باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل
إذا كان جواباً لأمرٍ أو نهي أو استفهامٍ أو تمنِّ أو عرض
فأما ما انجزم بالأمر فقولك: ائتني آتك.
وأما ما انجزم بالنهي فقولك: لا تفعل يكن خيراً لك.
وأما ما انجزم بالاستفهام فقولك: ألا تأتيني أحدثِّك؟ وأين تكون أزرك؟ وأما ما انجزم بالتمني فقولك: ألا ماءَ أشربه، وليته عندنا يحدَّثنا.
وأمَّا ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيراً.
وإنَّما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب إن تأتني، بإن تأتني، لأنَّهم
جعلوه معلَّقاً بالأوّل عير مستغنٍ عنه إذا أرادوا الجزاء، كما أنَّ إن تأتني عير مستغنية عن آتك.
وزعم الخليل: أنَّ هذه الأوائل كلَّها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب؛ لأنه إذا قال ائتني آتك فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيانٌ آتك، وإذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنه قال إن أعلم مكان بيتك أزرك؛ لأن قوله أين بيتك يريد به: أعلمني.
وإذا قال ليته عندنا يحدثنا، فإن معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدَّثنا، وهو يريد ههنا إذا تمنَّى ما أراد في الأمر.
وإذا قال لو نزلت فكأنَّه قال انزل.
ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره قوله عز وجل: " هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابِ أليم.
تؤمنون بالَّله ورسوله وتجاهدون في سبيل الَّله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " فلمَّا انقضت الآية قال: " يغفر لكم ".
ومن ذلك أيضاً: أتينا أمس نعطيك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس
أعطيناك اليوم.
هذا معناه فإن كنت تريد أن تقررِّه بأنه قد فعل فإنَّ الجزاء لا يكون، لأنَّ الجزاء إنَّما يكون في غير الواجب.
ومما جاء أيضاً منجزماً بالاستفهام قوله، وهو رجل من بني تغلب، جابر ابن حنى:
أَلا تَنْتَهِي عنَّا مُلوكٌ وتَتقِي ... مَحارِمَنَا لا يَبؤِ الدَّم بالدَّم
وقال الراجز:
متى أَنامُ لا يُؤَرِّقْنْي الكَرِي ... ليلاً ولا أسمع أجراس المطى
كأنّه قال: إ، يكن منِّى نومٌ في غير هذه الحال لا يؤرقني الكرىُّ، كأنَّه لم يعَّد نومه في هذه الحال نوماً.
وقد سمعنا من العرب من يشمُّه الرَّفع، كأنه يقول: متى أنام غير مؤرق.
وتقول: ائتني آتك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن
لا تجعله معلقاً بالأوَّل، ولكنَّك تبتدئه وتجعل الأول مستغنياً عنه، كأنَّه يقول: ائتني أنا آتيك.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الأخطل:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف أمريءٍ يَمْضِي لمِقْدارِ
وقال الأنصاري:
يا مالِ والحقُّ عنده فقِفُوا ... تَؤتَوْنَ فيه الوفاءَ مُعْترَفَا
كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفاً.
وقال معروف:
كونوا كَمن واسَى أخاه بنفسه ... نعيشُ جميعاً أو نموتُ كلانَا
كأنه قال: كونوا هكذا إنا نعيش جميعاً أو نموت كلانا إن كان هذا أمرنا.
وزعم الخليل: أنَّه يجوز أن يكون نعيش محمولا على كونوا، كأنه قال: كونوا نعيش جميعاً أو نموت كلانا.
وتقول: لا تدن منه يكن خيراً لك.
فإن قلت: لا تدن من الأسديا كلك فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لأنَّك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سبباً لأكله.
وإن رفعت فالكلام حسنٌ، كأنك قلت: لا تدن منه فإنَّه يأكلك.
وإن أدخلت الفاء فهو حسنٌ، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك.
وليس كلُّ موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء.
ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحثنا، والجزاء ههنا محال.
وإنما قبح الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.
وسمعنا عربياً موثوقاً بعربيته يقول: لا تذهب به تغلب عليه؛ فهذا كقوله: لا تدن من الأسد يأكلك.
وتقول: ذره يقل ذاك، وذره يقول ذاك فالرفع من وجهين: فأحدهما الابتداء، والآخر على قولك: ذره قائلاً ذاك؛ فتجعل يقول في موضع قائل.
فمثل الجزم قوله عز وجل: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل " ومثل الرفع قوله تعالى جدٌّه: " ذرهم في خوضهم يلعبون ".
وتقول: ائتني تمشي، أي ائتني ماشياً، وإن شاء جزمه على أنه إن أتاه مشي فيما يستقبل فيما يستقبل.
وإن شاء رفعه على الابتداء.
وقال عز وجل: " فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ". فالرفع على وجهين: على الابتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائفٍ ولا خاشٍ.
وتقول: قم يدعوك؛ لأنك لم ترد أن تجعله دعاء بعد قيامه ويكون القيام سبباً له، ولكنَّك أردت: قم إنه يدعوك.
وإن أردت ذلك المعنى جزمت.
وأما قول الأخطل
كرُّوا إلى حرَّيتكم تعمرونهما ... كما تكرُّ إلى أوطانها البَقَرُ
فعلى قوله: كرُّوا عامرين.
وإن شئت رفعت على الابتداء.
وتقول: مره يحفرها، وقل له يقل ذاك.
وقال الَّله عز وجل: " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممَّا رزقناهم ". ولو قلت مره يحفرها على الابتداء كان جيَّداً.
وقد جاء رفعه على شىء هو قليلٌ في الكلام، على مره أن يحفرها، فإذا لم يذكروا أن، جعلوا المعنى بمنزلته في عسينا نفعل.
وهو في الكلام قليلٌ، لا يكادون يتكلمون به، فإذا تكلموا به فالفعل كأنه في موضع اسم منصوب، كأنه قال: عسى زيدٌ قائلا، ثم وضع يقول في موضعه.
وقد جاء في الشعر، قال طرفة بن العبد:
ألا أبهذا الزاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ الَّلذات هل أنت مخلدي
وسألته عن قوله عز وجل: " قل أفغير الَّله تأمروني أعبد أيُّها الجاهلون " فقال: تأمرونِّي كقولك: هو يقول ذاك بلغني، فبلغني لغوٌ فكذلك تأمرونِّي، كأنه قال: فيما تأمرونِّي، كأنه.
قال فيما بلغني.
وإن شئت كان بمنزلة:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى