باب ما ينتصب من الأماكن والوقت
وذلك لأنها ظروف تقع فيها الأشياءُ، وتكون فيها، فانتَصب لأنّه
موقوعٌ فيها ومَكون فيها، وعَمِلَ فيها ما قبلها، كما أَنَّ العِلْم إذا قلتَ أنت الرَّجُلُ عِلْماً عَمِلَ فيه ما قبله، وكما عَمِلَ فى الدرهمِ عشرون إذا قلت: عشرون درهما.
وكذلك يَعمل فيها ما بعدها وما قبلها.
فالمكانُ قولُك هو خَلْفَك، وهو قُدّامَك وأَمامَك، وهو تَحْتَكَ وقُبالَتَك، وما أِشبه ذلك.
ومن ذلك قولك أيضاً: هو ناحيةً من الدار، " وهو ناحيةَ الدارِ، وهو ناحيتَك وهو نَحْوَك "، وهو مكاناً صالحاً، ودارُه ذات اليمين، وشرقِىَّ كذا قال الشاعر، وهو جرير:
هَبَّتْ جنوبا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التى شَرْقِىَّ حَوْرانَا
وقالوا: منازلهم يميناً " ويَساراً " وشِمالا.
قال الشاعر، وهو عمرو ابن كلثوم:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأْسُ مَجْراها اليَمينَا
أى على ذاتِ اليمينِ، حدّثنا بذلك يونس عن أبى عمرو، وهو رأيُه.
وتقول: هو قَصْدَك، كما قال الشاعر، وسمعنا بعضَ العرب يُنشِده كذا:
سَرَى بعدما غارَ الثُّرَيَّا وبعدما ... كأنّ الثُّريَّا حِلَّةَ الغَوْرِ مُنْخلُ
أى قَصْدَه، يقال هو حِلَّةَ الغور أى قَصْدَه، سمعنا ذلك ممن يوثق به من العرب.
ويقال: هما خَطَّانِ جَنابَتَىْ أنفِها يعنى الخطَّيْن اللّذَيْنِ اكتَنفا جنَبْى أنف الظبية.
وقال الشاعر، وهو الأعشى:
نحن الفوارِسُ يومَ الِحنْوِ ضاحِيةً ... جَنبَى فُطَيْمةَ لا مِيلٌ ولا عُزُلُ
فهذا كلُّه انتَصب على ما هو فيه وهو غيرُه، وصار بمنزلة المنوَّن الذى يعمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو قوله: " هو " خَيْرٌ منك عَمَلاً، فصار " هو " خَلفَك، وزيدٌ خلفَك بمنزلة ذلك.
والعاملُ فى خَلْفٍ الذى هو مَوضعٌ له والذى هو فى موضع خبرِه، كما أنَّك إذا قلت: عبدُ الله أخوك فالآخِرُ قد رَفَعَه الأوّلُ وعَمِلَ فيه، وبه استَغنى الكلامُ، وهو منفصِلٌ منه.
ومن ذلك قول العرب: هو موضعَه، وهو مكانَه، وهذا مكانَ هذا، وهذا رجلٌ مكانك، إذا أردتَ البَدَلَ.
كأنَّك قلت: هذا فى مكان ذا، وهذا رجلٌ فى مكانكِ.
ويقال للرجل: اذهبْ معك بفلان، فيقول: معي رجل
مكانَ فلان، أى معى رجلٌ يكونُ بدلاً منه ويُغنِى غَناءه، ويكون فى مكانه.
واعلم أنَّ هذه الأشياء كلّها انتصابُها من وجه واحد.
ومثلُ ذلك: هو صَدَدك، وهو سَقَبَكَ، وهو قُرْبَك.
واعلم أنَّ هذه الأشياءَ كلَّها قد تكون أسماءً غيرَ ظروف، بمنزلة زيد وعمرِو.
سمعنا من العرب من يقول: دارُك ذاتُ اليمينِ.
وقال الشاعر، وهو لبيد:
فَغَدَتْ، كِلاَ الفَرْجَينِ تَحْسَبُِ أنَّه ... مَوْلَى المخَافة خَلْفُها وأَمامُها
ومن ذلك أيضاً: هذا سَواءَك، وهذا رجلٌ سَواءَك فهذا بمنزلة مكانَك إذا جعلتَه في معنى بذلك.
ولا يكون اسماً إلاّ فى الشعر.
قال بعض العرب، لما اضطُرَّ فى الشَّعر جعله منزلة غيرٍ، قال الشاعرُ وهو رجل من الأنصار:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا قعدوا مِنّا ولا من سَوائنَا
وقال الآخَر، وهو الأعشى:
تَجانَفُ عن جَوّ اليَمامةِ ناقتى ... وما قصدت من أهلِها لِسَوائكاَ
ومثل ذلك: أنت كعبْدِ الله، كأَنّه يقول: أنت كعبد الله، أى أنت فى حال كعبد الله، فأُجرى مُجرى بعبدِ الله.
إلاّ أنَّ ناسا من العرب إذا اضطُرُّوا فى الشعر جعلوها بمنزلة مِثْلٍ.
قال الراجز " وهو حُمَيْدٌ الأَرقطُ ":
فصُيَّرُوا مِثلَ كَعَصْفٍ مَأْكولْ
وقال خِطامٌ المُجاشِعى:
وصالياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
ويدلك على أن سواءك وكزيد يمنزلة الظروف، أنَّك تقول: مررتُ بمن سَواءَك وعلى من سواءك، والذى كزيدٍ، فحَسُنَ هذا كحُسْن مَنْ فيها والذى فيها، ولا تَحسن الأسماءُ ههنا ولا تَكثُر فى الكلام.
لو قلتَ: مررتُ بمن فاضِلٌ، أو الذى صالحٌ، كان قبيحا.
فهكذا مَجْرَى كزَيْدٍ وسَواءَك.
وتقول: كيفَ أنت إذا أُقبل قُبْلُك ونُحِىَ نَحْوك، كأَنّه قال: كيف أنت إذا أُريدت ناحيتُك وإذا أُريد ما عندك حين قال: إذا نُحِىَ نَحْوك، وأمّا حين قال: أُقبل قُبْلُك فكأَنّه قال: كيف أنت إذا أُقبلَ النَّقْبَ الرَّكابُ، جعلهما اسمَينِ.
وزعم الخليل رحمه الله أن النصب جيّدٌ إذا جعله ظرفا، وهو بمنزلة قول العرب: هو قَريبٌ منك، وهو قَريباً منك، أى مكانًا قريبا منك.
حدّثنا يونسُ أنَّ العربَ تقول فى كلامها: هَلْ قريباً منك أحدٌ، كقولهم: هل قُرْبَك أحدٌ.
وأمّا دونَك فإِنه لا يُرْفَعُ أبداً، وإن قلت: هو دونَك فى الشَّرَف؛ لأنَّ هذا إنَّما هو مَثَلٌ كما كانَ هذا مكانَ ذا فى البدل مثلا، ولكنَّه على
السَّعة.
وإنما الأصلُ فى الظروف الموضعُ والمستقَرُّ من الأرض ولكنّه جاز هذا كما تقول: إنّه لَصُلبُ القَناةِ، وإنّه لمِنْ شجرةٍ صالحةٍ، ولكنه على السعة.
وأمّا قُصِدَ قصدُك فمثُل نُحِىَ نحوُك، وأُقبل قبُلُك، يَرتفع كما يَرتفعان ويَنتصب كما ينتصبان.
وإن شئت قلت: هو دونُك، إذا جعلتَ الأوّلَ الآخِرَ ولم تَجعله رجُلا.
وقد يقولون: هو دُونٌ، فى غير الإِضافة، أى هو دُونٌ من القوم، وهذا ثَوبٌ دُون، إذا كان رَديئاً.
واعلم أنّه ليس كل موضع و " لا " كلُّ مكان يَحسُن أن يكون ظرفاً فممَّا لا يحسن أن يكون ظرفاً أنّ العربَ لاتقول هو جَوفَ المسجد ولا هو داخِلَ الدار ولا هو خارِجَ الدار، حتى تقول: هو فى جوفها، وفى داخل الدار، ومن خارجها.
وإنَّما فُرّق بين خلَف وما أِشبهها وبين هذه الحروف، لأن
خَلفَ وما أِشبهها للأماكن التى تَلى الأسماءَ من أَقطارها.
على هذا جرتْ عندهم، والجَوْفُ والخارج عندهم بمنزلة الظهْرِ والبطن والرأٍس واليد، وصارتْ خلف وما أشبهها تَدخل على كلّ اسم فتصير أمكنةً تَلى الاسمَ من نواحيه وأقطاره، ومن أعلاه وأسفلِه، وتكونُ ظروفا كما وصفتُ لك، وتكون أسماءَ كقولك: هو ناحيةُ الدارِ إذا أردتَ الناحيةَ بعينها، وهو فى ناحيةِ الدار، فتصير بمنزلة قولك: هو فى بيتك وفى دارك.
ويدلُّك على أنَّ المجرورَ بمنزلة الاسم غيرِ الظَّرف أنّك تقول: زيدٌ وَسْطَ الدار وضربتُ وَسَطَه، وتقول: فى وَسَطِ الدار، فيصيرُ بمنزلة قولك: ضربتُ وَسَطَه مفتوحا مثلَه.
واعلم أنَّ الظروفَ بعضُها أَشَدُّ تمكّنا من بعضٍ فى الأسماءِ، نحوَ القُبْل والقَصد والنَّاحية.
وأمّا الخَلف والأَمام والتَّحْت فهنّ أقلُّ استعمالاً فى الكلام أن تُجْعَل أسماءً.
وقد جاءت على ذلك فى الكلام والأشعار.
وهذه حروف تَجرى مَجرى خَلْفك وأَمامك، ولكنَّا عزلناها لنفسَّر معانيَها، لأنَّها غَرائبُ.
فمن ذلك حرفانَ ذكرناهما في الباب الأول ثم لم نفسَّر معناهما، وهما صَدَدَكَ ومعناه القَصْد، وسقَبَكَ ومعناه القُرب، ومنه قول العرب: هو وَزْنَ الجبلِ أى ناحيةً منه، وهم زِنةَ الجبل أى حِذاءَه.
ومن ذلك قول العرب: هم قُرابَتك أى قُرْبَك، يعنى المكانَ.
وهم قُرابَتك فى العلم، أى قَريباً منك فى العلم.
وكان هذا بمنزلة قول العرب: هو حِذاءَه وإزاءَه، وحَوالَيْةِ بنو فلانٍ، وقومُك أَقطارَ البلاد.
ومن ذلك قول الشاعر، وهو أبو حَيَّةَ النُّمَيرىّ:
إذا ما نَعَشْناه على الرَّحْلِ يَنْثَنِى ... مُسالَيهِ عنه من وراءٍ ومُقْدَمِ
ومسالاه: عطفاه، فصار بمنزلة " جنبي فطيمة ":