الكتاب لسيبويهباب وجه دخول الرفع في هذه الأفعال

باب وجه دخول الرفع في هذه الأفعال

المضارعة للأسماء اعلم أنها إذا كانت في موضع اسمٍ مبتدإٍ أو موضع اسمٍ بني على مبتدإ

أو في موضع اسمٍ مرفوع غير مبتدإ ولا مبنيٍ على مبتدإ، أو في موضع اسمٍ مجرور أو منصوب، فإنها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرفع فيها.
وعلته: أن ما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حد عمله في الأسماء كما أن ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء.
وكينونتها في موضع الأسماء ترفعها كما يرفع الاسم كينونته مبتدأٌ.
فأما ما كان في موضع المبتدإ فقولك: يقول زيدٌ ذاك.
وأما ما كان في موضع المبني على المبتدإ فقولك: زيدٌ يقول ذاك.
وأما ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجلٍ يقول ذاك، وهذا يومٌ آتيك، وهذا زيدٌ يقول ذاك، وهذا رجلٌ يقول ذاك، وحسبته ينطلق.
فهكذا هذا وما أشبهه.
ومن ذلك أيضاً: هلا يقول زيدٌ ذاك، فيقول في موضع ابتداء وهلا لا تعمل في اسم ولا فعل، فكأنك قلت: يقول زيدٌ ذاك.
إلا أن من الحروف ما لا يدخل إلا على الأفعال التي في موضع الأسماء المبتدأة وتكون الأفعال أولى من الأسماء حتى لا يكون بعدها مذكورٌ يليها إلا الأفعال.
وسنبين ذلك إن شاء الله، وقد بين فيما مضى.

ومن ذلك أيضاً ائتني بعد ما تفرغ، فما وتفرغ بمنزلة الفراغ، وتفرغ صلةٌ، وهي مبتدأة، وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي تفرغ، فتفرغ في موضع مبتدإ لأنّ الذي لا يعمل في شئ، والأسماء بعده مبتدأةٌ.
ومن زعم أن الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضعٍ ينتصب فيه الاسم، ويجرها إذا كانت في موضعٍ ينجر فيه الاسم؛ ولكنها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم.
ومن ذلك أيضاً: كدت أفعل ذاك وكدت تفرغ، فكدت فعلت وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها وأفعل ههنا بمنزلة في كنت، إلا أن الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها.
ومثل ذلك: عسى يفعل ذاك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنك قلت: كدت فاعلاً، ثم وضعت أفعل في موضع فاعلٍ.
ونظير هذا في العربية كثيرٌ، وستراه إن شاء الله تعالى.
ألا ترى أنك تقول: بلغني أن زيداً جاء، فأن زيداً جاء كله اسمٌ.
وتقول: لو أن زيداً جاء لكان كذا وكذا، فمعناه: لو مجيء زيدٍ، ولا يقال لو مجيء زيد.

وتقول في التعجب: ما أحسن زيداً، ولا يكون الاسم في موضع، فتقول: ما محسنٌ زيداً.
ومنه: قد جعل يقول ذاك، كأنك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء.
وكأنهم إنما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أن معناها ومعنى غيرها معنى ما تدخله أن نحو قولهم: خليقٌ أن يقول ذاك وقارب أن لا يفعل.
ألا ترى أنهم يقولون: عسى أن يفعل.
ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن، فلما كان المعنى فيهنّ ذلك تركوا الأسماء لئلا يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت، لأنه فعلٌ مثله.
وكدت أن أفعل لا يجوز إلا في شعر، لأنه مثل كان في قولك: كان فاعلاً ويكون فاعلاً.
وكأن معنى جعل يقول وأخذ يقول، قد آثر أن يقول ونحوه.
ثمن ثم منع الأسماء، لأن معناها معنى ما يستعمل بأن فتركوا الفعل حين خزلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلا ينقضوا هذا المعنى.
؟

هذا باب إذن

اعلم أن إذن إذا كانت جواباً وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل رأى في الاسم إذا كانت مبتدأة.
وذلك قولك: إذن أجيئك، وإذن آتيك.
ومن ذلك أيضاً قولك: إذن والله أجيئك.
والقسم ههنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أرى والله زيداً فاعلاً.
ولا تفصل بين شئ مما ينصب الفعل وبين الفعل سوى إذن، لأنّ إذن

أشبهت أرى، فهي في الأفعال بمنزلة أرى في الأسماء وهي تلغى وتقدم وتؤخر، فلما تصرّفت هذا التصرّف اجتروا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين.
ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهية أن يشبهوها بما يعمل في الأسماء، نحو ضربت وقتلت؛ لأنها لا تصرف تصرف الأفعال نحو ضربت وقتلت، ولا تكون إلا في أوّل الكلام لاؤمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك، لأنه حرف جامدٌ.
واعلم أن إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمالك أرى وحسبت إذا كانت واحدةٌ منهما بين اسمين؛ وذلك قولك: زيداً حسبت أخاك، وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت زيدٌ حسبت أخوك.
فأما الاستعمال فقولك: فإذن آتيك وإذن أكرمك.
وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف: " وإذن لا يلبثوا خلفك إلا قليلاً ". وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: " وإذن لا يلبثوا ".

وأما الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك.
وقال تعالى: " فإذن لا يؤتون الناس نقيراً ". واعلم أن إذن إذا كانت بين الفعل وبين شئ الفعل معتمدٌ عليه فإنها ملغاة لا تنصب البتة، كما لا تنصب أرى إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أرى زيدٌ ذاهباً، وكما لا تعمل في قولك: إني أرى ذاهبٌ.
فإذن لا تصل في ذا الموضع إلى أن تنصب كما لا تصل أرى هنا إلى أن تنصب.
فهذا تفسير الخليل.
وذلك قولك: أنا إذن آتيك، فهي ههنا بمنزلة أرى حيت لا تكون إلا ملغاة.
ومن ذلك أيضاً قولك: إن تأتني إذن آتك، لأن الفعل ههنا معتمد على ما قبل إذن.
وليس هذا كقول ابن عنمة الضبي: أرْدُدْ حِمارَك لا تُنْزَعْ سَوِيَّتُه ... إذَنْ يُرَدَّ وَقَيْدُ العَيْرِ مَكْروبُ من قبل أن هذا منقطعٌ من الكلام الأول وليس معتمداً على ما قبله، لأن ما قبله مستغنٍ.
ومن ذلك أيضاً: والله إذن لا أفعل، من قبل أن أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغوٌ.

وليس الكلام ههنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوله، لأن اليمين ههنا الغالبة.
ألا ترى أنك تقول إذا كانت إذن مبتدأةً: إذن والله لا أفعل، لأن الكلام على إذن ووالله لا يعمل شيئاً.
ولو قلت: والله إذن أفعل تريد أن تخبر أنك فاعلٌ لم يجز، كما لم يجز والله أذهب إذن إذا أخبرت أنك فاعل.
فقبح هذا يدلك على أن الكلام معتمد على اليمين.
وقال كثيّرة عزة: لئنْ عادَ لِي عبدُ العزيزِ بمثْلِها ... وأمكنني منها إذَنْ لا أُقيِلُها وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، إذا جعلت الكلام على أوله ولم تقطعه، وعطفته على الأول.
وإن جعلته مستقبلاً نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغى.
وهذا قول يونس، وهو حسن، لأنك إذا قطعته من الأول فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل، إذا كنت مجيباً رجلاً.
وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، لا يكون إلا هذا؛ من قبل أن إذن الآن بمنزلة إنما وهل، كأنك قلت: إنما عبد الله يقول ذاك.
ولو جعلت إذن ههنا بمنزلة كي وأن لم يحسن، من قبل أنه لا يجوز لك أن تقول: كي زيدٌ

يقول ذاك، ولا أن زيدٌ يقول ذاك.
فلما قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنما وأشباههما.
وزعم عيسى بن عمر أن ناساً من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك، في الجواب.
فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدن ذا.
ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل.
وتقول إذا حدثت بالحديث: إذن أظنه فاعلاً، وإذن إخالك كاذباً، وذلك لأنك تخبر أنك تلك الساعة في حال ظن وخيلةٍ، فخرجت من باب أن وكي، لأن الفعل بعدهما غير واقع وليس في حال حديثك فعلٌ ثابتٌ.
ولما لم يجز ذا في أخواتها التي تشبه بها جعلت بمنزلة إنما.
ولو قلت: إذن أظنك، تريد أن تخبره أن ظنك سيقع لنصبت، وكذلك إذن يضربك، إذا أخبرت أنه في حال ضربٍ لم ينقطع.
وقد ذكر لي بعضهم أن الخليل قال: أن مضمرةٌ بعد إذن.
ولو كانت مما يضمر بعده أن فكانت بمنزلة اللام وحتى لأضمرتها إذا قلت عبد الله إذن يأتيك؛ فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك لأن المعنى واحد، ولم يغير فيه المعنى الذي كان في قوله: إذن يأتيك عبد الله، كما يتغير المعنى في حتى في الرفع والنصب.
فهذا مارووا.
وأما ما سمعت منه فالأول.

هذا باب حتّى

اعلم أنّ تنصب على وجهين:

فأحدهما: أن تجعل الدخول غايةً لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل ههنا هو الجار للاسم إذا كان غايةً.
فالفعل إذا كان غايةً نصبٌ، والاسم إذا كان غايةً جرٌ.
وهذا قول الخليل.
وأما الوجه الآخر فأن يكون السير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء.
واعلم أن حتى يرفع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتى أدخلها، تعني أنه كان دخولٌ متصلٌ بالسير كاتصاله به بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها، فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنه في عمله، وأن عمله لم ينقطع.
فإذا قال حتى أدخلها فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء.
فحتى صارت ههنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء،

لأنّها لم تجئ على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنك.
وأما الوجه الآخر: فإنه يكون السير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع، أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت.
ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاماً أول شيئاً حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه.
والرفع ههنا في الوجهين جميعاً كالرفع في الاسم.
قال الفرزدق: فيا عَجَباً حتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّني ... كأنَّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ فحتى ههنا بمنزلة إذاً، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء.
ومثل ذلك: شربت حتى يجئ البعير يجر بطنه، أي حتى إن البعير ليجئ يجر بطنه.
ويدلك على حتى أنها حرف من حروف الابتداء أنك تقول: حتى إنه

ليفعل ذاك كما تقول: فإذا إنه يفعل ذاك.
ومثل ذلك قول حسان ابن ثابت: يُغْشَوْنَ حتَّى لا تَهِرُّ كِلابُهمْ ... لا يَسالون عن السَّواد المُقْبِلِ ومثل ذلك: مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه، وسرت حتى يعلم الله أني كالٌ.
والفعل ههنا منقطع من الأول، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متصلٌ كاتصاله به بالفاء، كأنه قال سيرٌ فدخولٌ، كما قال علقمة ابن عبدة: تُرادَى على دِمْنِ الحِياضِ فإنْ تَعَفْ ... فإنّ المُنَدَّى رِحْلةٌ فركُوبُ لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضى، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضى، ولكن الآخر متصل بالأول، ولم يقع واحدٌ دون الآخر.

وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، فليس كقولك: سرت فأدخلها، إذا لم ترد أن تجعل الدخول الساعة، لأن السير والدخول جميعاً وقعا فيما مضى.
وكذلك مرض حتى لا يرجونه، أي حتى إنه الآن لا يرجونه؛ فهذا ليس متصلاً بالأول واقعاً معه فيما مضى.
وليس قولنا كاتصال الفاء يعني أن معناه معنى الفاء، ولكنك أردت أن تخبر أنه متصلٌ بالأول، وأنهما وقعا فيما مضى.
وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرقٌ في أنه بمنزلة حرف الابتداء، وأن المعنى واحدٌ إلا أن أحد الموضعين الدخول فيه متصلٌ بالسير وقد مضى السير والدخول، والآخر منفصل وهو الآن في حال الدخول، وإنما اتصاله في أنه كان فيما مضى، وإلا فإنه ليس بفارق موضعه الآخر في شئ إذا رفعت.

جارٍ التحميل