هذه سورة هود، فيصير هكذا كقولك هذه تميمٌ كما ترى.
وإن جعلت هوداً اسم السورة لم تصرفها، لأنَّها تصير بمنزلة امرأة سميتها بعمرو.
والسُّور بمنزلة النسِّاء، والأرضين.
وإذا أردت أن تجعل اقتربت اسماً قطعت الألف، كما قطعت ألف إضرب حين سمَّيت به الرجل، حتَّى يصير بمنزلة نظائره من الأسماء: نحو إصبع.
وأمّا نوح بمنزلة هودٍ، تقول: هذه نوحٌ، إذا أردت أن تحذف سورة من قولك: هذه سورة نوحٍ.
ومما يدلُّك على أن ّك حذفت سورةً
قولهم: هذه الرَّحمن.
ولا يكون هذا أبداً إلا وأنت تريد: سورة الرَّحمن.
وقد يجوز أن تجعل نوح اسماً ويصير بمنزلة امرأة سميتها بعمرو، إن جعلت نوح اسماً لها لم تصفره.
وأمَّا حم فلا ينصرف، جعلته اسماً لسورة أو أضفته إليه، لأنَّهم أنزلوه بمنزلة اسم أعجمي، نحو: هابيل وقابيل.
وقال الشاعر: وهو الكميت:
وَجَدْنا لكم في آلِ حاميمَ آيةً ... تأوَّلها مِنّا تقيٌّ ومُعْرِبُ
وقال الحمَّاني:
أو كُتُباً بينَّ مِن حامِيما ... قد عَلِمَتْ أَبناءُ إبراهيما
وكذلك: طاسين، وياسين.
واعلم أنه لا يجيء في كلامهم على بناء: حاميم وياسين، وإن أردت في هذا الحكاية تركته وقفاً على حاله.
وقد قرأ بعضهم: " ياسين والقرآن "، و " قاف والقرآن ". فمن قال هذا فكأنه جعله اسما أعجميا، ثم قال: أذكر ياسين.
وأما صاد فلا تحتاج إلى أن تجعله اسما أعجميّا، لأنَّ هذا البناء والوزن من كلامهم، ولكنَّه يجوز أن يكون اسماً للسُّورة فلا تصرفه.
ويجوز أيضاً أن يكون ياسين وصاد اسمين غير متمكنين، فيلزمان الفتح، كما ألزمت الأسماء غير المتمكنة الحركات، نحو: كيف، وأين، وحيث، وأمس.
وأما طسم فإن جعلته اسماً لم يكن بدٌّ من أن تحرَّك النون، وتصيَّر ميماً كأنك وصلتها إلى طاسين، فجعلتها اسماً واحداً بمنزلة دراب جرد وبعل بكَّ.
وإن شئت حكيت وتركت السواكن على حالها.
وأما كهيعص وآلمر فلا يكنَّ إلاَّ حكاية.
وإن جعلتها بمنزلة طاسين لم يجز لأنهم لم يجعلوا طاسين كحضرموت ولكنهم جعلوها بمنزلة: هابيل، وقابيل، وهاروت.
وإن قلت: اجعلها بمنزلة: طاسين ميم لم يجز، لأنَّك وصلت ميماً إلى طاسين، ولا يجوز أن تصل خمسة أحرف فتجعلهن اسماً واحداً.
وإن قلت: اجعل الكاف والهاء اسماً، ثم اجعل الياء والعين اسماً، فإذا
صارا اسمين ضممت أحدهما إلأى الآخر فجعلتها كاسم واحدا، لم يجز ذلك لأنَّه لم يجيء مثل حضرموت في كلام العرب موصولاً بمثله.
وهذا أبعد، لأنك تريد أن تصله بالصاد.
فإن قلت: أدعه على حاله واجعله بمنزلة إسماعيل لم يجز؛ لأنَّ إسماعيل قد جاء عدة حروف على عدة حروف أكثر العربية، نحو: اشهيبابٍ.
وكهيعص ليس على عدّة خروفه شىء، ولا يجوز فيه إلاَّ الحكاية.
وأما نون فيجوز صرفها في قول من صرف هنداً، لأن النون تكون أنثى فترفع وتنصب.
ومما يدلُّ على أن حاميم ليس من كلام العرب أن العرب لا تدري ما معنى حاميم.
وإن قلت: إنَّ لفظ حروفه لا يشبه لفظ حروف الأعجمي فإنه قد يجيء الاسم هكذا وهو أعجميٌ، قالوا: قابوس ونحوه من الأسماء.
باب تسمية الحروف والكلم التي تستعمل وليست ظروفاً ولا أسماء غير ظروف؛ ولا أفعالاً فالعرب تختلف فيها، يؤنثها بعضٌ ويذكِّرها بعض، كما أن اللَّسان يذكَّر
ويؤنَّث، زعم ذلك يونس، وأنشدنا قول الراجز:
كَافاً وميمَيْنِ وسِيناً طاسِما
فذكَّر ولم يقل: طاسمة.
وقال الراعي:
كما بيِّنت كافٌ تَلوحُ ومِيمُهَا
فقال: بيِّنت فأنث
وأما إنَّ وليت، فحركت أواخرهما بالفتح، لأنَّهما بمنزلة الأفعال نحو كان فصار الفتح أولى، فإذا صيرت واحداً من الحرفين اسماً للحرف فهو ينصرف على كل حال.
وإن جعلته اسماً للكلمة وأنت تريد بلغة من ذكر لم تصرفها، كما لم تصرف امرأة اسمها عمرو، وإن سميتها بلغة من أنث كنت بالخيار.
ولا بدَّ لكلِّ واحدٍ من الحرفين إذا جعلته اسماً أن يتغير عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون اسماً، كما أنَّك إذا جعلت فعل اسما تغيّر عن حاله وصار بمنزلة الأسماء، وكما أنَّك إذا سمَّيته بأفعل غيرته عن حاله في الأمر.
قال الشاعر: وهو أبو طالب:
ليت شعري مسافر بن أبي عم ... رو ولَيْتٌ يَقولُها المَحْزونُ
وسألت الخليل عن رجلٍ سمَّيته أنَّ فقال: هذا أنَّ لا أكسره، وأنَّ غير إنَّ: إنَّ كالفعل وأنَّ كالاسم.
ألا ترى أنَّك تقول: علمت أنك منطلق فمعناه: علمت انطلاقك، ولو قلت هذا لقلت لرجل يسمَّى بضاربٍ: يضرب، ولرجل يسمى يضرب: ضارب.
ألا ترى أنَّك لو سميته بإن الجزاء كان مكسوراً، وإن سميته بأن التي تنصب الفعل كان مفتوحاً.
وأما لو، وأو، فهما ساكنتا الأواخر، لأن قبل آخر كل واحدٍ منهما حرفاً متحركاً، فإذا صارت كلُّ واحدة منهما اسماً، فقصتّها في التأنيث والتذكير والانصراف، كقصة ليت وإنَّ، إلاَّ أنَّك تلحق واواً أخرى فتثقل؛ وذلك لأنَّه ليس في كلام العرب اسمٌ آخره واوٌ قبلها حرف مفتوح.
قال الشاعر، أبو زبيد:
لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ منِّي لَيْتَ ... إنّ لَيْتاً وإنَّ لَوّاً عَنَاءُ
وقال:
ألامُ عَلَى لوٍّ وَلَوْ كنتُ عالماً ... بِأَذنَابِ لوٍّ لم تَفُتْني أَوَائلُهْ
وكان بعض العرب يهمز، كما يهمز النؤور، فيقول: لوءٌ.
وإنَّما دعاهم إلى تثقيل لوٍّ الذي يدخل الواو من الإجحاف لو نوَّنت وما قبلها متحرك مفتوح، فكرهوا أن لا يثقِّلوا حرفاً لو انكسر ما قبله أو انضمَّ ذهب في التنوين، ورأوا ذلك إخلالاً لو لم يفعلوا.
فممَّا جاء فيه الواو وقبله مضموم: هو، فلو سمَّيت به ثقَّلت، فقلت: هذا هوٌّ وتدع الهاء مضمومة، لأنَّ أصلها الضمُّ تقول: هما وهم وهنَّ.
ومما جاء وقبله مكسور: هي، فإن سميت به رجلاً ثقلته، كما ثقلت هو.
وإن سميت مؤنثاً بهو لم تصرفه لأنه مذكر.
ولو سميت رجلاً ذو لقلت: هذا ذوّاً، لأن أصله فعلٌ.
ألا ترى أنك
تقول: هاتان ذواتا مالٍ.
فهذا دليلٌ على أن ذو فعلٌ، كما أنَّ أبوان دليلٌ على أن أباً فعلٌ.
وكان الخليل يقول: هذا ذوٌّ بفتح الذال، لأنَّ أصلها الفتح، تقول: ذوا، وتقول: ذوو.
وأمَّا كي فتثقَّل ياؤها لأنه ليس في الكلام حرف آخره ياءً ما قبله مفتوح.
وقصَّتها كقصَّة لو.
وأمَّا في فتثقَّل ياؤها، لأنهَّا لو نونت أجحف بها اسماً.
وهي كياء هي وكواو هو، وليس في الكلام اسم هكذا، ولم يبلغوا بالأسماء هذه الغاية أن تكون في الوصل لا يبقى منها إَّلا حرف واحد، فإذا كانت اسماً لمؤنث لا ينصرف ثقلت أيضاً؛ لأنه إذا أثر أن يجعلها اسماً فقد لزمها أن تكون نكرة وأن تكون اسماً لمذكَّر، فكأنَّهم كرهوا أن يكون الاسم في التذكير والنكَّرة على حرف، كما كرهوا أن يكون كذلك في الوصل.
وليس من كلامهم أن يكون في الانصراف والوصل على بناء وفي غير الانصراف والوصل على آخره، فصار الاسم لغير منصرف يجيء على بنائه إذا كان اسماً
لمنصرف، ومن ثمَّ مدَّوا لا وفي في الانصراف وغير الانصراف، والتأنيث والتذكير، ككي ولو، وقصتها كقصتَّهما في كل شيء.
وإذا صارت ذا اسماً أو ما مدَّت، ولم تصرف واحداً منهما إذا كان اسم مؤنث، لأنهما مذكران.
فأمَّا لا فتمدهُّا، وقصتها قصَّة في، في التذكير والتأنيث، والانصراف وتركه.
وسألته عن رجل اسمه: فو، فقال: العرب قد كفتنا أمر هذا، لما أفردوه قالوا: فمٌ، فأبدلوا الميم مكان الواو، حتَّى يصير على مثال تكون الأسماء عليه، فهذا البدل بمنزلة تثقيل لو ليشبه الأسماء فإذا سميتَّه بهذا فشبهه بالأسماء كما شبهت العرب ولو لم يكونوا قالوا: فمٌ لقلت: فوهٌ لأنَّه من الهاء قالوا: أفواهٌ كما قالوا سوط وأسواط.
وأما البا والتا والثا واليا والحا والخا والرا والطا والظا والفا فإذا صرن أسماء فهنّ مددن كما مدت لا مدت إلا أنهن إذا كن أسماء يجرين مجرى رجلٌ ونحوه، ويكنَّ نكرة بغير ألف ولام.
ودخول الألف واللام فيهنَّ يدلك على أنهن نكرة إذا لم يكن فيهن ألف ولام، فأحريت هذه الحروف مجرى ابن مخاضٍ وابن لبونٍ، وأجريت الحروف الأول مجرى سام أبرص وأمٍ حبينٍ ونحوهما.
ألا ترى أن الألف واللام لا تدخلان فيهن.
واعلم أن هذه الحروف إذا تهجيت مقصورةٌ، لأنها ليست بأسماء وإنمَّا جاءت في الَّتهجيَّ على الوقف.
ويدلك على ذلك: أن القاف والصاد والدال موقوفة الأواخر، فلولا أنهَّا على الوقف حركت أواخرهن.
ونظير الوقف ههنا الحذف في الباء وأخواتها.
وإذا أردت أن تلفظ بحروف المعجم قصرت وأسكنت، لأنك لست تريد أن تجعلها أسماء، ولكنك أردت أن تقطع حروف الاسم، فجاءت كأنها أصواتٌ يصوت بها، إلا أَّنك تقف عندها لأنها بمنزلة عه.
فإن قلت ما بالي أقول: واحدٌ اثنان، فأشمُّ الواحد، ولا يكون ذلك في هذه الحروف؟ فلأن الواحد اسمٌ متمكن، وليس كالصوت، وليست هذه الحروف مما يدرج، وليس أصلها الإدراج، وهي ههنا بمنزلة لا في الكلام، إَّلا أنهَّا ليست تدرج عندهم؛ وذلك لأن لا في الكلام على غير ما هي عليه إذا كانت اسماً.
