الكتاب لسيبويهباب ما الياء والواو فيه ثانية

باب ما الياء والواو فيه ثانية

وهما في موضع العين منه اعلم أن فعلت وفعلت وفعلت منهما معتلة كما تعتل ياء يرمي وواو يغزو.
وإنما كان هذا الاعتلال في الياء والواو لكثرة ما ذكرت لك من استعمالهم إياهما وكثرة دخولهما في الكلام، وأنه ليس يعرى منهما ومن الألف أو من بعضهن.
فلما اعتلت هذه الأحرف جعلت الحركة التي في العين مخولة على الفاء، وكرهوا أن يقروا حركة الأصل حيث اعتلت العين، كما أن يفعل من غزوت لا تكون حركة عينه إلا من الواو، وكما أن يفعل من رميت لا تكون حركة عينه إلا من الياء حيث اعتلت؛ فكذلك هذه الحروف حيث اعتلت جعلت حركتهن على ما قبلهن، كما جعلت من الواو والياء حركة ما قبلها، لئلا تكون في الاعتلال على حالها إذا لم تعتل.
ألا ترى أنك تقول: خفت وهبت فعلت فألقوا حركتها على الياء وأذهبوا حركة الفاء، فجعلوا حركتها الحركة التي كانت في المعتل الذي بعدها، كما لزم ما ذكرت لك الحركة مما بعده لئلا يجرى المعتل على حال الصحيح.

وأما قلت فأصلها فعلت معتلة من فعلت، وإنما حولت إلى فعلت ليغيروا حركة الفاء عن حالها لو لم تعتل؛ فلو لم يحولوها وجعلوها تعتل من قولت لكانت الفاء إذا هي ألقي عليها حركة العين غير متغيرة عن حالها لو لم تعتل، فلذلك حولوها إلى فعلت فجعلت معتلة منها.
وكانت فعلت أولى بفعلت من الواو من فعلت لأنهم حيث جعلوها معتلة محولة الحركة جعلوا ما حركته منه أولى به، كما أن يغزو حيث اعتل لزمه يفعل، وجعل حركة ما قبل الواو من الواو، فكذلك جعلت حركة هذا الحرف منه.
ويدلك على أن أصله فعلت أنه ليس في الكلام فعلته.
ونظيره في الاعتلال من محول إليه: يعد ويزن.
وقد بين ذلك.
فأما طلت فإنها فعلت، لأنك تقول طويل وطوال، كما قلت قبح وقبيح، ولا يكون طلته كما لا يكون فعلته في شيء، واعتلت كما اعتلت خفت وهبت.
وأما بعت فإنها معتلة من فعلت تفعل، ولو لم يحولوها إلى فعلت لكان حال الفاء كحال قلت، وجعلوا فعلث أولى بها كما أن يفعل من رميت حيث كانت حركة العين محولة من يفعل ويفعل إلى أحدهما، كان الذي من الياء أولى بها.
وكذلك زدت كانت الكسرة أولى بها، كما كانت الضمة أولى بالواو في قلت.

وليس في بنات الياء فعلت كما أنه ليس في باب رميت فعلت، وذلك لأن الياء أخف عليهم من الواو وأكثر تحويلاً للواو من الواو لها، وكرهوا أن ينقلوا الخفيف إلى ما يستثقلون.
ودخلت فعلت على بنات الواو كما دخلت في باب غزوت في قوله شقيت وغبيت لأنها نقلت من الأثقل إلى الأخف، ولو قلت فعلت في الياء لكنت مخرجاً الأخف إلى الأثقل، ولو قلت في باب زدت فعلت فقلت: زدت تزود، كما أنك لو قلتها من رميت لكانت رمو يرمو، فتضم الزاي كما كسرت الخاء في خفت.
وتقول: تزوج كما تقول: موقن لأنها ساكنة قبلها ضمة.
وقالوا: وجد يجد، ولم يقولوا في يفعل يوجد، وهو القياس، ليعلموا أن أصله يجد.
وقال بعضهم: طلته، مثل قلته، وهو فعلت منقولة إلى فعلت، فعدى علت، ولو كانت فعلت لم تتعد.
وإذا قلت يفعل من قلت قلت يقول، لأنه إذا قال فعل فقد لزمه يفعل.
وإذا قلت يفعل من بعت قلت يبيع، ألزموه يفعل حيث كان محولاً من فعلت، ليجري مجرى ما حول إلى فعلت، وصار يفعل لهذا لازماً، إذ كان في كلامهم فعل يفعل في غير المعتل، فكما وافقه في تغيير الفاء كذلك وافقه في يفعل.
وأما يفعل من خفت وهبت.
فإنه يخاف ويهاب، لأن فعل يلزمه يفعل،

وإنما خالفتا يزيد ويبيع لأنهما لم تعتلا محولتين، وإنما اعتلتا من بنائهما الذي هو لهما في الأصل، فكما اعتلتا في فعلت من البناء الذي هو لهما في الأصل كذلك اعتلتا في يفعل منه.
وإذا قلت فعل من هذه الأشياء كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين كما فعلت ذلك في فعلت لتغير حركة الأصل لو لم تعتل، كما كسرت الفاء حيث كانت العين منكسرة للاعتلال.
وذلك قولك: خيف، وبيع، وهب، وقيل.
وبعض العرب يقول: خيف وبيع وقيل، فيشم إرادة أن يبين أنها فعل.
وبعض من يضم يقول: بوع وقول وخوف وهوب، يتبع الياء ما قبلها كما قال موقن.
وهذه اللغات دواخل على قيل وبيع وخيف وهيب، والأصل الكسر كما يكسر في فعلت.
فإذا قلت فعل صارت العين تابعة، وذلك قولك: باع، وخاف، وهاب، وقال.
ولو لم تجعل تابعةً لالتبس فعل من باع وخاف وهاب بفعل، فأتبعوهن قال، حيث أتبعوا العين الفاء في أخواتهن ليستوين، وكرهوا أن يساوي فعل في حالٍ، إذ كان بعضهم يقول: قد قول ذاك.
فاجتمع فيها هذا وأنهم شبهوها بأخواتها حيث أتبعوا العين فيهن ما قبلهن.
فكما اتفقن في التغيير كذلك اتفقن في الإلحاق.
وحدثنا أبو الخطاب أن ناساً من العرب يقولون: كيد زيد يفعل، وما زيل زيد يفعل ذاك، يريدون: زال وكاد، لأنهم كسروها في فعل كما

كسروها في فعلت حيث أسكنوا العين وحولوا الحركة على ما قبلها، ولم يرجعوا حركة الفاء إلى الأصل كما قالوا: خاف، وقال، وباع، وهاب.
فهؤلاء الحركات مردودةٌ إلى الأصل وما بعدهن توابع لهن كما يتبعن إذا أسكن الكسرة والضمة في قولهم: قد قيل وقد قول.
فإذا قلت فعلت أو فعلن أو فعلنا من هذه الأشياء، ففيها لغات: أما من قال قد بيع وزين وهيب وخيف فإنه يقول: خفنا وبعنا، وخفن وبعن، وهبت، يدع الكسرة على حالها ويحذف الياء، لأنه التقى ساكنان.
وأما من ضم بإشمامٍ إذا قال فعل فإنه يقول: قد بعنا وقد رعن وقد زدت.
وكذلك جميع هذا يميل الفاء ليعلم أن الياء قد حذفت فيضم، وأمال كما ضموا وبعدها الياء، لأنه أبين لفعل.
وأما الذين يقولون بوع وقول وخوف وهوب فإنهم يقولون بعنا وخفنا وهبنا وزدنا، لا يزيدون على الضم والحذف، كما لم يزد الذين قالوا رعن وبعن على الكسر والحذف.
وأما مت تموت فإنما اعتلت من فعل يفعل، ولم تحول كما يحول قلت وزدت.
ونظيرها من الصحيح فضل يفضل.
وكذلك كدت تكاد اعتلت من فعل يفعل، وهي نظيرة مت في أنها شاذة.
ولم يجيئا على ما كثر واطرد من فعل وفعل.
وأما ليس فإنها مسكنة من نحو قوله: صيد، كما قالوا علم ذاك في

علم ذاك، فلم يجعلوا اعتلالها إلا لزوم الإسكان، إذ كثرت في كلامهم ولم يغيروا حركة الفاء، وإنما فعلوا ذلك بها حيث لم تكن فيها يفعل وفيما مضى من الفعل، نحو قولك: قد كان ثم ذهب، ولا يكون منها فاعلٌ ولا مصدر ولا اشتقاق، فلما لم تصرف تصرف أخواتها جعلت بمنزلة ما ليس من الفعل نحو ليت، لأنها ضارعتها، ففعل بها ما فعل بما هو بمنزلة الفعل وليس منه.
وأما قولهم: عور يعور، وحول يحول، وصيد يصيد فإنما جاءوا بهن على الأصل لأنه في معنى ما لا بد له من أن يخرج على الأصل نحو: اعوررت، واحوللت، وابيضضت، واسوددت، فلما كن في معنى ما لا بد له من أن يخرج على الأصل لكون ما قبله تحركن.
فلو لم تكن في هذا المعنى اعتلت، ولكنها بنيت على الأصل إذ كان الأمر على هذا.
ومثل ذلك قولهم: اجتوروا، واعتونوا، حيث كان معناه معنى ما الواو فيه متحركة ولا تعتل فيه، وذلك قولهم: تعاونوا، وتجاوروا.
وأما طاح يطيح وتاه يتيه، فزعم الخليل أنهما فعل يفعل بمنزلة حسب يحسب.
وهي من الواو، ويدلك على ذلك، طوحت وتوهت، وهو أطوح منه وأتوه منه، فإنما هي فعل يفعل من الواو كما كانت منه فعل يفعل.
ومن فعل يفعل اعتلتا ومن قال طيحت وتيهت فقد جاء بها على باع يبيع مستقيمة.
وإنما دعاهم إلى هذا الاعتلال ما ذكرت لك من كثرة هذين

الحرفين، فلو لم يفعلوا ذلك وجاء على الأصل أدخلت الضمة على الياء والواو والكسرة عليهما في فعلت وفعلت ويفعل ويفعل، ففرا من أن يكثر هذا في كلامهم مع كثرة الياء والواو، فكان الحذف والإسكان أخف عليهم.
ومن العرب من يقول: ما أتيهه، وتيهت، وطيحت.
وقال: آن يئين، فهو فعل يفعل من الأوان، وهو الحين.

جارٍ التحميل