باب ما يختار فيه الرفعُ ويكون فيه
الوجهَ فى جميع اللغات
وزعم يونسُ أنه قول أبِى عَمرو.
وذلك قولكَ: أَمّا العَبِيدُ فذو عَبيدٍ، وأمّا العبدُ فذو عبدٍ، وأَمّا عبدانِ فذو عبدينِ.
وإنَّما اختير الرفعُ لأنّ ما ذكرت فى هذا الباب أسماءٌ والأسماءُ لا تجرى مجرى المصادر.
ألا تَرى أنَّك تقولُ: هو الرجلُ عِلْماً وفِقْهاً، ولا تقول: هو الرجلُ خَيْلاً وإبلاً.
فلمّا قبح ذلك جعلوا ما بعده خبراً له، كأَنّهم قالوا: أَمّا العبيدُ فأنت فيهم أو أنت منهم ذو عَبيدٍ، أى لك من العبيد نَصيبٌ، كأَنَّك أردتَ أن تقول: أَمّا مِن العبيد أو أَمّا فى العبيد فأنت ذو عَبيدٍ.
إلاَّ أنك أَخَّرتَ فى ومن وأضمرتَ فيهما أَسماءَهم.
وأَمَّا قولُه: أَمّا العبدُ فأنت ذو عبدٍ، فكأنه قال: أمّا فى العبدِ فأنت ذو عبدٍ، ولكنه أخَّرَ فِى وأَضمرِ فيهِ اسمَه كما فَعل ذلك فى العبيد، فلما قبح عندهم أ، يكون بمنزلة المصدر ولم يكن ممّا يجوز فيه عندهم ذلك حملوه على هذا، فِراراً من أن يُدْخِلوا فى المصدر ما ليس منه، كما فعلتْ تميمٌ ذلك فى العِلْم حين رفعوه.
وكأنك قلت: أَمّا العبيدُ فهم لك، وأَمّا العبدُ فهو لك، لأنّك ذلك المعنى تُريدُ.
وسَمِعْنا من العرب من يقول: أَمّا ابنُ مُزَنيَّةٍ فأنا ابن مُزنيَّةٍ؛ كأَنه قال: أما ابنُ مُزنيّةٍ فأنا ذاك، جعل الآخر هو الأول كماكان قائلاً ذلك فى الألف واللام: أمّا ابنُ المُزنيَّةِ فأنا ابن المُزنيَّةِ.
وإن شئت نصبتَه على الحال كما قلت: أَمَّا صَديقا فأنت صديقٌ وأمَّا صاحبا فأنت صاحبٌ.
وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبدٍ، يُجرونه مُجرى المصدر سَواءً.
وهو قليل خبيث.
وذلك أنَّهم شبّهوه بالمصدر كما شبَّهوا الجمَّاءَ الغفيرَ بالمصدر، وشبَّهوا خمستَهم بالمصدر.
كأنَّ هؤلاء أجازوا: هو الرجل العبيد والدراهم، أى للعبيد وللدراهم، وهذا لا يُتكلَّم به، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب وأبى عمرو ويونسَ، ولا أعلم الخليلَ خالَفَهُما.
وقد حملوه على المصدر، فقال النحويّون: أمّا العِلْمَ والعَبيدَ فذو علم وذو عبيد.
وهذا قبيح، لأنَّك لو أفردتَه كان الرفعُ الصوابَ، فخَبُثَ إذْ أُجرى غيرُ المصدر كالمصدر، وشبّهوه بما هو فى الرَّدَاءةِ مثلُه، وهو قولُهم: وَيلٌ لهم وتَبٌّ.
وأمّا قوله: أمَّا البَصْرةُ فلا بَصْرةَ لك، وأمَّا الحارثُ فلا حارثَ لك، وأمّا أبوك فلا أبا لك، فهذا لا يكون فيه أبداً إلاَّ الرفعُ؛ لأنَّه اسمٌ " مَعروفٌ " ومعلومٌ؛ قد عرف المخاطَبُ منه مثلَ ما قد عرفتَ، كأَنَّك قلت: أَمَّا الحارِثُ فلا حارثَ لك بعده أو فلا حارثَ لك سواه، وكأنّه قال: أَمّا البَصْرةُ فليستْ لك، وأما الحارث فليس لك؛ لأن ذلك المعنى تريد.
ولو قال: أَمَّا العبيدُ فأنت ذو عبيد، يريد عبيداً بأَعيانهم قد عرفَهم المخاطَبُ كمعرفتك، كأنّك قلت: أَمَّا العبيدُ الذين تعرف، لم يكنْ إلاّ رفعا.
وقولُه ذو عبيدٍ كأنّه قال: أنت فيهم أو منهم ذو عبيدٍ.
ولو قال: أَمَّا أبوك
فلك أبٌ، لكان على قوله: فلك به أبٌ أو فيه أبٌ، وإنما يريد بقوله: فيه أبٌ مَجرى الأب على سعة الكلام، وليس إلى النصب ههنا سبيل.
وإنَّما جاز النصبُ فى العبيدِ حين لم يَجعلهم شيئاً معروفا بعينه لأنه يشبّهه بالمصدر، والمصدر قد تَدخله الألفُ واللام ويَنتصب على ما ذكرتُ لك.
فإذا أردتَ شيئاً بعينه وكان هو الذي تلزمه الإشارة، جرى مجرى زيد وعمرو وأبيك.
وأمَّا قول الناس للرَّجلِ: أَمّا أن يكون عالما فهو عالمٌ، وأَمَّا أن يَعلم شيئاً فهو عالمٌ، فقد يجوز أن تقول: أَمَّا أَنْ لاَ يكونَ يَعلمُ فهو يَعلم وأنت تريد " أَنْ " يكونَ، كما جاءَتْ: " لئلا يعلم أهل الكتاب " فى معنَى لأَنْ يَعلَم أهلُ الكتاب.
فهذا يُشْبِهُ أن يكونَ بمنزلة المصدر، لأنَّ أنْ مع الفعل الذى يكون صلةً بمنزلة المصدر، كأنك قلت: أما علما وأماكينونة علم فأنت عالمٌ.
ألا ترى أنَّك تقول: أنت الرجل أن تنازل أو " أن " تخاصم، كأنك قلت نِزالاً وخُصومةٌ، وأنت تريد المصدر الذى فى قوله فَعَلَ ذاك مَخافةَ ذاك.
ألا ترى أنك تقول: سكتُّ عنه أَنْ أجْتَرَّ مودته، كما تقول: اجترار مودَّته.
ولا تقع أنْ وصِلتُها حالاً يكونُ الأوّلُ فى حالِ وقوعِهِ، لأنَّها إنما تُذْكَرُ لما لم يَقع بعدُ.
فمن ثم أُجريَت مُجرى المصدر الأول الذي هو جواب لمه؟