وزعم من يوثق به: أنهَّ سمع من العرب من يقول: ثلاثة أربعة، طرح همزة أربعة على الهاء ففتحها، ولم يحولها تاء، لأنهَّ جعلها ساكنة، والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضرب، ثم تقول: اضرب زيدا.
واعلم أنَّ الخليل كان يقول: إذا تهجَّيت فالحروف حالها كحالها في المعجم والمقَّطع، تقول: لام ألف، وقاف لام.
قال: تُكَتّبانِ في الطريق لاَم ألِفْ وأمَّا زاي ففيها لغتان: فمنهم من يجعلها في التهجي ككي، ومنهم من يقول: زاي، فيجعلها بزنة واو، وهي أكثر.
وأمَّا أم ومن وإن، ومذ في لغة من جر، وأن، وعن إذا لم تكن ظرفا، ولم ونحوهن إذا كنَّ أسماء لم تغيرَّ، لأنَّها تشبه الأسماء نحو: يدٍ، ودمٍ، تجريهنَّ إن شئت إذا كن أسماء للتأنيث.
وأما نعم وبئس ونحوهما فليس فيهما كلامٌ، لأنهما لا تغيران لأنَّ عامة الأسماء على ثلاثة أحرف.
ولا تجريهن إذا كن أسماء للكلمة، لأنَّهن أفعالٌ، والأفعال على التذكير، لأنهَّا تضارع فاعلاً.
واعلم أنك إذا جعلت حرفاً من حروف المعجم نحو: البا والتا وأخواتهما
اسماً للحرف أو للكلمة أو لغير ذلك جرى مجرى لا إذا سميت بها، تقول: هذا باءٌ كما تقول: هذا لاءٌ فاعلم.
باب تسميتك الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء اعلم أنَّك إذا سميت كلمةً بخلف أو فوق أو تحت لم تصرفها، لأنهَّا مذكَّرات.
ألا ترى أنك تقول: تحيت ذاك، وخليف ذاك، ودوين ذاك.
ولو كن مؤنّثاتٍ لدخلت فبهن الهاء، كما دخلت في قد يديمةٍ ووريئّةٍ.
وكذلك قبل وبعد، تقول: قبيل وبعيد.
وكذلك أين وكيف ومتى عندنا، لأنَّها ظروف، وهي فيعندنا على التذكير، وهي الظروف بمنزلة ما ومن في الأسماء، فنظيرهنَّ من الأسماء غير الظروف مذكر.
والظروف قد تبيَّن لنا أن أكثرها مذكر حيث حقرت، فهي على الأكثر وعلى نظائرها.
وكذلك إذ، هي كالحين وبمنزلة ما هو جوابه، وذلك متى.
وكذلك ثمَّ وهنا، هما بمنزلة أين، وكذلك حيث، وجواب أين كخلف ونحوها.
وأما أمام فكلُّ العرب تذكَّره.
أخبرنا بذلك يونس.
وأما إذا ولدن فكعند، ومثلهن عن فيمن فال: من عن يمينه.
وكذلك منذ في لغة من رفع، لأنهَّا كحيث.
ولو لم تجد في هذا الباب ما يؤكد التذكير لكان أن تحمله على التذكير أولى حتىَّ يتبين لك أنه مؤنث.
وأما الأسماء غير الظروف فنحو بعض، وكل، وأي، وحسب.
ألا ترى أنَّك تقول: أصبت حسبي من الداء.
وقط كحسب، وإن لم تقع في جميع مواقعها.
ولو لم يكن اسماً لم تقل: قطك درهمان، فيكون مبنياً عليه، كما أنَّ على بمنزلة فوق وإن خالفتها في أكثر الواضع.
سمعنا من العرب من يقول: نهضت من عليه، كما تقول: نهضت من فوقه.
واعلم أنهَّم إنمَّا قالوا: حسبك درهمٌ، وقطك درهمٌ، فأعربوا حسبك لانهَّا أشد تمكنا.
ألا ترى أنهَّا تدخل عليها حروف الجرّ، تقول: بحسبك، وتقول: مررت برجلٍ حسبك، فتصف به.
وقط لا تمكَّن هذا التمكَّن.
واعلم أنَّ جميع ما ذكرنا لا ينصرف منه شيءٌ إذا كان اسماً للكلمة، وينصرف جميع ما ذكرنا في المذكر، إلا أن وراء وقدام لا ينصرفان، لأنهَّما مؤنثان.
وأما ثمَّ وأين وحيث ونحوهن إذا صيرن اسماً لرجل أو امرأة أو حرفٍ أو كلمة، فلا بد لهنَّ من أن يتغيرن عن حالهنَّ ويصرن بمنزلة زيد وعمرو، لأنَّك وضعتهن بذلك الموضع، كما تغيرت ليت وإنَّ.
فإن أردت حكاية هذه الحروف تركتها على حالها قال: " إن الله ينهاكم عن قيل وقال "، ومنهم من يقول: عن قبل وقالٍ، لما جعله اسماً.
قال ابن مقبل:
أَصْبَحَ الدهرُ وقد ألْوَى بهمْ ... غيرَ تَقْوالِك مِن قيلٍ وقالِ
والقوافي مجرورة.
قال:
ولم أسمع به قِيلاً وقالاَ
وفي الحكاية قالوا: مذشبَّ إلى دبَّ، وإن شئتٍّ: مذشبٍّ إلى دب: وتقول إذا نظرت في الكتاب: هذا عمروٌ، وإنمَّا المعنى هذا اسم عمرو وهذا ذكر عمروٍ، ونحو هذا، إلا أنَّ هذا يجوز على سعة الكلام، كما تقول: جاءت القرية.
وإن شئت قلت: هذه عمروٌ، أي هذه الكلمة اسم عمرو، كما تقول: هذه ألفٌ وأنت تريد هذه الدراهم الفٌ.
وإن جعلته اسماً للكلمة لم تصرفه، وإن جعلته للحرف صرفته.
وأبو جادٍ وهوّازٌ وحطّيٌّ، كعمروٍ وفي جميع ما ذكرنا، وحال هذه الأسماء حال عمروٍ.
وهي أسماءٌ عربية، وأمَّا كلمن وسعفص وقريشيات فإنهنَّ أعجمية لا ينصرفن، ولكنهَّن يقعن مواقع عمروٍ وفيما ذكرنا، إلا أنَّ قريشيات بمنزلة عرفاتٍ وأذرعاتٍ.
فإمَّا الألف وما دخلته الألف واللام فإنمَّا يكنَّ معارف بالألف واللام، كما أنَّ الرجل لا يكون معرفة بغير ألف ولام.
باب ما جاء معدولا عن حده من المؤنث كما جاء المذكر معدولا عن حده نحو: فسق، ولكع، وعمر، وزفر وهذا المذكر نظير ذلك المؤنث.
فقد يجيء هذا المعدول اسماً للفعل، واسماً للوصف المنادى المؤنث، كما كان فسق ونحوه المذكّر، وقد يكون اسماً للوصف غير المنادى وللمصدر ولا يكون إلاَّ مؤنثاً لمؤنث.
وقد يجيء معدولاً كعمر، ليس اسماً لصفة ولا فعلٍ ولا مصدرٍ.
أما ما جاء اسماً للفعل وصار بمنزلته فقول الشاعر:
مَناعِها مِن إبِلٍ مناعها ... ألا ترى الموت لدى ارباعها
تَراكِها مِن إبِلٍ تَراكِهَا ... ألا ترى الموتَ لَدَى أَوْراكِهَا
وقال أبو النجم:
حَذارِ من أرْماحِنا حَذارِ
وقال رؤبة:
نَظارِ كَيْ أرْكَبَها نَظارِ
ويقال: نزال، أي انزل.
وقال زهير:
ولَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنتَ إذا ... دُعِيَتْ نَزالِ ولجَّ في الذَّعر
ويقال للضَّبع: دباب، أي دبي.
قال الشاعر:
نَعاء ابنَ لَيْلَى للسمَّاحة والنَّدى ... وأَيْدِي شمالٍ بارِداتِ الأنامِلِ
وقال جرير:
نَعاءُ أبا لَيْلَى لكْلِ طمرةٍ ... وجَرْداء مِثْلِ القوْس سمحٍ حُجولُها
فالحد في جميع هذا افعل ولكنه معدول عن حده وحرك آخره لأنه لا يكون بعد الألف ساكن.
وحرّك بالكسر، إنَّ الكسر مما يؤنث به.
تقول: إنك ذاهبةٌ وأنت ذاهبة، وتقول: هاتي هذا للجارية، وتقول: هذي أمة الله، واضر.
إذا أردت المؤنث، وإنَّما الكسرة من الياء.
ومما جاء من الوصف منادّى وغير منادّى: يا خباث وبالكاع.
فهذا