الكتاب لسيبويهباب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة

باب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة

وذلك قولك هذا أول فارسٍ مُقبلٌ، وهذا كلُّ متاعٍ عندك موضوعٌ، وهذا خيرٌ منك مقبلٌ.
ومما يدلك على أنهن نكرة أنهن مضافات إلى نكرة، وتوصَف بهن النكرة.
وذلك أنك تقول فيما كان وصفاً: هذا رجل خيرٌ منك، وهذا فارسٌ أول فارسٍ، وهذا مالٌ كلُّ مالٍ عندك.
ويُستدلُّ على أنهن مضافات إلى نكرة أنك تصف ما بعدهن بما توصَف به النكرة ولا تصفه بما توصَف به المعرفة، وذلك قولك: هذا اول فارس شُجاع مقبلٌ.
وحدثنا الخليل أنه سمع من العرب من يوثق بعربيته يُنشد هذا البيت، وهو قول الشماخ: وكلُّ خليلٍ غيرُ هاضمِ نفسِه ... لوصلِ خليلٍ صارمٌ أو معازِرُ

فجعله صفة لكل.
وحدثني أبو الخطاب أنه سمع من يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت: كأنّا يومَ قُرّى إ ... نّما نقتلُ إيّانا قبَلنا منهمُ كلَّ ... فَتًى أبيضَ حُسّانا فجعله وصفا لكل.
ومثل ذلك: هذا أيما رجل منطلقٌ، وهذا حسبُك من رجل منطلقٌ.
ويدلك على أنه نكرة أنك تصف به النكرة فتقول: هذا رجل حسبُك من رجل، فهو بمنزلة مثلك وضاربك إذا أردت النكرة.
ومما يوصَف به كلٌّ قول ابن أحمر: وَلِهَت عليه كلُّ معصِفة ... هوجاء ليس للُبّها زَبرُ

سمعناه ممن يرويه من العرب.
ومن قال هذا أول فارسٍ مقبلا، من قبل أنه لا يستطيع أن يقول هذا أولُ الفارس، فيُدخل عليه الألف واللام فصار عنده بمنزلة المعرفة، فلا ينبغي له أن يصفه بالنكرة، وينبغي له أن يزعم أن درهما في قولك عشرون درهماً معرفة، فليس هذا بشيء، وإنما أرادوا من الفرسان، فحذفوا الكلام استخفافا، وجعلوا هذا يُجزِئُهم من ذلك.
وقد يجوز نصبُه على نصب: هذا رجلٌ منطلقا، وهو قول عيسى.
وزعم الخليل أن هذا جائز، ونصبُه كنصبه في المعرفة، جعله حالا ولم يجعله وصفا.
ومثل ذلك: مررتُ برجل قائما، إذا جعلتَ الممرورَ به في حال قيامٍ.
وقد يجوز على هذا: فيها رجلٌ قائما، وهو قول الخليل رحمه الله.
ومثل ذلك: عليه مائةٌ بيضا؛ والرفعُ الوجهُ.
وعليه مائةٌ عينا؛ والرفعُ الوجه.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون: مررتُ بماءٍ قِعدةَ رجلٍ؛ والجر الوجهُ.
وإنما كان النصب هنا بعيدا من قبل أن هذا يكون من صفة الأول، فكرهوا أن يجعلوه حالا كما كرهوا أن يجعلوا الطويل والأخ حالا حين قالوا: هذا زيد الطويل، وهذا عمرو أخوك، وألزموا

صفة النكرة، كما ألزموا صفة المعرفة المعرفةَ؛ وأرادوا أن يجعلوا حالَ النكرة فيما يكون من اسمها كحال المعرفة فيما يكون من اسمها.
وزعم مَن نثق به أنه سمع رؤبةَ يقول: هذا غلامٌ لك مُقبلاً، جعله حالا ولم يجعله من اسم الأول.
واعلم أن ما كان صفة للمعرفة لا يكون حالا ينتصب انتصابَ النكرة، وذلك أنه لا يَحسُن لك أن تقول: هذا زيدٌ الطويلَ، ولا هذا زيدٌ أخاك، من قبل أنه من قال هذا فينبغي له أن يجعله صفة للنكرة، فيقول: هذا رجلٌ أخوك.
ومثل ذلك في القبح: هذا زيدٌ أسودَ الناس، وهذا زيدٌ سيدَ الناس، حدثنا بذلك يونس عن أبي عمرو.
ولو حسُن أن يكون هذا خبرا للمعرفة لجاز أن يكون خبرا للنكرة، فتقول هذا رجلٌ سيدَ الناس، من قبل أن نصب هذا رجلٌ منطلقا كنصب هذا زيد منطلقا، فينبغي لما كان حالا للمعرفة أن يكون حالا للنكرة.
فليس هكذا، ولكن ما كان صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً

للنكرة كما جاز حالا للمعرفة.
ولا يجوز للمعرفة أن تكون حالا كما تكون النكرة، فتلتبس بالنكرة.
ولو جاز ذلك لقلت: هذا أخوك عبد الله، إذا كان عبد الله اسمه الذي يُعرف به.
وهذا كلامٌ خبيث يوضع في غير موضعه.
إنما تكون المعرفة مبنيا عليها أو مبنية على اسم أو غير اسم، وتكون صفة لمعروف لتبينه وتؤكده أن تقطعه من غيره.
فإذا أردت الخبر الذي يكون حالا وقع فيه الأمر فلا تضع في موضعه الاسم الذي جُعل ليوضح المعرفة أو تبين به.
فالنكرة تكون حالا وليست تكون شيئا بعينه قد عرفه المخاطَب قبل ذلك.
فهذا أمر النكرة، وهذا أمر المعرفة، فأجرِه كما أجروه، وضعْ كل شيء موضعه.
؟

جارٍ التحميل