الكتاب لسيبويهبابٌ من المصادر جَرَى مَجرى الفعل المضارِع

بابٌ من المصادر جَرَى مَجرى الفعل المضارِع

فى عمله ومعناه

وذلك قولك: عَجِبتُ مِن ضَرْبٍ زيدا، " فمعناه أَنّه يَضرب زيدا.
وتقول: عجبتُ مِن ضَرْبٍ زيداً " بكرٌ، ومن ضَرْبٍ زيدٌ عمراً، إذا كان هو الفاعل، كأنّه قال: عجبتُ من أنّه يَضرب زيدٌ عمراً، ويَضرب عمراً زيدٌ.
وإنَّما خالَف هذا الاسمَ الذى جرى مَجرى الفعل المضارعِ فى أَنَّ فيه فاعِلاً ومفعولا، لأنّك إذا قلت: هذا ضارِبٌ فقد جئت بالفاعل وذكرتَه، وإذا قلت: عجبتُ من ضربٍ فإِنَّك لم تذكر الفاعلَ، فالمصدرُ ليس بالفاعل وإن كان فيه دليلٌ على الفاعل، " فلذلك احتجتَ فيه إلى فاعل ومفعول ولم تحتج حين قلت: هذا ضاربٌ زيدا إلى فاعل ظاهر، لأنَّ المضمر فى ضارب هو الفاعل ". فمما جاء من هذا قولُه عزّ وجلّ: " أو إطعام في يوم ذي مسغبة.
يتيما ذا مقربة ". وقال: فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد وقال: أخذت بسجلهم فنفحت فيه ... محافطة لهن إخا الذمام

وقال: يضرب بالسيوف رؤوس قَوْمٍ ... أَزَلْنا هامَهنّ عَنِ المَقِيلِ وإنْ شئت حذفتَ التنوينَ كما حذفت فى الفاعل، وكان المعنى على حاله، إلاَّ أنك تَجرُّ الذى يلى المصدرَ، فاعلا كان أو مفعولاً، لأنَّه اسمٌ قد كففتَ عنه التنوين، كما فعلت ذلك بفاعِلٍ، ويصير المجرورُ بدلاً من التنوين معاقباً له.
وذلك قولك: عَجبِتُ من ضَرْبِه زيداً، إن كان فاعلا؛ ومن ضَرْبِه زيدٌ، إن كان المُضَمْرَ مفعولا.
وتقول: عجبت من كِسْوَةٍ زيدٍ أبوه، وعجبت من كِسُوةِ زيدٍ أباه، إذا حذفت التنوين.
وممَّا جاء لا ينَّون قولُ لبيد: عَهْدِى بها الحَىَّ الجميعَ وفيهِمُ ... قبلَ التفرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدامُ

ومنه قولهم: " سَمْعُ أُذُنِى زيداً يقولُ ذاك ". قال رؤبة: ورَأْى عَيْنَىَّ الفَتَى أَخاكا ... يُعْطِى الجَزِيلَ فعليكَ ذاكا وتقول: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمروٍ، إذا أشركتَ بينهما كما فعلت ذلك في الفاعل.
ومن قال هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً قال: عجبتُ له من ضَرْبِ زيدٍ وعمراً، كأنَّه أَضْمَرَ: ويَضرب عَمراً، " أو وضَرَبَ عمراً ". قال رؤبة: قد كنتُ دايَنْتُ بها حسَّانَا ... مخافةَ الإِفلاسِ واللَّيَّانَا

يحسِنُ بَيْعَ الأصلِ والِقيانَا وتقول: عجبتُ من الضَّرْبِ زيداً، كما قلتَ: عجبتُ من الضارِبِ زيدا، يَكون الألفُ واللام بمنزلة التنوين.
وقال الشاعر: ضعيفُ النَّكايَةِ أَعْدَاءَه ... يَخالُ الفِرارَ يُراخِى الأَجلْ وقال المرّار " الأسدىّ ":

لقد عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرَةِ أنّنى ... لحقت فلم أَنْكُِلْ عن الضْربِ مِسْمَعَا ومن قال: هذا الضاربُ الرَّجُلِ لم يقل: عجبتُ له من الضَّربِ الرجلِ؛ لأنّ الضَّاربَ الرجلِ مشبَّهٌ بالحَسَنِ الوجهِ، لأنه وصفٌ للاسم كما أن الحَسَنَ وَصْفٌ، وليس هو بحدَّ الكلامِ مع ذلك.
وقد ينبغى فى قياس من قال: الضَّاربُ الرَّجلِ أن يقولَ: الضاربُ أََخى الرجلِ، كما يقول: الحَسَنُ الأخِ والحسنُ وجهِ الأخِ.
وكان الخليل يَراه.
وإن شئت قلت: هذا ضَرْبُ عبدِ الله، كما تقول: هذا ضارب عبدِ الله، فيما انَقطع من الأفعال.
وتقول: عجبتُ من ضَرْبِ اليومِ زيداً، كما قال: يا سارق الليل أهل الدار

وليس مثلَ: لله دَرُّ اليَوْمَ مَنْ لامَها لأنَّهم لم يجعلوه فعلا أو فَعَلَ شيئاً فى اليوم، إنما هو بمنزلة: لله بِلادُك.
ويجوز: عجبتُ له من ضَرْبِ أخيه، يكون المصدرُ مضافاً فَعَلَ أو لم يَفْعَلْ، ويكونُ منوناً وليس بمنزلة ضارب.

جارٍ التحميل