باب الترخيم في الأسماء
التي كل اسم منها من شيئين كانا بائنين فضُمّ أحدهما إلى صاحبه فجُعلا اسما واحدا بمنزلة عَنتريس وحَلكوك وذلك مثل حَضرَموت، ومَعدي كَرب، وبُخْتَ نصر، ومارَسَرجِس، ومثل رجل اسمه خمسة عشر، ومثل عمرَوَيه.
فزعم الخليل رحمه الله أنه تحذف الكلمة التي ضُمّت إلى الصدر رأسا وقال: أراه بمنزلة الهاء.
ألا ترى أنى إذا حقرته لم أغير الحرف الذي يليه كما لم أغير الذي يلي الهاء في التحقير عن حاله التي كان عليها قبل أن يُحقَّر، وذلك قولك في تَمرة تُميرَة، فحال الراء واحدة.
وكذلك التحقير في حضرمَوت تقول حُضَيرَموت، وقال: أُراني إذا أضفت إلى الصدر وحذفت الآخر فأقول في مَعدي كَرب: معدى، وأقول في الإضافة إلى أربعة عشر أربعى، فحذف الاسم الآخر بمنزلة الهاء، فهو في الموضع الذي يُحذف فيه ما يثبت
في الإضافة أجدر أن يحذف إذا أردت أن ترخم.
وهذا يدل على أن الهاء تُضمّ إلى الأسماء كما يُضمّ الاسم الآخر إلى الأول.
ألا ترى أنها لا تُلحق بنات الثلاثة بالأربعة، ولا الأربعة بالخمسة، كما أن هذه الأسماء الآخرة لم تُضمّ إلى الصدر لتُلحق الصدر ببنات الأربعة، ولا لتُلحقه ببنات الخمسة، وذلك لأنها ليست زائدات في الصدور، ولا هي منها، ولكنها موصولة بها وأُجريت مجرى عنتَريس ونحوه، ولا يغيَّر لها بناء كما لا يغير لياء الإضافة أو ألف التأنيث أو لغيرهما من الزيادات.
وسترى ذلك في موضعه إن شاء الله عز وجل ذكره.
كما أن الأسماء الآخرة لم تغير بناء الأولى عن حالها قبل أن تُضمّ إليها، لم تغير خمسة في خمسة عشر عن حالها.
فالهاء وهذه الأسماء الآخرة مضمومة إلى الصدور كما يُضمّ المضاف إليه إلى المضاف لأنهما كانا بائنين وُصل أحدهما بالآخر، فالآخر بمنزلة المضاف إليه في أنه ليس من الأول ولا فيه، وهما من الإعراب كاسم واحد لم يكن آخره بائنا من أوله.
وإذا رخمت رجلا اسمه خمسة عشر قلت: يا خمسةَ أقبل، وفي الوقف تبين الهاء - يقول لا تجعلها تاء - لأنها تلك الهاء التي كانت في خمسة
قبل أن تُضمّ إليها عشرَ.
كما أنك لو سميت رجلا مُسلمين قلت في الوقف: يا مُسلِمَهْ؛ لأن الهاء لو أبدلت منها تاء لتُلحق الثلاثة بالأربعة لم تحرك الميم.
وأما اثنا عشر فإذا رخمته حذفت عشر مع الألف، لأن عشر بمنزلة نون مُسلمين، والألف بمنزلة الواو، وأمره في الإضافة والتحقير كأمر مُسلمين.
يقول: تُلقي عشر مع الألف كما تُلقي النون مع الواو.
واعلم أن الحكاية لا ترخَّم، لأنك لا تريد أن ترخم غير منادى، وليس مما يغيره النداء، وذلك نحو تأبط شرا وبرق نحرُه وما أشبه ذلك.
ولو رخمت هذا لرخمت رجلا يسمى بقول عنترة:
يا دار عبلةَ بالجِواء تكلّمي
؟ باب ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارا قال الراجز: وقد وسطْتُ مالِكا وحَنْظَلاً
وقال ابن أحمر:
أبو حَنَش يؤرقُنا وطلْقٌ ... وعمّارٌ وآوِنةً أُثالا
يريد: أثالة.
وقال جرير:
أَلا أضحتْ حِبالكمُ رِماما ... وأَضحتْ منكَ شاسِعةً أُماما
يَشُقُّ بها العساقِل مُؤْجَداتٌ ... وكلُّ عرَنْدَس يَنْفِى اللُّغاما وقال زهير: خذُوا حَظَّكمْ يا آلَ عِكرم واذْكُرُوا ... أواصِرَنا والرِّحمُ بالغَيْبِ تُذكرُ وقال آخر، وهو ابن حَبْناء التميمي:
إنّ ابنَ حارثَ إنْ أشتَقْ لرُؤْيِته ... أو أمتدِحه فإنّ الناسَ قد عَلِمُوا
وأما قول الأسود بن يعفر:
أَوْدَى ابنُ جُلهُمَ عبّادٌ بصرْمته ... إنّ ابن جُلهُم أَمْسَى حَيّةَ الوادِى
فإنما أراد أمه جُلهم.
والعرب يسمون المرأة جُلهم والرجل جُلهُمة.
وأما قوله، وهو رجل من بنى يشكر:
لَها أَشاريرُ من لْحَمٍ تُتَمّرُه ... من الثَّعالِى ووزخزٌ من أرانيَها
فزعم أن الشاعر لما اضطر إلى الياء أبدلها مكان الباء، كما يبدلها مكان الهمزة.
وقال أيضا:
ومنهلٍ ليس له حَوازق ... ولِضفادي جَمّه نقانقُ
وإنما أراد ضفادع، فلما اضطر إلى أن يقف آخر الاسم كره أن يقف حرفا لا يدخله الوقف في هذا الموضع، فأبدل مكانه حرفا يوقَف في الجر والرفع.
وليس هذا لأنه حذف شيئا فجعل الياء عوضا منه؛ لو كان ذلك لعوضت حارثا الياء حيث حذفت الثاء وجعلت البقية بمنزلة اسم يتصرّف في الكلام على ثلاثة أحرف، وذلك حين قلت يا حارُ.
ولو قلت هذا لقلت يا مَروي إذا أردت أن تجعل ما بقى من مروان بمنزلة ما بقى من حارث حين قلت: يا حارُ.
؟
هذا باب النفى بلا
ولا تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب إن لما بعدها.
وترك التنوين لما تعمل فيه لازم، لأنها جُعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد نحو خمسة عشر؛ وذلك لأنها لا تشبه سائر ما ينصب مما ليس باسم، وهو الفعل وما أجرى مجراه، لأنها لا تعمل إلا في نكرة، ولا وما تعمل فيه في موضع ابتداء، فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر.
فلا لا تعمل إلا في نكرة كما أن رب لا تعمل إلا في نكرة، وكما أن كم لا تعمل في الخبر والاستفهام إلا في النكرة، لأنك لا تذكر بعد لا إذا كانت عاملة شيئا بعينه كما لا تذكر ذلك بعد رب، وذلك لأن رب إنما هى للعدة بمنزلة كم، فخولف بلفظها حين خالفت أخواتها كما
خولف بأيُّهم حين خالفت الذي، وكما قالوا يا الله حين خالفت ما فيه الألف واللام، وسترى أيضا نحو ذلك إن شاء الله عز وجل.
فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهى عاملة فيما بعدها، كما قالوا يا ابن أم، فهى مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الآخر.
وخولف بخمسة عشر لأنها إنما هى خمسة وعشرة.
فلا لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب، فيما زعم الخليل رحمه الله في قولك: هل من عبد أو جارية؟ فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة.
واعلم أن لا وما عملت فيه في موضع ابتداء، كما أنك إذا قلت: هل من رجل فالكلام بمنزلة اسم مرفوع مبتدإ.
وكذلك: ما من رجل، وما من شيء، والذي يُبنى عليه في زمان أو في مكان، ولكنك تضمره، وإن شئت أظهرته.
وكذلك لا رجل ولا شيء، إنما تريد لا رجل في مكان، ولا شيء في زمان.
والدليل على أن لا رجلَ في موضع اسم مبتدأ، وما من رجل في موضع
اسم مبتدإ في لغة بنى تميم قول العرب من أهل الحجاز: لا رجلَ أفضل منك.
وأخبرنا يونس أن من العرب من يقول: ما من رجل أفضلُ منك، وهل من رجل خيرٌ منك، كأنه قال: ما رجلٌ أفضلُ منك، وهل رجلٌ خيرٌ منك.
واعلم أنك لا تفصل بين لا وبين للنفي، كما لا تفصل بين من وبين ما تعمل فيه، وذلك أنه لا يجوز لك أن تقول: لا فيها رجلَ، كما أنه لا يجوز لك أن تقول في الذي هو جوابه هل من فيها رجل.
ومع ذلك أنهم جعلوا لا وما بعدها بمنزلة خمسة عشر، فقُبح أن يفعلوا بينهما عندهم كما لا يجوز أن يفصلوا بين خمسة وعشر بشيء من الكلام؛ لأنها مشبهة بها.
؟