اسم للخبيثة وللَّكعاء ومثل ذلك قول الشاعر، النابغة الجعدي:
فقلتُ لها عِيثِي جَعارِ وجرِّري ... بلحم امرىء لم يَشْهَدِ اليومَ ناصِرُهُ.
وإنَّما هو اسم للجاعرة، وإنَّما يريد بذلك الضَّبع.
ويقال لها: فثام، لأنَّها تقثم أي تقطع.
وقال الشاعر:
لِحَقَتْ حَلاقِ بهمْ على أكْسائهمْ ... ضَرْبَ الرِّقاب ولا يهمُّ المغنم
فحلاق معدول عن الحالقة، وإنَّما يريد بذلك المنية لأنها تحلق.
وقال الشاعر، مهلهلٌ:
ما أرجّى بالعيش بعد ندامى ... قد أراهم سقوا بكأسِ حَلاقِ
فهذا كله معدولٌ عن وجهه وأصله، فجعلوا آخره كآخر ما كان للفعل، لأنَّه معدول عن أصله، كما عدل: نظار وحذار وأشباههما عن حدهن، وكلهن مؤنث، فجعلوا بابهنَّ واحدا.
فإن قلت: ما بال فسقٌ ونحوه لا يكون جزماً كما كان هذا مكسورا؟ فإنَّما ذلك لم يقع في موضع الفعل فيصير بمنزلة: صه، ومه ونحوهما، فيشبَّه ها هنا به في ذلك الموضع.
وإنَّما كسروا فعال ها هنا، لأنَّهم شبهوها بها في الفعل.
ومما جاء اسماً للمصدر قول الشاعر النابغة:
إنّا اقْتَسَمْنا خطَّتينا بيننا ... فَحَمَلْتُ بَرّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ
ففجار معدول عن الفجرة.
وقال الشاعر:
فقال امْكُثِي حتَّى يَسارِ لَعَلَّنا ... نحجُّ معاُ قالتْ: أعاماً وقابله
فهي معدولة عن الميسرة.
وأجري هذا الباب مجرى الذي قبله أنه عدل كما عدل، ولأنَّه مؤنّث بمنزلته.
وقال الشاعر الجعدي:
وذكرتَ مِن لَبَنِ المحلَّق شُرْبةً ... والخَيْلُ تَعْدو بالصعَّيد بَدَادِ
فهذا بمنزلة قوله: تعدو بدداً، إَّلا أنَّ هذا معدولٌ عن حده مؤنثاً.
وكذلك عدلت عليه مساس.
والعرب تقول: أنت لا مساس، ومعناه لا تمسنُّي ولا أمسُّك.
ودعني كفاف، فهذا معدول عن مؤنث وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المؤنث الذي عدل عنه بداد وأخواتها.
ونحو ذا في كلامهم.
ألا تراهم قالوا: ملامح ومشابه وليالٍ، فجاء جمعه على حدِّ ما لم يستعمل في الكلام، لا يقولون: ملمحة ولا ليلاة.
ونحو ذا كثير.
قال الشاعر، الملتمس:
جَمادِ لها جَمادِ ولا تَقولي ... طَوالَ الدهرِ ما ذُكِرَتْ حَمادِ
فهذا بمنزلة جموداً؛ ولا تقولي: حماد عدل عن قوله: حمداً لها، ولكنه عدل عن مؤنث كبداد.
وأما ما جاء معدولاً عن حده من بنات الأربعة فقوله:
قالت: له ريحُ الصَّبا قَرْقارِ
فإنَّما يريد بذلك قال له: قرقر بالرَّعد للسَّحاب، وكذلك عرعار، وهو بمنزلة قرقار، وهي لعبة وإنمَّا هي من عرعرت.
ونظيرها من الثلاثة خراج، أي اخرجوا، وهب لعبة أيضاً.
واعلم أنَّ جميع ماذكرنا إذا سميت به امرأةً فإنَّ بني تميم ترفعه وتنصبه وتجريه مجرى اسمٍ لا ينصرف؛ وهو القياس، لأنَّ هذا لم يكن اسماً علما، فهو عندهم بمنزلة الفعل الذي يكون فعال محدوداً عنه، وذلك الفعل افعل؛ لأن فعال لا يتغير عن الكسر، كما أنَّ افعل لا يتغير عن حال واحدة.
فإذا جعلت افعل اسماً لرجل أو امرأة تغَّير وصار بمنزلة الأسماء، فينبغي لفعال التي هي معدولة عن افعل أن تكون بمنزلة بل هي أقوى.
وذلك أنَّ فعال اسمٌ للفعل، فإذا نقلته إلى الإسم إلى شيء هو مثله والفعل إذا نقلته إلى الاسم إلى الاسم نقلته إلى الاسم نقلته إلى شيء هو منه أبعد.
وكذلك كل فعال إذا كانت معدولة عن غير افعل إذا جعلتها اسماً، لأنَّك إذا جعلتها علماً فأنت لا تريد ذلك المعنى.
وذلك نحو حلاق التي هي معدولة عن الحالقة، وفجار التي هي معدولة عن الفجرة، وما أشبه هذا.
ألا ترى أنَّ بني تميم يولون: هذه قطام وهذه حذام؛ لأنَّ هذه معدولة عن حاذمة، وقطام معدولة عن قاطمة أو قطمة وإنمَّا كل واحدةٍ منهما معدولةٌ
عن الاسم هو علم ليس عن صفة، كما أن عمر معدول عن عامرٍ علماً لا صفةً.
لولا ذلك لقلت: هذا العمر، تريد: العامر.
وأما أهل الحجاز فلما رأوه اسماً لمؤنث ورأوا ذلك البناء على حاله لم يغيِّروه؛ لانَّ البناء واحد، وهو ههنا اسم للمؤنث كما كان ثمَّ اسماً للمؤنث، وهو ههنا معرفة كما كان ثمَّ، ومن كلامهم أن يشبهٍّوا الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء.
وسترى ذلك إن شاء الله، ومنه ما قد مضى.
فأما ما كان آخره راءً فإنَّ أهل الحجاز وبني تميم فيه متفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتفقوا في يرى، والحجازية هي اللغة الأولى القدمى.
فزعم الخليل: أن إجناح الألف أخفُّ عليهم، يعني: الإمالة، ليكون العمل من وجهٍ واحد، فكرهوا ترك الخفة وعلموا أنهَّم إن كسروا الراء وصلوا إلى ذلك، وأنهَّم إن رفعوا لم يصلوا.
وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء.
قال الأعشى:
ومرَّ دهرٌ على وَبارِ ... فهَلَكَتْ جَهْرةً وَبارُ
والقوافي مرفوعة.
فمما جاء وآخره راءٌ: سفار وهو اسم ماء، وحضار وهو اسم كوكب، ولكنَّهما مؤنثان كماوية والشِّعري، كأنَّ تلك اسم الماءة وهذه اسم الكوكبة.
ومما يدلَّك على أن فعال مؤنثة قوله: دعيت نزال، ولم يقل دعي نزال وأنهم لا يصرفون رجلاً سموه رقاش وحذام ويجعلونه بمنزلة رجل سموه يضق وأعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب من فقال ما كان منه بالراء وغير ذلك إذا كان شيء منه اسماً لمذكر لم ينجزّ أبداً، وكان المذكر في هذا بمنزلته إذا سمي بعناقٍ، لأنَّ هذا البناء لا يجيء معدولاً عن مذكّر فيشبَّه به.
تقول: هذا حذام ورأيت حذام قبل، ومررت بحذام قبل سمعت ذلك ممن يوثق بعلمه.
وإذا كان جميع هذا نكرةً انصرف كما ينصرف عمر في النكرة، لأنَّ ذا لا يجيء معدولاً عن نكرة.
ومن العرب من يصرف رقاش وغلاب إذا سمى به مذكَّرا، لا يضعه على التأنيث، بل يجعله اسماً مذكراً كأنه سمى رجلاً بصباح.
وإذا كان الاسم على بناء فعال نحو: حذامٍ ورقاش، لا تدري ما أصله أمعدولٌ أم غير معدول، أم مؤنث أم مذكر، فالقياس فيه أن تصرفه؛ لأنَّ الأكثر من هذا البناء مصروف غير معدولٍ، مثل: الذَّهاب، والصَّلاح والفساد، والربَّاب.
واعلم أن فعال جائزة من كل ما كان على بناء فعل أو فعل أو فعل، ولا يجوز من أفعلت، لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة، إلاَّ أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت ولا تجاوزه.
فمن ذلك: قرقار وعرعار.
واعلم أنَّك إذا قلت: فعال وأنت تأمر امرأة أو رجلاً أو أكثر من ذلك، أنَّه على لفظك إذا كنت تأمر رجلاً واحداً.
ولا يكون ما بعده إلا نصباً؛ لأن معناه افعل كما أنَّ ما بعد افعل لا يكون إلا نصباً.
وإنما منعهم أن يضمروا في فعال الاثنين والجميع والمرأة، لأنهَّ ليس بفعل، وإنما هو اسمٌ في معنى الفعل.
واعلم أن فعال ليس بمطرد في الصفات نحو: حلاق، ولا في مصدر نحو: فجار، وإنَّما يطرد هذا الباب في النداء وفي الأمر.
باب تغيير الأسماء المبهمة إذا صارت علاماتٍ خاصة وذلك: ذا، وذي، وتا، وألا، وألاء وتقديرها أولاع.
فهذه الأسماء لما كانت مبهمة تقع على كلّ شكل شيء، وكثرت في كلامهم، خالفوا بها ما سواها
من الأسماء في تحقيرها وغير تحقيرها، وصارت عندهم بمنزلة لا وفي نحوها، وبمنزلة الأصوات نحو: غاق وحاء.
ومنهم من يقول: غاقٍ وأشباهها؛ فإذا صار اسماً عمل فيه ما عمل بلا؛ لأنَّك قد حولته إلى تلك الحال كما حولت لا.
وهذا قول يونس والخليل ومن رأينا من العلماء، إلا أنك لا تجري ذا اسم مؤنث لأنه مذكر إلا في قول عيسى، فإنه كان يصرف امرأة سميتّها: بعمرو.
وأم ذي فبمنزلة: في، وتا بمنزلة: لا.
وأما ألاء فتصرفه اسم رجل وترفعه وتجره وتنصبه، وتغيره كما غيرت هيهات لو سميت رجلاً به، وتصرفه لأنه ليس فيه شيء مما لا ينصرف به.
وأما ألا فبمنزلة: هدىً منوَّنا، وليس بمنزلة: حجا ورمى لأنَّ هذين مشتقان، وألا ليس بمشتق ولا معدولا، وإنَّما ألا وآلاء بمنزلة: البكا والبكاء، إنمَّا هما لغتان.
وأمَّا الذي فإذا سميت به رجلاً أو بالتي أخرجت الألف واللام لأنك تجعله علماً له، ولست تجعله ذلك الشيء بعينه كالحارث، ولو أردت ذلك لأثبتّ الصلة.
وتصرفه وتجربه مجري عمٍ.
وأمّا اللائي واللاتي فبمنزلة: شآتي وضاري، وتحرج منه الألف واللام.
ومن حذف الياء رفع وجرَّ ونصب أيضاً، لأنه بمنزلة الباب.
فمن أثبت الياء جعلها بمنزلة قاضي، وقال فيمن قال: اللاء ولاء، لأنه يصيرها بمنزلة بابٍ حرف الإعراب العين، وتخرج الألف واللام هاهنا كما أخرجتهما في الذي وكذلك: ألا في معنى الذين بمنزلة: هديٍ.
وسألت الخليل: عن ذين اسم رجل فقال: هو بمنزلة رجلين ولا أغيِّره لأنه لا يختلُّ الاسم لأن يكون هكذا.
وسألته: عن رجل سمَّي بأولى من قوله: نحن أولو قوَّةٍ وأولو بأسٍ شديد، أو بذوي، فقال: أقول هذا ذوون، وهذا ألون، لأني لم أضف، وإنما ذهبت النون في الإضافة.
وقال الكميت:
فلا أَعْنِي بذلك أَسْفَلِيكم ... ولكنّي أُريد به الذّوينَا
قلت: فإذا سميت رجلاً بذي مالٍ هل تغيره؟ قال لا، ألا تراهم قالوا: ذو يزنٍ منصرف، فلم يغيروه كأبي فلانٍ، فذا من كلامهم مضاف؛ لأنهَّ صار المجرور منتهى الاسم، وآمنوا التنوين وخرج من حال التنوين حيث أضفت،
ولم يكن منتهى الاسم، واحتملت الإضافة ذا كما احتملت أبازيدٍ، وليس مفردٌ آخره هكذا فاحتملته كما احتملت الهاء عرقوةٌ.
وسألته عن أمسٍ اسم رجل؟ فقال: مصروفٌ؛ لأن أمس ليس هاهنا على الحد ولكنَّه لما كثر في كلامهم وكلن من الظروف تركوه على حالٍ واحدة، كما فعلوا ذلك بأين؛ وكسروه كما كسروا غاقٍ، إذ كانت الحركة تدخله لغير إعراب، كما أنَّ حركة غاق لغير إعراب.
فإذا صار اسماً لرجل انصرف؛ لأنكَّ قد نقلته إلى غير ذلك الموضع، كما أنكَّ إذا سميّت بغلق صرفته.
فهذا يجري مجرى هذا، كما جرى ذا مجرى لا.
واعلم أنَّ بني تميم يقولون في موضع الرفع: ذهب أمس بما فيه، وما رأيته مذ أمس، فلا يصرفون في الرَّفع، لأنهم عدلوه عن الأصل الذي هو عليه في الكلام لا عن ما ينبغي له أن يكون عليه في القياس.
