الكتاب لسيبويهباب اشتقاقك الأسماء

باب اشتقاقك الأسماء

لمواضع بنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها أما ما كان من فعل يفعل فإن موضع الفعل مفعلٌ، وذلك قولك: هذا محبسنا، ومضربنا، ومجلسنا، كأنهم بنوه على بناء يفعل، فكسروا العين كما كسروها في يفعل.
فإذا أردت المصدر بنيته على مفعلٍ، وذلك قولك: إن في ألف درهم لمضرباً؛ أي لضرباً.
قال الله عز وجل: " أين المفر "، يريد: أين الفرار.
فإذا أراد المكان قال: المفر، كما قالوا: المبيت حين أرادوا المكان

لأنها من بات يبيت.
وقال الله عز وجل: " وجعلنا النهار معاشا "، أي جعلناه عيشاً.
وقد يجيء المفعل يراد به الحين.
فإذا كان من فعل يفعل بنيته على مفعلٍ، تجعل الحين الذي فيه الفعل كالمكان.
وذلك قولك: أتت الناقة على مضربها، وأتت على منتجها، إنما تريد الحين الذي فيه النتاج والضرب.
وربما بنوا المصدر على المفعل كما بنوا المكان عليه، إلا أن تفسير الباب وجملته على القياس كما ذكرت لك، وذلك قولك: المرجع، قال الله عز وجل: " إلى ربكم مرجعكم "، أي رجوعكم.
وقال: " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض "، أي في الحيض.
وقالوا: المعجز يريدون العجز.
وقالوا: المعجز على القياس، وربما ألحقوا هاء التأنيث فقالوا: المعجزة والمعجزة، كما قالوا: المعيشة.
وكذلك أيضاً يدخلون الهاء في المواضع.
قالوا: المزلة أي موضع زلل.
وقالوا: المعذرة والمعتبة، فألحقوا الهاء وفتحوا على القياس.

وقالوا: المصيف، كما قالوا: أتت الناقة على مضربها، أي على زمان ضرابها، وقالوا: المشتاة فأنثوا وفتحوا، لأنه من يفعل.
وقالوا: المعصية والمعرفة كقيلهم: المعجزة.
وربما استغنوا بمفعلةٍ عن غيرها، وذلك قولهم: المشيئة والمحمية.
وقالوا: المزلة.
وقال الراعي: بُنِيَتْ مَرافِقُهنّ فوق مزلةٍ ... لا يَستطيعُ بها القُرادُ مَقيلا يريد: قيلولةً.
وأما ما كان يفعل منه مفتوحاً فإن اسم المكان يكون مفتوحا، كما كان الفعل مفتوحا.
وذلك قولك: شرب يشرب.
وتقول للمكان مشربٌ.
ولبس يلبس، والمكان الملبس.
وإذا أردت المصدر فتحته أيضاً كما فتحته في يفعل، فإذا جاء مفتوحاً في المكسور فهو في المفتوح أجدر أن يفتح.
وقد كسر المصدر كما كسر في الأول، قالوا: علاه المكبر.
ويقولون المذهب للمكان.
وتقول: أردت مذهباً أي ذهاباً فتفتح، لأنك تقول: يذهب، فتفتح.

ويقولون: محمدةٌ، فأنثوا كما أنثوا الأول وكسروا كما كسروا المكبر.
وأما ما كان يفعل منه مضموماً فهو بمنزلة ما كان يفعل منه مفتوحاً، ولم يبنوه على مثال يفعل لأنه ليس في الكلام مفعلٌ، فلما لم يكن إلى ذلك سبيل وكان مصيره إلى إحدى الحركتين ألزموه أخفهما.
وذلك قولك: قتل يقتل وهذا المقتل.
وقالوا: يقوم وهذا المقام.
وقالوا: أكره مقال الناس وملامهم.
وقالوا: الملامة والمقالة فأنثوا.
وقالوا: المرد والمكر، يريدون الرد والكرور.
وقالوا: المدعاة والمأدبة، إنما يريدون الدعاء إلى الطعام.
وقد كسروا المصدر في هذا كما كسروا في يفعل، قالوا: أتيتك عند مطلع الشمس، أي عند طلوع الشمس.
وهذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز فيفتحون.
وقد كسروا الأماكن في هذا أيضاً، كأنهم أدخلوا الكسر أيضاً كما أدخلوا الفتح.
وذلك: المنبت، والمطلع لمكان الطلوع.
وقالوا: البصرة مسقط رأسي، للموضع.
والسقوط المسقط.
وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود وموضع جبهتك، لو أردت ذلك لقلت مسجدٌ.

ونظير ذلك: المكحلة، والمحلب، والميسم، لم ترد موضع الفعل، ولكنه اسمٌ لوعاء الكحل.
وكذلك المدق صار اسماً له كالجلمود.
وكذلك المقبرة، والمشرقة، وإنما أراد اسم المكان.
ولو أراد موضع الفعل لقال مقبرٌ، ولكنه اسم بمنزلة المسجد.
ومثل ذلك: المشربة، وإنما هو اسمٌ لها كالغرفة.
وكذلك المدهن.
والمظلمة بهذه المنزلة، إنما هو اسم ما أخذ منك، ولم ترد مصدراً ولا موضع فعل.
وقالوا: مضربة السيف، جعلوه اسماً للحديدة، وبعض العرب يقول: مضربةٌ، كما يقول: مقبرة ومشربة، فالكسر في مضربةٍ كالضم في مقبرةٍ.
والمنخر بمنزلة المدهن كسروا الحرف كما ضم ثمة.
وقالوا: المسربة، فهو الشعر الممدود في الصدر وفي السرة، بمنزلة المشرقة، لم ترد مصدراً ولا موضعاً لفعل، وإنما هو اسم مخط الشعر الممدود في الصدر.
وكذلك: المأثرة، والمكرمة، والمأدبة.
وقد قال قوم معذرةٌ كالمأدبة، ومثله: " فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ".

ويجيء المفعل اسماً كما جاء في المسجد والمنكب، وذلك: المطبخ، والمربد.
وكل هذه الأبنية تقع اسماً للتي ذكرنا من هذه الفصول لا لمصدرٍ ولا لموضع العمل.

جارٍ التحميل