الكتاب لسيبويهصفحات 83-87

المقدمة

صفحات 83-87

إلى ذلك أن يَقولَ: ضربتُ زيدا وزيداً ضربتُ، ولا يُعمِل الفعلَ في مضمَر، ولا يَتناولَ به هذا المتناوَلَ البعيدَ.
وكلُّ هذا من كلامهم.
ومثل هذا: زيدا أُعطيتُ وأُعطيت زيدا وزيدٌ أُعطيتُه؛ لأن أُعطيتُ بمنزلة ضُربتُ.
وقد بُيّن المفعولُ الذى هو بمنزلة الفاعل فى أول الكتاب.
فإن قلت: زيدٌ مررتُ به فهو من النصب أَبْعَدُ من ذلك، لأنَّ المضمَر قد خَرَجَ من الفعل وأُضيفَ الفعلُ إليه بالباء، ولم يوصَلْ إليه الفعلُ فى اللفظ، فصار كقولك: زيدٌ لقيتُ أخاه.
وإن شئت قلتَ: زيداً مررتُ به تريد أن تُفَسَّرَ به مضمَرا، كأنّك قلت إذا مثّلتَ ذلك: جعلتُ زيدا على طريقى مررتُ به، ولكنَّك لا تُظهر هذا الأوّلَ لما ذكرتُ لك.
وإذا قلت: زيدٌ لقيتُ أخاه فهو كذلك، وإن شئتَ نصبتَ، لأنّه إذا وقع على شيء من سببه فكأنّه قد وقع به.
والدليلُ على ذلك أنّ الرجل يقول أهَنْتَ زيداً بِإهانتك أخاه وأكرمتَه بإِكرامك أخاه.
وهذا النحوُ فى الكلام كثيرٌ، يقول الرجلُ إنْما أعطيتُ زيداً، وإنما يريد لمكان زيد أَعطيتُ فلانا.
وإذا نصبتَ زيداً لقيتُ أخاه، فكأنّه قال: لا بست زيدا لَقِيتُ أخاه.
وهذا تمثيلٌ ولا يُتكلَّم به، فجرى هذا على ما جرى عليه قولك أَكرمتُ زيدا، وإِنَّما وصلت الأُثرةُ إلى غيره.

والرفع فى هذا أحسنُ وأجود، لأنّ أقربَ إلى ذلك أن تقول: مررتُ بزيد ولقيتُ أخا عمرو.
ومثلُ هذا فى البناء على الفعل وبناء الفعل عليه أَيُّهم وذلك قولهم: أَيَّهم تَر يأتِك، وأَيُّهم تَرَهُ يأْتِك.
والنصبُ على ما ذكرتُ لك، لأنه كأنه قال: أيَّهم تَرَ تَرَهُ يأتِك، فهو مثلُ زيدٍ فى هذا الباب.
وقد يفارِقهُ فى أشياءَ كثيرةٍ ستُبَيّنُ إن شاء الله.
هذا باب ما يَجْرِى ممّا يكون ظرفاً هذا المجرَى وذلك قولك يومُ الجُمعة أَلقاك فيه، وأقلُّ يومٍ لا أَلقاك فيه، وأَقلُّ يومٍ لا أصومُ فيه، وخَطيئُة يومٍ لا أَصيدُ فيه، ومكانُكم قمتُ فيه.
فصارت هذه الأَحرفُ تَرتفع بالابتداء كارتفاع عبِد الله، وصار ما بعدها مبنيَّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأوّل، فكأنّك قلتَ: يومُ الجمعةُ مبارَكٌ ومكانُكم حسنٌ، وصار الفعُل فى موضع هذا.
وإنَّما صار هذا كهذا حين صار فى الآخِرِ إضمارُ اليوم والمكانِ، فخرج مِنْ أنْ يكونَ ظرفا كما يخُرجُ إِذا قلتَ: يومُ الجمعةِ مبارَكٌ، فإِذا قلت: يومُ الجمعة صُمتْهُ فصُمتهُ فى موضع مباركٍ حيثُ كان المُضْمَرُ هو الأوَّلَ كما كان المبارَكُ هو الأوّلَ.

ويدَخل النصبُ فيه كما دخل فى الاسم الأوّل، ويجوز فى ذلك يومَ الجمعةِ آتيك فيه وأَصومُ فيه، كما جاز فى قولك: عبدَ الله مررتُ به كأنه قال: أَلقاك يومَ الجمعةِ، فنصبَه لأنّه ظرفٌ ثم فسَّر فقال أَلقاكَ فيه.
وإن شاء نصبه على الفعل نفسِه كما أَعمل فيه الفعلَ الذى لا يتعدى إلى مفعول، كل ذلك عربي جيّد.
أوْ نَصبهَ لأنّه ظرفٌ لفعلٍ أَضْمَرَه، وكأنّه قال: يومَ الجمعةِ أَلقاك.
والنصبُ فى: يومَ الجمعة صُمْته ويومَ الجمعة سِرْتُه، مثلُه فى قولِك: عبدَ الله ضربتُه، إِلاّ أنّه إِن شاء نصبَهَ بأنّه ظرفٌ، وإِن شاء أَعمَلَ فيه الفعلَ كما أَعملَهُ فى عبد الله، لأنّه يكونُ ظرفاً وغيرَ ظرفٍ.
ولا يحسُنُ فى الكلام أن يَجْعَلَ الفعلَ مبنيَّا على الاسم ولا يَذْكُرَ علامةَ إِضمارِ الأوّل حتى يَخرج من لفظِ الإِعمال فى الأوّل ومن حالِ بناء الاسم عليه ويَشْغَلَه بغير الأوّل حتى يمتنِعَ من أن يكونَ يَعْمَلُ فيه، ولكنّه قد يجوز فى الشعر، وهو ضعيفٌ فى الكلام.
قال الشاعر، وهو أبو النجم العِجْلىّ: قد أَصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعى ... علّى ذَنْباً كلُّه لم أَصْنَعِ فهذا ضعيفٌ، وهو بمنزلته فى غير الشَّعر؛ لأنّ النصب لا يسكر البيتَ ولا يُخِلُّ به تركُ إِظهار الهاء.
وكأنه قال: كلُّه غيرُ مصنوع.
وقال امرُؤُ القيس:

فأَقْبَلتُ زَحْفاً علَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فثَوْبٌ لبست وثَوْبٌ أَجُرّْ وقال النَّمِرُ بن تَوْلَبٍ: فَيْومٌ عَلينا ويوم لنا ... ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرّْ سمعناه من العرب ينشدونه.
يريدون: نُساءُ فيه ونُسَرّْ فيه.
وزعموا أنّ بعض العرب يقول: شهرٌ ثَرى، وشهرٌ تَرى، وشهرٌ مرْعَى.
يُريد: تَرى فيه.
وقال: ثَلاثُ كلّهُنّ قَتلتُ عَمْدا ... فاَخْزَى الله رابعة تَعُودُ فهذا ضعيفٌ، والوجهُ الأكثرُ الأعرفُ النصبُ، وإنَّما شبّهوه بقولهم:

الذى رأيتُ فلانٌ، حيث لم يَذكروا الهاء.
وهو فى هذا أحسن، لأن رأيتُ تمامُ الاسم، به يتم، وليس بخبرٍ ولا صفةٍ، فكَرهوا طولَه حيث كان بمنزلة اسمٍ واحدٍ، كما كرِهوا طولَ اشْهِيبابٍ فقالوا: اشْهِباب.
وهو فى الوصف أمثلُ منه فى الخبر وهو على ذلك ضعيفٌ، ليس كحُسنْه بالهاء، لأنّه فى موضع ما هو من الاسم وما يَجْرِى عليه، وليس بمنقطعٍ منه خبرا مبنيًّا عليه ولا مبتدأً، فضارَعَ ما يكون من تَمامِ الاسم وإن لم يكن تماماً له ولا منه فى البناء.
وذلك قولُك: هذا رجلٌ ضربتهُ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ أكرمته ورجلٌ أهنتهُ، كأنّه قال: هذا رجلٌ مضروبٌ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ مُكْرَمٌ ورجلٌ مْهان.
فإن حذفتَ الهاء جاز وكان أَقْوَى ممّا يكون خبراً.
وممّا جاء فى الشعر من ذلك قولُ جرير: أَبَحْتَ حمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح

يريد الهاء.
وقال الشاعر، الحرث بن كَلَدَةَ: فما أَدْرِى أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وطُولُ العَهْدِ أَمْ مالٌ أَصَابُوا يريد: أصابوه، ولا سبيلَ إلى النصب وإن تركَتَ الهاء لأنَّه وصفٌ، كما لم يكن النصبُ فيما أَتممتَ به الاسم، يعنى الصلةَ.
فمن ثمَّ كان أقوى مما يكون فى موضع المبنىّ على المبتدإ، لأنه لا يُنْصَبُ به.
وإنّما مَنَعَهم أن يَنْصِبُوا بالفعل الاسمَ إذا كان صفةً له أن الصفة تمامُ الاسم، ألا ترى أنّ قولَك مررتُ بزيدٍ الأَحمرِ كقولك مررتُ بزيد، وذلك أنكّ لو احتجتَ إلى أن تَنعت فقلتَ: مررتُ بزيد وأنت تريد الأحمرَ وهو لا يُعْرَفُ حتّى تقول الأَحمر، لم يكن تَمَّ الاسمُ، فهو يَجرِى منعوتا مَجْرى مررت بزيد إذا كان يُعْرَف وحدَه، فصار الأَحمر كأنّه من صلته.

جارٍ التحميل