بابٌ معنى الواو فيه كمعناها فى الباب الأوّلِ
إلاّ أنّها تَعْطِفُ الاسمَ هنا على ما لا يكونُ ما بعده إلاَّ رفّعا على كلّ حال.
وذلك قولك: أنت وشأنُك، وكلُّ رجل وضَيْعتُه، وما أنت وعبدُ الله وكيف أنت وقَصْعةٌ من ثَريدٍ، وما شأنُك وشأنُ زيد.
وقال " المخبل ":
يا زبرقان أَخا بنى خَلَفٍ ... ما أنتَ وَيْبَ أبيك والفَخْرُ
وقال جَميل:
وأنت امرؤٌ من أهل نَجْدٍ وأهلُنا ... تَهامٍ فما النَّجْدىُّ والمتغوَّرُ
وقال:
وكنتَ هناك أنتَ كريمَ قيسِ ... فما القَيْسىُّ بعدَك والفِخارُ
وإنَّما فُرق بين هذا وبين الباب الأوّل لأنَّه اسمٌ، والأوّلُ فعلٌ فأُعمل، كأَنّك قلت فى الأوّل: ما صنعتَ أخاك، وهذا مُحالٌ، ولكنْ أردتُ أن أمثَّلَ لك.
ولو قلتَ: ما صنعتَ مع أخيك وما زلتُ بعبد الله، لكان مع أخيك وبعبدِ الله فى موضع نصبٍ.
ولو قلت: أنتَ وشأنُك كنتَ كأَنّك قلت: أنتَ وشأنُك مَقرونانِ، وكلُّ امرئٍ وضيَعْته مقرونانِ؛ لأنَّ الواو في معنى مع عنا، يَعمل فيما بعدها ما عَمِلَ فيما قبلها من الابتداء والمبتدإ.
ومثله: أنتَ أَعلَمُ ومالُكَ، فإِنَّما أردتَ: أنت أَعلمُ مع مِالك.
وأنتَ أعلم وعبد الله، أي أنت علم مع عبد الله.
وإن شئت كان على الوجه الآخَر، كأنك قلت: أنت وعبد الله أعلم من غيركما.
فإن قلت: أنت أعلم وعبد الله فى الوجه الآخَر فإِنَّها أيضاً تعمل فيما بعدها الابتداء، كما أعملت فى ما صنعتَ وأخاك، " صنعتَ ". فعلى أَىَّ الوجَهْينِ وجَّهتَه صار على المبتدإ،
لأنّ الواو فى المعنيينِ جميعاً يَعمل فيما بعدها ما عَمل فى الاسم الذى تَعطفه عليه.
وكذلك: ما أنتَ وعبدُ الله، وكيف أنتَ وعبدُ الله، كأَنك قلت: ما أنت وما عبدُ الله، وأنت تريد أن تحقَّر أمره أو ترفع أمره.
و" كذلك ": كيف أنت وعبدُ الله، وأنت تريد أن تَسأل عن شأنهما، لأنك إنَّما تَعطف بالواو إذا أردت معنى مَعَ على كَيْفَ، وكيف بمنزلة الابتداء، كأَنك قلت: وكيف عبدُ الله، فعملت كما عَمِلَ الابتداءُ لأنَّها ليستْ بفعِل، ولأنَّ ما بعدها لا يكون إلاَّ رفعا.
يدّلك على ذلك قول الشاعر، " وهو زيادٌ الأَعجمُ، ويقال غيرهُ ":
تكلَّفُنِى سَوِيقَ الكَرْمِ جَرمٌ ... وما جَرْمٌ وما ذاك السَّويقُ
ألاَ ترى أنه يريد معنى مَعَ، والاسمُ يَعمل فيه ما.
ومثلُ ذلك قول العرب: إنَّك مَا وخَيْرا، تريد: إنّك مع خَيْرٍ.
وقال، وهو لأبى عنترة العبسىّ:
فَمنْ يَكُ سائِلاً عنّى فإِنّى ... وجِرْوَةَ لا تَرودُ ولا تُعارُ
فهذا كلُّه يَنتصب انتصابَ إنّى وزيداً منطلقان، ومعناهن مع، لأن إني ها هنا بمنزلة الابتداءِ ليست بِفعلٍ ولا اسمٍ بمنزلة الفِعل.
وكيف أنت وزيدٌ، وأنت وشأنُك، مثالُهما واحد، لأن الابتداء وكيف وما وأنت، يَعْمَلْنَ فيما كان معناه مَعَ بالرفعَ فيحسن، ويُحْمَلُ على " المبتدإ كما يُحْمَلُ على " الابتداءِ.
ألا ترى أنّك تقول: ما أنت وما زيدٌ فيَحسنُ، ولو قلت: ما صنعتَ وما زيدٌ، لم يَحسن ولم يستقِمْ إذا أردتَ معنى ما صنعتَ وزيداً، ولم يكن لِتَعملَ ما أنت وكيف أنت، عَمَلَ صنعتَ، وليستا بفعل، ولم
نَرَهم أعملوا شيئاً من هذا كذا.
فإِذا نصبتَ فكأَنّك قلت: ما صنعتَ زيداً مثلَ ضربتَ زيداً ورأيت.
ولم نَرَ شيئاً من هذا ليس بِفعل فُعل به هذا فتُجريَهُ مُجرى الفعل.
وزعموا أنَّ ناسا يقولون: كيف أنت وزيداً، وما أنت وزيدا.
وهو قليل فى كلام العرب، ولم يحملوا الكلام على ما ولا كيف، ولكنهم حملوه على الفِعل، على شيء لو ظَهَرَ حتَّى يَلفظوا به لم يَنقُضْ ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف، كأَنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد، وما كنتَ وزيداً؛ لأنَّ كنتَ وتكونُ يقعان ها هنا كثيرا ولا يَنقضانِ ما تريد من معنى الحديث.
فمَضى صدرُ الكلام وكأَنّه قد تَكلم بها " وإن كان لم يَلفظ بها، لوقوعها ههنا كثيرا ". ومن ثَمَّ أنشد بعضهم:
فما أنا والسَّيرَ فى مَتلَفٍ ... يبَرَّحُ بالذّكَرِ الضّابِطِ
لأنهم يقولون: " ما كنتَ " هنا كثيرا ولا يَنْقُضُ هذا المعنى.
وفى " كيف " معنى يكون، فجرى " ما أنَت " مجرى " ما كنتَ "، كما أنّ كيف على معنى يكون.
وإذا قال: أنتَ وشأنُك فإِنما أَجرى كلامَه على ما هو فيه الآن، لا يريد كان ولا يكونُ.
وإن كان حَمَلَه على هذا ودعاه إليه شيء قد كان بلغَه فإِنَّما ابتدأَ وحمله على ما هو فيه الآن، وجرى على ما يُبْنَى على المبتدإ.
ولذلك لم يستعمِلوا ههنا الفعلَ مِنْ كان ويكونُ، لِما أرادوا من الإِجراءِ على ما ذكرتُ لك.
وزعم أبو الخَطاّب أنَّه سمع بعضَ العرب الموثوقِ بهم يُنْشِدُ " هذا البيت نصبا ":
أَتوعِدُنى بقَوْمِك يا ابن حجل ... أشابات يخالون العبادا
بما جمت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا
وزعموا أنالراعي كان يُنْشِدُ هذا البيت نصباً:
أَزْمانَ قومِى والجماعةَ كالذى ... مَنَعَ الرَّحالةَ أَنْ تَميلَ مَمِيلاَ
كأَنّه قال: أَزْمانَ كان قومى والجماعةَ، فحملوه على كان.
أنّها تقعُ فى هذا الموضع كثيراً، ولا تَنقض ما أرادوا من المعنى حين يَحملون الكلام على ما يَرفع، فكأَنّه إذا قال: أزمانَ قومى، كان معناه: أزمانَ كانوا قومى والجماعة كالذى، وما كان حضَن وعمرو والجيادا.
ولو لم يقل: أزمان كن قومى لكان معناه إذا قال: أزمان قومى، أزمان كان قومى؛ لأنه أمرٌ قد مضى.
وأَمّا أنت وشأَنُك، وكلُّ امرئٍ وضيعَتُه، وأنت أعلم وربك، وأشبه ذلك، فكلُّه رَفعٌ لا يكون فيه النصبُ، لأنَّك إنّما تريد أن تُخْبِرَ بالحال التى فيها المحدَّثُ عنه فى حال حديثك، فقلتَ: أنت الآنَ كذلك، ولم ترد أن تَجعل ذلك فيما مضى ولا فيما يُستقبل، وليس موضعاً يُستعمل فيه الفعلُ.
وأَمّا الاستفهامُ فإنَّهم أجازوا فيه النَّصب، لأنهم يَستعملون الفعلَ فى ذلك الموضع كثيراً، يقولون: ما كنتَ؟ وكيف تكون؟ إذا أرادوا معنى مَعَ ومن ثَمَّ قالوا: أَزْمانَ قومى والجماعةَ، لأنَّه موضع يَدخل فيه الفعلُ كثيراً، يقولون: أَزْمانَ كان وحينَ كان.
وهذا مشبّه بقول صرمة الأنصاري:
بداء لى أنى لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كانَ جائيَا
فجعلوا الكلام على شيء يقع هنا كثيرا.
ومثله " قول الأَخْوص ":
مَشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غُرابُها
فحملوه على ليسوا بمُصلحِين، ولستُ بمدركٍ.
ومثلُه لعامرِ بن جُوَيْنٍ الطائىّ:
فلم أَرَ مِثلَها خُبَاسةَ واحدٍ ... ونَهُنَهْتُ نفسى بعدَ ما كِدتُ أَفْعَلَهْ فحملوه على أَنْ، لأنّ الشعراءَ قد يَستعملون أَنْ ههنا مضطَّرين كثيراً.