ألا ترى أنَّ أهل الحجاز يكسرونه في كلّ المواضع، وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في النصب والجر، فلما عدلوه عن أصله في الكلام ومجراه تركوا صرفه كما تركوا صرف أخر حين فارقت أخواتها في حذف الألف واللام منها، وكما تركوا صرف سحر ظرفاً؛ لأنه إذا كان مجروراً أو مرفوعاً أو منصوباً غير ظرف لم يكن معرفةً إلا وفيه الألف واللام، أو يكون نكرةً إذا أخرجتا منه، فلمّا
صار معرفةً في الظرف بغير ألف ولام خالف في هذه المواضع، وصار معدولاً عندهم كما عدلت أخر عندهم.
فتركوا صرفه في هذا الموضع كما ترك صرف أمس في الرفع.
وإن سميت رجلاً بأمس في هذا القول صرفته، لأنهَّ لا بد لك من أن تصرفه في الجر والنصب، لأنه في الجر والنصب مكسورٌ في لغتهم، فإذا انصرف في هذين الموضعين انصرف في الرَّفع، لأنك تدخله في الرفع وقد جرى له الصَّرف في القياس في الجر والنصب؛ لأنكَّ لم تعدله عن أصله في الكلام مخالفاً للقياس.
ولا يكون أبداً في الكلام اسمٌ منصرف في الجر والنصب ولا ينصرف في الرفع.
وكذلك سحر اسم رجل تصرفه، وهو في الرجل أقوى؛ لأنه لا يقع ظرفاً ولو وقع اسم شيء وكان ظرفاً.
صرفته وكان كأمس لو كان أمس منصوباً غير ظرف مكسورٍ كما كان.
وقد فتح قوم أمس في مذ لما رفعوا وكانت في الجر هي التي ترفع، شَّبهوها بها.
قال:
لقد رأيتُ عَجَباً مُذْ أمْسَا ... عَجائزاً مِثْلَ السَّعالي خَمْسَا
وهذا قليل.
وأما ذه اسم رجل فأنَّك تقول: هذا ذهٌ قد جاء، والهاء بدلٌ من الياء في قولك ذي أمة الله كما أن ميم فمٍ بدلٌ من الواو.
والياء التي في قولك: ذهي أمة الله، إنما هي ياءٌ ليست من الحرف، وإنما هي لبيان الهاء.
فإذا صارت اسماً لم تحتج إلى ذلك لما لزمتها الحركة والتنوين، والدَّليل على ذلك أنَّك إذا سكت: ذه.
وسمعنا العرب الفصحاء يقولون: ذه أمة الله، فيسكنون الهاء في الوصل كم يقولون: بهم في الوصل.
هذا باب الظروف المبهمة غير المتمكنة وذلك لأنهَّا لا تضاف ولا تصرَّف تصرَّف غيرها، ولا تكون نكرة.
وذاك: أين، ومتى، وكيف، وحيث، وإذ، وإذا، وقبل، وبعد.
فهذه الحروف وأشباهها لما كانت مبهمة غير متمكنة شبِّهت بالأصوات وبما ليس باسمٍ ولا ظرف.
فإذا التقى في شيء منها حرفان ساكنان حركوا الآخر
منهما.
وإن كان الحرف الذي قبل الآخر متحرَّكا أسكنوه كما قالوا: هل، وبل، وأجل، ونعم، وقالوا: جير فحركوه لئلا يسكن حرفان.
فأمّا ما كان غايةً نحو: قبل، وحيث فإنَّهم يحركونه بالضمة.
وقد قال بعضهم: حيث، شبهَّوه بأين.
ويدلَّك على أن قبل وبعد غير متمكنين أنه لا يكون فيهما مفردينٍ ما يكون فيهما مضافين؛ لا تقول: قبل وأنت تريد أن تبني عليها كلاماً، ولا تقول: هذا قبل، كما تقول: هذا قبل العتمة، فلمّا كانت لا تمكَّن، وكانت تقع على كلّ، شبهّت حين بالأصوات وهل وبل؛ لأنهَّا ليست متمكنة.
وجزمت لدن ولم تجعل كعند لأنَّها لا تمكن في الكلام تمكن عند ولا تقع في جميع مواقعه، فجعل بمنزلة قط لأنها غير متمكنة.
وكذلك قط وحسب، إذا أردت ليس إلاَّ وليس إَّلا وليس إَّلا ذا.
وذا بمنزلة قطُّ إذا أردت الزمان، لما كن غير متمكنات فعل بهنَّ ذا.
وحركوا قطُّ وحسب بالضمة لأنهمَّا غايتان.
فحسب للانتهاء، وقط كقولك: منذ كنت.
وأما لد فهي محذوفةً، كما حذفوا يكن.
ألا ترى أنَّك إذا أضفت إلى مضمر رددته إلى الأصل، تقول: من لدنه ومن لدني؛ فإنمَّا لدن كعن.
وسألت الخليل عن معكم ومع، لأيِّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنَّها استعملت غير مضافة اسماً كجميع، ووقعت نكرة، وذلك قولك: جاءا معاً
وذهبا معاً وقد ذهب معه، ومن معه، صارت ظرفاً، فجعلوها بمنزلة: أمام وقداَّم.
قال الشاعر فجعلها كهل حين اضطر، وهو الراعي:
وريشي منكمُ وهَوايَ مَعْكُمْ ... وإنْ كانت زِيارتُكُمْ لماما
وأمّا منذ فضمّت لأنهَّا للغاية، ومع ذا أن من كلامهم أن يتبعوا الضمَّ الضمَّ، كما قالوا: ردُّ يافتى.
وسألت الخليل عن من عل، هلا جزمت اللام؟ فقال: لأنهَّم قالوا: من علٍ، فجعلوها بمنزلة المتمكّن، فأسبه عندهم من معالٍ، فلما أرادوا أن يجعل بمنزلة قبل وبعد حرَّكوه كما حركوا أوَّل فقالوا: ابدأ بهذا أوَّل، كما قالوا: يا حكم أقبل في النداء؛ لأنهَّما لما كانت أسماء متمكنة كرهوا أن يجعلوها
بمنزلة غير المتمكنة، فلهذه الأسماء من التمكن ماليس من التمكن ما ليس لغيرها، فلم يجعلوها في الإسكان بمنزلة غيرها وكرهوا أن يخلوا بها.
وليس حكم وأوَّل ونحوهما كالذَّي ومن؛ لأنهَّا لا تضاف ولا تتم اسماً، ولا تكون نكرة، ومن أيضاً لا تتم اسما في الخبر، ولا تضاف كما تضاف أيٌ، ولا تنوَّن كما تنوَّن أيٌّ.
وجميع ما ذكرنا من الظروف التي شبهت بالأصوات ونحوها من الأسماء غير الظروف إذا جعل شيء منها اسماً لرجل أو امرأة تغيَّر، كما تغيَّر لو وهل وبل وليت، كما فعلت ذلك بذا وأشباهها؛ لأن ذا قبل أن تكون اسما خاصاً كمن، في أنهَّ لا يضاف ولا يكون نكرةً، فلم يتمكن تمكُّن غيره من الأسماء.
وسألت الخليل عن قولهم: مذ عامٌ أوَّل، ومذ عامٍ أوَّل فقال: أوَّل ههنا صفة، وهو أفعل من عامك، ولكنَّهم ألزموه هنا الحذف استخفافاً، فجعلوا هذا الحرف بمنزلة أفضل منك.
وقد جعلوه اسماً بمنزلة أفكّلٍ، وذلك قول العرب: ما تركت له أولاً ولا آخراً، وأنا أوَّل منه، ولم يقل رجلٌ أوَّل منه، فلمَّا جاز فيه هذان الوجهان أجازوا أم يكون صفة وأن يكون اسما.
وعلى أي الوجهين جعلته اسماً لرجل صرفته اسماً في النكرة.
وإذا قلت عامٌ أوَّل فإنما جاز هذا الكلام لأنك تعلم به أنك تعني العام الذي يليه عامك، كما أنَّك إذا قلت أوَّل من أمس أو بعد غدٍ فإنمَّا تعني الذي يليه أمس والذي يليه غدٌ.
وأما قولهم: ابدأ به أوَّل وابدأ بها أوَّل فإنمَّا تريد أيضاً أوَّل من كذا، ولكن الحذف جائز جيدِّ، كما تقول: أنت أفضل، وأنت تريد من غيرك.
إلاَّ أن الحذف لزم صفة عامٍ لكثرة استعمالهم إياه حتى استغنوا عنه.
ومثل هذا في الكلام كثير.
والحذف يستعمل في قولهم: ابدأ به أوَّل أكثر.
وقد يجوز أن يظهروه، إلا أنهَّم إذا أظهروه لم يكن إلا الفتح.
وسألته عن قول بعض العرب، وهو قليل: مذ عامٌ أول؟ فقال: جعلوه ظرفاً في ها الموضع، فكأنه قال: مذ عامٌ قبل عامك.
وسألته عن قوله: زيد أسفل منك؟ فقال: هذا ظرف، كقوله عز وجل: " والرَّكب أسفل منكم " كأنه قال: زيدٌ في مكانٍ أسفل من مكانك.
ومثل الحذف في أوَّل لكثرة استعمالهم إياه قولهم: لا عليك.
فالحذف في هذا الموضع كهذا.
ومثله: هل لك في ذلك؟ ومن له في ذلك؟ ولا تذكر له حاجة، ولا لك حاجة ونحو هذا أكثر من أن يحصى قال يا لَيْتَها كانت لأهْلي إِبِلاَ أو هُزِلَتْ في جَدْبِ عامٍ أَوَّلاَ يكون على الوصف والظرف.
وسألته عن قوله: من دونٍ، ومن فوقٍ، ومن تحتٍ، ومن قبلٍ، ومن بعدٍ، ومن دبرٍ؟ ومن خالف؟ فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة، لأنهَّا تضاف وتستعمل غير ظرف.
ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت، يشبهه بقبل وبعد.
وقال أبو النجم:
أقبٌّ مِنْ تَحْتُ عريضٌ مِنْ عَلُ
وقال آخر:
لا يَحْمِلُ الفارسَ إلاَّ المَلْبُونْ ... المَحْض من أَمامِه ومِنْ دُونْ
وكذلك من أمامٍ ومن قدّامٍ، ومن وراءٍ، ومن قبلٍ، ومن دبرٍ.
وزعم الخليل أنهن نكراتٌ كقول أبي النجم:
يأتي لها من أيمنٍ وأَشْمُلٍ
وزعم أنهّن نكراتٌ إذا لم يضفن إلا معرفة، كما يكون أيمن وأشمل نكرة.
وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه، ويجعلونه كقولك: من يمنةٍ وشأمةٍ، وكما جعلت ضحوةٌ نكرة وبكرة معرفة.
وأما يونس فكان يقول: من قدام، ويجعلها معرفة، وزعم أنهَّ منعه من الصرف أنهَّا مؤنثة.
ولو كانت شأمةٌ كذا لما صرفها وكانت تكون معرفةً.
وهذا مذهبٌ، إلا أنهَّ ليس يقوله أحدٌ من العرب.
وسألنا العلويين والتمَّيميّين، فرأيناهم يقولون: من قد يديمةٍ ومن ورئيِّةٍ لا يجعلون ذلك إلاَّ نكرة، كقولك: صباحاً ومساءً، وعشيةً وضحوةً.
فهذا سمعناه من العرب.
وتقول في النصب على حد قولك: من دونٍ ومن أمامٍ: جلست أماماً وخلفاً، كما تقول يمنةً وشأمةً.
قال الجعدي.
لها فرطٌ يكون ولا تراه ... أماماً من معرسَّنا وودنا
وسألته عن قوله: جاء من أسفل يا فتى؟ فقال: هذا أفعل من كذا وكذا، كما قال عز وجل: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم ".
وسألته عن هيهات اسم رجل وهيهاة؟ فقال: أما من قال: هيهاة فهي عنده بمنزلة علقاة.
والدليل على ذلك أنَّهم يقولون في السكوت: هيهاه.
ومن قال: هيهات فهي عنده كبيضاتٍ.
ونظير الفتحة في الهاء الكسرة في التاء،
فإذا لم يكن هيهات ولا هيهاة علماً لشيء.
فهما على حالهما لا يغيرَّان عن الفتح والكسر؛ لأنهَّما بمنزلة ما ذكرنا مماَّ لم يتمكن.
ومثل هيهاة ذيَّة، إذا لم يكن اسماً، وذلك قولك: كان من الأمر ذيَّة وذيَّة، فهذه فتحةٌ كفتحة الهاء ثمَّ؛ وذلك أنهَّا ليست أسماءً متمكنِّاتٍ، فصارت بمنزلة الصَّوت.
فإن قلت: لم تسكن الهاء في ذيةَّ وقبلها حرف متحرك؟ فإنَّ الهاء ليست ههنا كسائر.
الحروف ألا ترى أنهَّا تبدل في الصلة تاءً وليست زائدة في الاسم، فكرهوا أن يجعلوها بمنزلة ما هو في الاسم ومن الاسم، وصارت الفتحة أولى بها لأن ما قبل هاء التأنيث مفتوح أبداً، فجعلوا حركتها كحركة ما قبلها لقربها منه، ولزوم الفتح، وامتنعت أن تكون ساكنة كما امتنعت عشر في خمسة عشر، لأنهَّا مثلها في أنهَّا منقطعة من الأوَّل، ولم تحتمل أن يسكن حرفان وأن يجعلوهما كحرف.
ونظير هيهات وهيهاة في اختلاف اللغتين، قول العرب: استأصل الله عرقاتهم، واستأصل الله عرقاتهم، بعضهم يجعله بمنزلة عرسٍ وعرساتٍ، كأنك قلت: عرقٌ وعرقان وعرقاتٌ.
وكلاً سمعنا من العرب.
ومنهم من يقول: ذيت فيخفِّف، ففيها إذا خففت ثلاث لغات: منهم من يفتح كما فتح بعضهم حيث وحوث، ويضمّ يعضهم حيث وحوث، ويضم بعضهم كما ضمتها العرب، ويكسرون أيضاً كما أولاء؛ لأنَّ التاء الآن إنمَّا هي بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
وسالت الخليل عن شتّان فقال: فتحها كفتحة هيهاة، وقصتها في غير المتمكن كقصتها ونحوها، ونونها كنون سبحان زائدةٌ.
فإن جعلته اسم رجل فهو كسبحان.
باب الأحيان في الانصراف وغير الانصراف اعلم أن غدوة وبكرة جعلت كلَّ واحدةٍ منهما اسماً للحين، كما جعلوا أمَّ حبينٍ اسماً للدابة معرفة.
فمثل ذلك قول العرب: هذا يوم اثنين مباركاً فيه، وأتيتك يوم اثنين مباركاً فيه.
جعل اثنين اسماً له معرفةً، كما تجعله اسماً لرجل.
وزعم يونس عن أبي عمرو، وهو قوله أيضاً وهو القياس، انكَّ إذا قلت: لقيته العام الأول، أو يوماً من الأيام، ثم قلت: غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون وكذلك إذا لم تذكر العام الأول ولم تذكر، إلاَّ المعرفة ولم تقل يوماً من الأيام، كأنك قلت: هذا الحين في جميع هذه الأشياء.
فإذا جعلتها اسماً لهذا المعنى لم تنوّن.
وكلك تقول العرب.
فأما ضحوةٌ وعشيةٌ فلا يكونان إلاَّ نكرةً على كلّ حال، وهما كقولك: آتيك غذاً وصباحاً ومساءً.
وقد تقول: أتيتك ضحوةً وعشيةً، فيعلم أنكَّ تريد عشيّة يومك وصحوته، كما تقول: عاماً أول فيعلم أنك تريد العام الذي يليه عامك.
وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول: آتيتك اليوم غدوةً وبكرةً، تجعلها بمنزلة ضحوةٍ.
وزعم أبو الخطَّاب أنهَّ سمع من يوثق به من العرب يقول: آتيك بكرةً وهو يريد الإتيان في يومه أو في غده.
ومثل ذلك قول الله عز وجل: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياَّ ". هذا قول الخليل.
وأمَّا سحر إذا كان ظرفا فإنَّ ترك الصرف فيه قد بينته لك فيما مضى.
وإذا قلت: مذ السَّحر أو عند السَّحر الأعلى، لم يكن إلا بالألف واللام.
فهذه حاله، لا يكون معرفةً إلا بهما.
ويكون نكرةً إلا في الموضع الذي عدل فيه.
وأما عشيّةٌ فإنَّ بعض العرب يدع فيه التنوين، كما ترك في غدوة.
هذا باب الألقاب إذا لقَّبت مفرداً بمفرد أضفته إلى الألقاب، وهو قول أبي عمرو، ويونس والخليل، وذلك قولك: هذا سعيد كرزٍ، وهذا قيس قفَّة قد جاء، وهذا زيدٌ بطَّةً، فإنما جعلت قفَّة معرفةً لأنَّك أردت المعرفة التي أردتها إذا قلت:
هذا قيسٌ.
فلو نونت قفةً.
صار الاسم نكرةً، لأن المضاف إنَّما يكون نكرة ومعرفة بالمضاف إليه، فيصير قفة هاهنا كأنها كانت معرفة قبل ذلك ثم أضفت إليها.
ونظير ذلك انه ليس عربيٌّ يقول: هذه شمس فيجعلها معرفة، إلا أن يدخل فيها ألفاً ولاماً.
فإذا قال: عبد شمس صارت معرفة، لأنه أراد شيئاً بعينه، ولا يستقيم أن يكون ما أضفت إليه نكرةً.
فإذا لقَّبت المفرّد بمضاف والمضاف بمفرد، جرى أحدهما على الآخر كالوصف، وهو قول أبي عمرو ويونس والخليل.
وذلك قولك: هذا زيدٌ وزن سبعةٍ، وهذا عبد الله بطَّة يا فتى، وكذلك إن لقبت المضاف بالمضاف.
وإنمَّا جاء هذا مفترقاً هو والأول لأنَّ أصل التسمية والذي وقع عليه الأسماء، أن يكون للرجل اسمان: أحدهما مضاف، والآخر مفرد أو مضاف، ويكون أحدهما وصفاً للآخر؛ وذلك الاسم والكنية، وهو قولك: زيدٌ أبو عمروٍ، وأبو عمرٍو زيدٌ، فهذا أصل التسمية وحدُّها.
وليس من أصل التسمية عندهم أن يكون للرجل اسمان مفردان، فإنما أجروا الألقاب على أصل
التسمية، فأرادوا أن يجعلوا اللفَّظ بالألقاب إذا كانت أسماءًٍ على أصل تسميتهم، ولا يجاوزوا ذلك الحَّد.
باب الشيئين الَّلذين ضم أحدهما إلى الآخر فجعلا بمنزلة اسم واحد كعيضموزٍ وعنتريس وذلك نحو: حضرموت وبعلبك.
ومن العرب من يضيف بعل إلى بكٍّ، كما اختلفوا في رام هرمز، فجعله بعضهم اسماً واحداً، وأضاف بعضهم رام إلى هرمز.
وكذلك مار سرجس، وقال بعضهم:
مارَ سَرْجِسُ لا قِتالاَ
وبعضهم يقول في بيت جرير:
لقيّم بالجزيرة خَيْلَ قيسٍ ... فقلتمْ مارَ سَرْجِسَ لا قِتَالاَ
وأما معد يكرب ففيه لغات: منهم من يقول: معد يكربٍ فيضيف، ومنهم من يقول: معد يكرب فيضيف ولا يصرف، يجعل كرب اسماً مؤنثاً
ومنهم من يقول: معد يكرب فيجعله اسماً واحداً فقلت ليونس: هلا صرفوه إذ جعلوه اسماً واحداً وهو عربي؟ فقال: ليس شيءٌ يجتمع من شيئين فيجعل اسماً سميِّ به واحدٌ إلا لم يصرف.
وإنما استثقلوا صرف هذا لأنَّه ليس أصل بناء الأسماء.
يدلك على هذا قلته في كلامهم في الشيء الذي يلزم كلَّ من كان من أمته ما لزمه، فلما لم يكن هذا البناء أصلاً ولا متمكنِّا كرهوا أن يجعلوه بمنزلة المتمكن الجاري على الأصل، فتركوا صرفه كما تركوا صرف الأعجمي.
وهو مصروف في النكرة، كما تركوا صرف إبراهيم وإسماعيل لأنهما لم يجيئا على مثال ما لا يصرف في النكرة كأحمر، وليس بمثال يخرج إليه الواحد للجميع نحو: مساجد ومفاتيح، وليس بزيارة لحقت لمعنىً كألف حبلى، وإنمَّا هي كلمة كهاء التأنيث، فثقلت في المعرفة إذ لم يكن أصل بناء الواحد؛ لأنَّ المعرفة أثقل من النكرة.
كما تركوا صرف الهاء في المعرفة وصرفوها في النكرة لما ذكرت بك، فإنما معد يكرب واحدٌ كطلحة، وإنما بني ليلحق بالواحد الأول المتمكن، فثقل في المعرفة لما ذكرت بك، ولم يحتمل ترك الصرف في النكرة.
وأما خمسة عشر وأخواتها وحادي عشر وأخواتها، فهما شيئان جعلا شيئاً واحداً.
وإنمَّا أصل خمسة عشر: خمسةٌ، وعشرةٌ، ولكنهم جعلوه
بمنزلة حرف واحد.
وأصل حادي عشر أن يكون مضافاً كثالث ثلاثةٍ، فلمَّا خولف به عن حال أخواته مما يكون للعدد خولف به وجعل كأولاء، إذ كان موافقاً له في أنهَّ مبهم يقع على كل شيء.
فلمَّا اجتمع فيه هذان أجري مجراه، وجعل كغير المتمكن.
والنون لا تدخله كما تدخل غاقٍ، لأنَّها محالفة لها ولضربها في البناء؛ فلم يكونوا لينونوا لأنهَّا زائدة ضمت إلى الأول، فلم يجمعوا، عليه هذا والتنوين.
ونحو هذا في كلامهم: حيص بيص مفتوحة، لأنهَّا ليست متمكِّنة.
قال أمية بن أبي عائذ
قد كنتُ خَرّاجا وَلُوجاً صَيْرَفاً ... لم تلتَحِصْني حَيْصَ بَيْصَ لَحاصِ
واعلم أنَّ العرب تدع خمسة عشر في الإضافة والألف واللام على حال
واحدة، كما تقول: اضرب أيهُّم أفضل، وكالآن، وذلك لكثرتها في الكلام وأنهَّا نكرة فلا تغيَّر.
ومن العرب من يقول: خمسة عشرك، وهي لغة رديئة.
ومثل ذلك: الخازباز، وهو عند بعض العرب: ذبابٌ يكون في الرَّوض، وهو عند بعضهم: الداء، جعلوا لفظه كلفظ نظائره في البناء، وجعلوا آخره كسراً كجير وغاق؛ لأنَّ نظائره في الكلام التي لم تقع علاماتٍ إنما جاءت متحركة بغير جرٍ ولا نصب ولا رفع، فألحقوه بما بناؤه كبنائه، كما جعلوا حيث في بعض اللغات كأين، وكذلك حينئذٍ في بعض اللغات، لأنَّه مضاف إلى غير متمكن، وليس كأين في كل شيء.
كما جعلوا الآن كأين وليس مثله في كل شيء، ولكنه يضارعه في أنه ظرف، ولكثرته في الكلام كما يضارع حينئذٍ أين في أنه أضيف إلى اسم غير متمكن.
فكذلك صار هذا: ضارع خمسة عشر في البناء، وأنهَّ غير علم.
ومن العرب من يقول: الخربار، ويجعله بمنزلة سربال.
قال الشاعر:
مِثْلُ الكِلابِ تهرَّ عند دِرَابِها ... وَرِمَتْ لَهازِمُها من الخرباز
وأما صهيل التي للأمر فمن شيئين يدلك على ذلك حي على الصلاة وزعم أبو الحطَّاب: أنهَّ سمع من يقول: حي هل الصلاة.
والدَّليل على أنهما جعلا اسماً واحداص قول الشاعر:
وهيَّج الحيَّ مِن دارٍ فظلَّ لهم ... يومٌ كثيرٌ تناديه وحيَّهله
والمواقي مرفوعة.
وأنشدناه هكذا أعرابيٌّ من أفصح الناس، وزعم أنه شعر أبيه.
وقد قال بعضهم: الخازباء، جعلها بمنزلة: القاصعاء والنافقاء.
وجميع هذا إذا صار شيءٌ منه علماً أعرب وغيِّر، وجعل كحضرموت، كما غيرّت أولاد واذ ومن والأصوات ولو ونحوها، حين كنَّ علامات.
قال الشاعر، وهو الجعدي:
بحيهَّلا يُزْجونَ كلَّ مطيّةٍ ... أَمامَ المطايا سَيْرُها المُتقاذِفُ
وقال بعضهم:
وجنَّ الخازِبازِ به جُنونَا
ومن العرب من يقول: هو الخازباز والخازباز، وخازبازٍ فيجعلها كحضرموتٍ.
ومن العرب من يقول: حيهَّلا، ومن العرب من يقول: حهيَّل إذا وصل، وإذا وقف أثبت الألف.
ومنهم من لا يثبت الألف في الموقف والوصل.
وقد قال بعضهم: الخازباز جعله بمنزلة حضرموت.
وأما عمرويه فإنهَّ زعم أنه أعجميٌّ، وأنه ضربٌ من الأسماء الأعجمية، وألزموا آخره شيئاً لم يلزم الأعجمية، فكما تركوا صرف الأعجمية جعلوا ذا بمنزلة الصوَّت، لأنهمَّ رأوه قد جمع أمرين، فحطوه درجةً عن إسماعيل وأشباهه؛ وجعلوه في النكرة بمنزلة غاقٍ، منونةً مكسورة في كلِّ موضع.
وزعم الخليل: أن اللذين يقولون: غاق غاق، وعاء وحاء، فلا ينونون فيها ولا في أشباهها، أنها معرفة، وكأَّنك قلت في عاء وحاء الإتباع، وكأنه قال: قال الغراب هذا النحو.
وأنَّ الذين قالوا: عاء وحاء وغاقٍ، جعلوها نكرة.
وزعم الخليل: أن الذين قالوا: صهٍ ذاك أرادوا النكرة، كأنهم قالوا: سكوتاً: إيهٍ وإيهاً وويهٍ وويهاً، إذا وقفت قلت: ويهاً، ولا يقول: إيهٍ في الوقف.
وإيهاً وأخواته نكرةٌ عندهم، وهو صوتٌ.
وعمرويه عندهم بمنزلة حضرموت، في أنهَّ ضم الآخر إلى الأول.
وعمرويه في المعرفة مكسورة في حال الجر والرفع والنصب غير منوَّن.
وفي النكرة تقول: هذا عمرويهٍ آخر، ورأيت عمرويهٍ آخر.
وسألت الخليل عن قوله: فداءٍ لك، فقال: بمنزلة أمس؛ لأنهَّا كثرت في كلامهم، والجرُّ كان أخفَّ عليهم من الرفع إذ أكثروا استعمالهم إيَّاه، وشبهوه بأمس، ونون لأنه نكرة.
فمن كلامهم أن يشبِّهوا الشيء بالشيء وإن كان ليس مثله في جميع الأشياء.
وأما يوم يومٍ، وصباح مساءٍ، وبيت بيتٍ، وبين بينٍ، فإنَّ
العرب تختلف في ذلك: يجعله بعضهم بمنزلة اسمٍ واحد، وبعضهم يضيف الأوّل إلى الآخر ولا يجعله اسماً واحداً.
ولا يجعلون شيئاً من هذه الأسماء بمنزلة اسمٍ واحد إلا في حال الظرف أو الحال، كما يجعلوا: يا ابن عمَّ ويا ابن أمَّ بمنزلة شيء واحدٍ إلا في حال النداء.
والآخر من هذه الأسماء في موضع جر، وجعل لفظه كلفظ الواحد وهما اسمان أحدهما مضاف إلى الآخر.
وزعم يونس، وهو رأيه، أنَّ أبا عمرٍو كان يجعل لفظه كلفظ الواحد إذا كان شيءٌ منه ظرفاً أو حالا.
وقال الفرزدق:
ولولا يَوْمُ يومٍ ما أردنا ... جَزاءَك والقُروضُ لها جَزاءُ
فالأصل في هذا والقياس الإضافة.
فإذا سميت بشيء من هذا رجلاً أضفت، كما أنَّك لو سميته ابن عم لم يكن إلا على القياس.
وتقول: أنت تأتينا في كل صباح مساءٍ، ليس إلاَّ.
وجعل لفظهنَّ في ذلك الموضع كلفظ خمسة عشر، ولم يبن ذلك البناء في غير هذا الموضع.
وهذا قول جميع من نثق بعلمه وروايته عن العرب.
ولا أعلمه إلا قول الخليل.
وزعم يونس: أن كفة كفّةٍ كذلك، تقول: لقيته كفة كفّةٍ، وكفة كفة.
والدليل على أنَّ الآخر مجرور ليس كعشر من خمسة، أنَّ يونس زعم أن رؤية كان يقول: لقيته كفةً عن كفّةٍ يا فتى.
وإنمَّا جعل هذا هكذا في الظرف والحال لأنَّ حد الكلام وأصله أن يكون ظرفاً أو حالاً.
وأمَّا أيادي سبا وقالي قلا، وبادي بدا، فإنما هي بمنزلة: خمسة عشر.
تقول: جاءوا أيادي سبا.
ومن العرب من يجعله مضافاً فينون سباً.
قال الشاعر، وهو ذو الرمة:
فيالكِ من دارٍ تحمَّل أهلُها ... أيادِي سَباً بعدي وطال احتيالُهَا
فينون ويجعله مضافاً كمعد يكربٍ.
وأما قوله: كان ذلك بادي بدا؛ فإنهَّم جعلوها بمنزلة: خمسة عشر.
ولا نعلمهم أضافوا، ولا يستنكر أن تضيفها، ولكن لم أسمعه من العرب.
ومن العرب من يقول: بادي بدي.
قال أبو نخيلة:
وقد عَلَتْني ذُرْأةٌ بادِي بَدِي ... ورثَيْةٌ تَنْهَضُ في تَشَدُّدِي
ومثل أيادي سبا وبادي بدا قوله: ذهب شغر بغر.
ولا بد من أن يحرِّكوا آخره كما ألزموا التحريك الهاء في ذيَّة ونحوها؛ لشبه الهاء بالشيء الذي ضم إلى الشيء.
وأما قالي قلا فمنزلة حضرموت.
قال الشاعر:
سيُصْبِحُ فوقي أقْتَمُ الرِّيشِ واقِعاً ... بِقاليِ قَلاَ أومِن وراء دَبِيلِ
وسألت الخليل عن الياءات لم لم تنصب في موضع النصب إذا كان
الأول مضافاً، وذلك قولك: رأيت معد يكرب، واحتملوا أيادي سباً؟ فقال: شبَّهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عرَّوها من الرفع والجر، فكما عروا الألف منهما عرَّوها من النصب أيضاً، فقالت الشعراء حيث اضطرّوا، وهو رؤية: سوَّي مساحيهنَّ تَقْطيطَ الْحُقَقْ وقال بعض السّعدييِّن: يا دار هند عفت إلاَّ أثافيها وإنما اختصت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لأنهم يجعلون الشيئين ههنا
اسماً واحداً، فتكون الياء غير حرف الإعراب، فيسكنونها ويشبِّهونها بياء زائدة ساكنةٍ نحو ياء دردبيس ومفاتيح.
ولم يحركوها كتحريك الراء في شغر لاعتلالها، كما لم تحرك قبل الإضافة وحركت نظائرها من غير الياءات، لأن للياء والواو حالاً ستراها إن شاء الله، فألزموها الإسكان في الإضافة ههنا إذ كانت قد تسكن فيما لا يكون وما بعده بمنزلة اسمٍ واحدٍ في الشعر.
ومثل ذلك قول العرب: لا أفعل ذاك حيرى دهرٍ.
وقد زعموا أن بعضهم ينصب الياء، ومنهم من يثقل الياء أيضاً.
وأما اثنا عشر فزعم الخليل أنه لا يغير عن حاله قبل التسمية، وليس بمنزلة خمسة عشر، وذلك أن الإعراب يقع على الصدر فيصير اثنا في الرفع، واثني في النصب والجر، وعشر بمنزلة النون ولايجوز فيها الإضافة.
كما لا يجوز في مسلمين، ولا تحذف عشر مخافة أن يلتبس بالاثنين فيكون علم العدد قد ذهب.
فإن صار اسم رجل فأضفت حذفت عشر لأنك لست تريد العدد، وليس بموضع التباس، لأنك لا تريد أن تفرق بين عددين فإنما هو بمنزلة زيدين.
وأما أخول أخول فلا يخلو من أن يكون كشغر بغر، وكيوم يوم.
باب ما ينصرف ومالا ينصرف من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات منهن لامات اعلم أن كل شيء كانت لامه ياء أو واواً، ثم كان قبل الياء والواو حرفٌ مكسور أو مضموم، فإنها تعتلُّ وتحذف في حال التنوين، واواً كانت أو ياءً، وتلزمها كسرة قبلها أبداً، ويصير اللفظ بما كان من بنات الياء والواو سواء.
واعلم أن كل شيء من بنات الياء والواو كان على الصفة فإنه ينصرف في حال الجر والرفع.
وذلَّك أنَّهم حذفوا الياء فخف عليهم، فصار التنوين عوضاً.
وإذا كان شيء منها في حال النصب نظرت: فإن كان نظيره من غير المعتلة مصروفاً صرفته، وإن كان غير مصروف لم تصرفه؛ لأنَّك تتم في حال النصب كما تتم غير بنات الياء والواو.
وإذا كانت الياء زائدة وكانت حرف الإعراب، وكان الحرف الذي قبلها كسراً فإنها بمنزلة الياء التي من نفس الحرف، إذ كانت حرف الإعراب.
وكذلك الواو تبدل كسرةً إذا كان قبلها حرف مضموم وكانت حرف الإعراب وهي زائدة: تصير بمنزلتها إذا كانت من نفس الحرف وهي حرف الإعراب.
فمن الياءات والووات اللواتي ما قبلها مكسورٌ قولك: هذا قاضٍ، وهذا غازٍ، وهذه مغاز، وهؤلاء جوارٍ.
وما كان ما منهن ما قبله مضموم فقولك: هذه أدلٍ وأظبٍ، ونحو ذلك.
هذا ما كانت الياء فيه والواو من نفس الحرف.
وأما ما كانت الياء فيه زائدة وكان الحرف قبلها مكسوراً فقولك: هذه ثمانٍ وهذه صحارٍ، ونحو ذلك.
وأما ما كانت الواو فيه زائدة وكان الحرف قبلها مضموماً فقولك: هذه عرق كما ترى، إذا أرت جمع عرقوة.
قال الرجز:
حتَّى تُقضِّي عَرْقِيَ الدلىِّ
وجميع هذا في حال النصب بمنزلة غير المعتل.
ولو سميت رجلاً بقيل فيمن ضم القاف كسرتها اسماً حتى تكون كبيضٍ.
واعلم أنَّ كل ياء أو واو كانت لاماً، وكان الحرف قبلها مفتوحاً، فإنَّها مقصورة تبدل مكانها الألف، ولا تحذف في الوقف، وحالها في التنين وترك التنوين بمنزلة ما كان غير معتل؛ إلاَّ أنَّ الألف تحذف لسكون التنوين ويتمُّون الأسماء في الوقف.
وإن كانت الألف زائدة فقد فسرنا أمرها.
وإن جاءت في جميع ما لا ينصرف فهي غير منونة، كما لا ينون غير
المعتل، لأنَّ الاسم متمٌّ.
وذلك قولك: عذارى وصحارى، فهي الآن بمنزلة مدارى ومعايا لأنها مفاعل، وقد أتم وقلبت ألفاً.
وإن كانت الياء والواو قبلها حرف ساكن وكانت حرف الإعراب، فهي بمنزلة غير المقتل وذلك نحو قولك ظبيٌ ودلوٌ وسألت الخليل عن رجل يسمى بقاض فقال هو بمنزلة قبل أن يكون اسماً في الوقف والوصل وجميع الأشياء كما أن مثنى ومعلى إذا كان إسماً فهو إذا كانت نكرة، ولا يتغير هذا عن حالٍ كان عليها قبل أن يكون اسماً كما لم يتغيَّر معلَّى، وكذلك عمٍ.
وكل شيء كان من بنات الياء والواو انصرف نظيره من غير المعتل فهو بمنزلته.
وسألت الخليل عن رجل يسمى بجوارٍ، فقال: هو في حال الجر والرفع بمنزلته قبل أن يكون اسماً.
ولو كان من شأنهم أن يدعوا صرفه في المعرفة لتركوا صرفه قبل أن يكون معرفة، لأنَّه ليس شيء من الانصراف بأبعد من مفاعل، فلو امتنع من الانصراف في شيء لامتنع إذا كان مفاعل وفواعل ونحو ذلك.
قلت: فإن جعلته اسم امرأة؟ قال: أصرفها؛ لأن هذا التنوين جعل عوضاً، فيثبت إذا كان عوضاً كما ثبتت التنوينة في أذرعات إذ صارت كنون مسلمين.
وسألته عن قاضٍ اسم امرأة، فقال: مصروفة في حال الرفع والجر، تصير ههنا بمنزلتها إذ كانت في مفاعل وفواعل.
وكذلك أدلٍ اسم رجل عنده؛ لأنَّ العرب اختارت في هذا حذف الياء إذا كانت في موضع غير تنوين في الجر والرفع، وكانت فيما لا ينصرف، وأن يجعلوا التنوين عوضاً من الياء ويحذفوها.
وسألته عن رجلٍ يسمَّى أعمى فقلت: كيف تصنع به إذا حقرته؟ فقال: أقول: أعيمٍ، أصنع به ما صنعت به قبل أن يكون اسماً لرجل؛ لأنَّه لو كان يمتنع من التنوين ههنا لامتنع منه في ذلك الموضع قبل أن يكون اسماً لرجلٍ، كما أنَّ أحيمر وهو اسمٌ لرجل وغير اسم سواءٌ.
ومن أبى هذا فخذه بقاضٍ اسم امرأة، فإن لم يصرفه فخذه بجوارٍ فجوارٍ فواعل، وفواعل أبعد من الصرف من فاعل معرفةً وهو اسم امرأة، لأنَّ ذا قد ينصرف في المذكر، وفواعل لا يتغير على حال، وفاعلٌ بناءٌ ينصرف في الكلام معرفةً ونكرةً وفواعل بناء لا ينصرف.
فأشد أحوال قاضٍ اسم امرأة أن يكون بمنزلة هذا المثال الذي لا ينصرف البتَّة في النكرة.
فإن كانت هذه، يعني قاض،
لا تنصرف ههنا لم تنصرف إذا كانت في فواعل.
فإن صرف فجوارٍ قبل أن يكون اسماً بمنزلة قاضٍ اسم امرأة.
وسألته عن رجل يسمَّى برمي أو أرمي؟ فقال: أنوِّنه، لأنَّه إذا صار اسماً فهو بمنزلة قاضٍ إذا كان اسم امرأة.
وسألت الخليل فقلت: كيف تقول مررت بأفيعل منك، من قوله مررت بأعيمي منك؟ فقال: مررت بأعيمٍ منك، لأنَّ ذا موضع تنوين.
ألا ترى بأنك تقول: مررت بخيرٍ منك، وليس أفعل منك بأثقل من أفعل صفة.
وأما يونس فكان ينظر إلى كل شيء من هذا إذا كان معرفة كيف حال نظيره من غير المعتل معرفةً، فإذا كان لا ينصرف لم ينصرف، يقول: هذا جواري قد جاء، ومررت بجواري قبل.
وقال الخليل: هذا خطأٌ لو كان من شأنهم أن يقولوا هذا في موضع الجرّ لكانوا خلقاء أن يلزموا الرفع والجر، إذ صار عندهم بمنزلة غير المعتل في موضع الجر، ولكانوا خلقاء أن ينصبوها في النكرة إذا كانت في موضع الجر، فيقولوا: مررت بجواري قبل، لأنَّ ترك التنوين في ذا الاسم في المعرفة والنكرة على حالٍ واحدة.
ويقول يونس للمرأة تسمَّى بقاضٍ: مررت بقاضي قبل، ومررت بأعيمي منك.
فقال الخليل: لو قالوا هذا لكانوا خلقاء أن يلزموها الجر والرفع، كما قالوا حين اضطروا في الشعر فأجروه على الأصل، قال الشاعر الهذلىّ: