أتانى على القَعْساءِ عادِلَ وَطْبِه ... برِجْلَىْ لِئيمٍ واسْتِ عبدٍ تُعاِدلُهْ
يريد: عادِلاً وَطْبَه.
وقال الزِّبْرِقانُ بن بدر:
مُسْتَحْقِبى حَلَقِ الماذِىَّ يَحْفِزُه ... بالْمَشْرَفيِّ وغابٌ فوقَه حَصِدُ
وقال السُّلَيكُ بن السلكة:
تراها من يبيس الماء شهباً ... مخالظ درة منها غرار
" يريد: عرف الخيل ".
وممَّا يَزيدُ هذا البابَ إيضاحا " أَنّه " على معنى المنَّون قول النابغة:
احْكُمْ كحُكْم فَتاةِ الحَىَّ إذْ نظرتْ ... إلى حَمَامٍ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
" فوصَف به النكرةَ ". وقال المّرار الأَسدىّ:
سَلَّ الهُمومَ بكلَّ مُعْطِى رأْسِه ... ناجٍ مخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعيَّسِ
فهو على المعنى لا على الأصل، والأصلُ التنوين؛ لأنّ هذا الموضع لا يقع فيه معرفة.
ولو كان الأصلُ ههنا تَرْكَ التنوين لَمَا دخلَه التنوينُ ولا كان ذلك نكرةً، وذلك أَنّه لا يَجرى مجرى المضارع فيما ذكرت لك.
وزعم عيسى أَن بعض العرب يُنشد هذا البيت، " لأبي الأسود الدؤلي ":
فألفيته غير مستعب ... ولا ذاكِرِ اللهِ إلاّ قَلِيلاً
لم يَحذف التنوينَ استخفافاً ليُعاقِبَ المجرورَ، ولكنه حَذَفَه لالتقاء الساكنينِ، " كما قال: رَمَى القومُ ". وهذا اضطرارٌ، وهو مشبَّهٌ بذلك الذى ذكرتُ " لك ".
وتقول في هذا الباب: هذا ضاربُ زيدٍ وعمرو، إذا أَشركتَ بين الآخِر والأوّل فى الجارّ؛ لأنه ليس فى العربية شيء يَعْمَلُ فى حرف فيَمتنع أن يُشْرَكَ بينه وبين مثلِه.
وإن شئت نصبت على المعنى وتُضمِرُ له ناصِباً، فتقولُ: هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً، كأنّه قال: ويَضرِبُ عمراً، أو وضارِبٌ عمراً.
وممّا جاءَ على المعنى قول جَريرٍ:
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل أُسْرَةِ مَنْظورِ بنِ سَيَّارِ
وقال كعبُ بن جُعْيلٍ " التَّغلبُّى ":
أَعِنَّى بخَوّارِ العِنانِ تَخالُهُ ... إذَا راحَ يَرْدِى بالمُدَجَّجِ أَحردَاَ
وَأبْيَضَ مَصقولَ السَّطامِ مُهَنَّداً ... وذا حَلَقٍ من نَسْجِ داوُدَ مُسْرَدَا
فَحَمَلَه على المعنى، كأنه قال: وأَعْطِنِى أَبيضَ مصقولَ السَّطام، وقال: هاتِ مثلَ أُسرِة منظورِ " بنِ سيَّارٍ ".
والنَّصبُ فى الأوّل أقوى وأحسنُ، لأنَّكَ أَدخلت الجرَّ على الحرف الناصب ولم تجيء ههنا إلاّ بما أصله الجرُّ ولم تُدْخِلْه على ناصبٍ ولا رافعٍ.
وهو على ذلك عربىٌ جيد.
والجُّر أجودُ.
وقال " رجل من قيس عيلان ":
بينا نحن نَطلُبه أَتانا ... مُعَلَّقَ وَفْضةٍ وزِنادَ راعِ
وزعم عيسى أنَّهم يُنشِدون هذا البيت:
هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجِتنا ... أو عبدَ رب أخا عون بنِ مِخراقِ
فإِذا أَخْبَرَ أَنّ الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين ألبَتَّةَ، لأنَّه إنما أُجْرِىَ مُجرى الفِعل المضارِع له، كما أَشبَهه الفعلُ المضارعُ فى الإِعراب، فكلُّ واحد منهما داخل على صاحبه، فلما أَراد سِوى ذلك المعنى جرى مجرى الأسماء التى من غير ذلك الفعل، لأنَّه إنما شُبِّهَ بما ضارعه من الفعل كما شبه به فى الإعراب.
وذلك قولك: هذا ضاربُ عبدِ الله وأخيه.
وجهُ الكلام وحدُّه الجرُّ، لأنَّه ليس موضعاً للتنوين.
وكذلك قولك: هذا ضارِبُ زيدٍ فيها وأخيه، وهذا قاتلُ عمروٍ أَمسِ وعبدِ الله، وهذا ضاربُ عبدِ الله ضَربْا شديدا وعمروٍ.
ولو قلت: هذا ضاربُ عبدِ الله وزيداً، جاز على إضمارِ فِعل،
أى وضَرَبَ زيداً.
وإنما جاز هذا الإِضمارُ لأنّ معنى الحديث فى قولك هذا ضاربُ زيدٍ: هذا ضَرَبَ زيدا، وإن كان لا يَعمْلُ عملَه، فحُمِلَ على المعنى، كما قال جلّ ثناؤه: " ولحم طير مما يشتهون.
وحور عين " لمّا كان المعنى فى الحديث على قوله: لهم فيها، حمله على شيء لا يَنْقُضُ الأوّلَ فى المعنى.
وقد قرأه الحسن.
ومثله قول الشاعر:
يهْدِى الخَمِيس نِجاداً فى مَطالِعها ... إمَّا المِصَاعَ وإمّا ضَرْبَةٌ رُغُبُ
حمله على شيء لو كان عليه الأوّلُ لم يَنقُض المعنى.
ومثله قول كعب بن زهير: فلم يجد إلا مناخ مطية ... تجافى بَها زَورٌ نَبِيلٌ وكَلْكلُ ومُفْحَصهَا عنها الحَصىَ بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهن مفصل ومسر ظماء واترتهن بعدما ... مضتْ هَجْعَةٌ من آخِرِ الليلِ ذُبَّلُ كأنّه قال: وثَمّ سُمْرٌ " ظِماءٌ ". وقال: بادتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ... إلاّ رَواكِدَ جَمْرُهنّ هَباءُ
ومُشَجَّجٌ أَمّا سَواءُ قَذالهِ ... فَبدا وغيَّرَ سارَهُ المَعْزاءُ
لأنّ قولَه " إلاّ رَواكَد " هى فى معنى الحديث: بها رواكد، فحمله على شيء لو كان عليه الأول لن ينَقض الحديثَ.
والجرُّ فى هذا أَقوى، يعنى هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ وعمراً بالنصب.
وقد فَعل لأنّه اسمٌ وإن كان قد جرى مجرى الفعل بعينه.
والنصبُ فى الفصل أَقوى، إذا قلت: هذا ضاربُ زيدٍ فيها وعمراً، وكلما طال الكلامُ كان أَقوى؛ وذلك أَنّكَ لا تَفصل بين الجارّ وبين ما يَعْملُ فيه، فكذلك صار هذا أَقوى.
فمن ذلك قوله جلّ ثناؤه: " وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً والشّمسَ والْقَمَرَ حسباناً ".
وكذلك إنْ جئت باسم الفاعل الذى تَعدَّى فعلُه إلى مفعولَيْنِ وذلك قولك: هذا مُعْطِى زيدٍ درهما وعمروٍ، إذا لم تُجرِه على الدَّرهم، والنصب على ما نصبتَ عليه ما قبله.
وتقول: هذا مُعْطِى زيدٍ وعبدَ الله.
والنصبُ إذا ذكرتَ الدرهمَ أقوى، لأنك " قد " فصلت بينهما.
وإن لم ترد بالاسم الذى يَتعدّى فعلُه إلى مفعولينِ أَن يكون الفعلُ قد وقع أَجريتَه مُجرى الفعلِ الذى يَتعدّى إلى مفعولٍ في التنوين وتَرْكِ التنوين وأنت تريد معناه، و " في " النصب والجرّ وجميعِ أَحواله، فإِذا نوّنتَ فقلت: هذا معط زيداً درهماً لا تبالي أيَّهما قدّمتَ، لأنَّه يَعمَلُ عَمَلَ الفعل.
وإن لم تنوَّن لم يجز هذا مُعْطِى درهماً زيدٍ، لأنك لا تَفصل بين الجارّ والمجرور، لأنه داخلٌ فى الاسم فإِذا نوّنتَ انفَصَل كانفصاله فى الفعل.
فلا يجوز إلاّ " فى قوله " هذا معطى زيداً، كما قال تعالى جدُّه: " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ".