باب ما ينتصب لأنه ليس من اسم ما قبله
ولا هو هو
وذلك قولك هو ابنُ عمى دِنْياً، وهو جارى بيتَ بيتَ.
فهذه أحوال قد وقع في كل واحد منها شيء.
وانتصب لأن هذا الكلام قد عمل فيها كما عمل الرجل في العلم حين قلت: أنت الرجل عِلْماً.
فالعلمُ منتصبٌ على ما فسرت لك، وعمل فيه ما قبله كما عمل عشرون في الدرهم، حين قلت عشرون درهما؛ لأن الدرهم ليس من اسم العشرين ولا هو هي.
ومثل ذلك: هذا درهم وزنا.
ومثل ذلك: هذا حسيب جدا.
ومثل ذلك هذا عربي حسبَه.
حدثنا بذلك أبو الخطاب عمن نثق به من العرب.
جعله بمنزلة الدِّنْي والوزن، كأنه قال هو عربي اكتفاءً.
فهذا تمثيل ولا يتكلّ به، ولزمته الإضافة كما لزمت جَهده وطاقته.
وما لم يُضَف من هذا ولم تدخله الألف واللام، فهو بمنزلة ما لم يُضَف
فيما ذكرنا من المصادر، نحو لقيتُه كفاحا، وأتيته جهارا.
ومثل ذلك هذه عشرون مِراراً، وهذه عشرون أضعافا.
وزعم يونس أن قوما يقولون: هذه عشرون أضعافُها وهذه عشرون أضعافٌ، أي مضاعفةٌ.
والنصب أكثر.
ومثل ذلك: هذا درهمٌ سواء.
كأنه قال هذا درهم استواء.
فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به.
قال عز وجل: " في أربعة أيامٍ سَواءً للسائلين ". وقد قرأ ناسٌ: " في أربعةِ أيامٍ سواءٍ ". قال الخليل: جعله بمنزلة مستويات.
وتقول: هذا درهمٌ سواءٌ، كأنك قلت: هذا درهمٌ تام.
؟
وهذا شيء ينتصب على أنه
ليس من اسم الأول ولا هو هو
وذلك قولك: هذا عربي محضا، وهذا عربي قلبا، فصار بمنزلة دِنياً وما أشبهه من المصادر وغيرها.
والرفع فيه وجه الكلام، وزعم يونس ذلك.
وذلك قولك: هذا عربي محضٌ، وهذا عربي قلبٌ، كما قلت هذا عربيٌّ قُحٌّ، ولا يكون القحُّ إلا صفة.
ومما ينتصب على أنه ليس من اسم الأول ولا هو هو، قولك: هذه مائلةٌ وزنَ سبعةٍ ونقدَ الناس، وهذه مائة ضربَ الأمير، وهذا ثوبٌ نسجَ اليمن، كأنه قال: نسجا وضربا ووزنا.
وإن شئت قلت وزنُ سبعة.
قال الخليل رحمه الله: إذا جعلتَ وزنَ مصدرا نصبت، وإن جعلته اسما وصفتَ به، وشبه ذلك بالخَلق، قال: قد يكون الخلق المصدر ويكون الخلقُ المخلوق، وقد يكون الحلَب الفعل والحلَب المحلوب، فكأن الوزن ههنا اسمٌ، وكأن الضرب اسم، كما تقول رجلٌ رِضاً وامرأة عدلٌ ويومٌ غمٌّ، فيصيرُ هذا الكلام صفة.
وقال: أستقبح أن أقول هذه مائة ضربُ الأمير، فأجعلَ الضرب صفة فيكون نكرةً وُصفت
بمعرفة، ولكن أرفعه على الابتداء، كأنه قيل له ما هي؟ فقال: ضربُ الأمير.
فإن قال: ضربُ أمير حَسنت الصفة؛ لأن النكرة توصف بالنكرة.
واعلم أن جميع ما ينتصب في هذا الباب ينتصب على انه ليس من اسم الأول ولا هو هو.
والدليل على ذلك أنك لو ابتدأت اسما لم تستطع أن تبنى عليه شيئا مما انتصب في هذا الباب؛ لأنه جرى في كلام العرب أنه ليس منه ولا هو هو.
لو قلتَ ابنُ عمي دنْيٌ وعربيٌ جِدٌ، لم يجز ذلك، فإذا لم يجز أن يُبنى على المبتدإ فهو من الصفة أبعد؛ لأن هذه الأجناس التي يضاف إليها ما هو منها ومن جوهرها ولا تكون صفة، وقد تُبنى على المبتدإ كقولك: خاتمك فضة، ولا تكون صفة.
فما انتصب في هذا الباب فهو مصدر أو غير مصدر قد جُعل بمنزلة المصدر، وانتصب من وجهٍ واحد.
واعلم أن الشيء يوصَف بالشيء الذي هو هو وهو من اسمه، وذلك قولك: هذا زيدٌ الطويل.
ويكون هو هو وليس من اسمه كقولك: هذا زيدٌ ذاهبا.
ويوصَف بالشيء الذي ليس به ولا من اسمه، كقولك: هذا درهم وزنا، لا يكون إلا نصبا.
؟
هذا باب
ما ينتصب لأنه قبيح أن يوصف بما بعده
ويبنى على ما قبله
وذلك قولك هذا قائما رجل، وفيها قائما رجلٌ.
لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم وقُبح أن تقول: فيها قائمٌ، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح مررت بقائم وأتاني قائم، جعلت القائم حالا وكان المبني على الكلام الأول ما بعده.
ولو حسُن أن تقول: فيها قائم لجاز فيها قائم رجلٌ، لا على الصفة، ولكنه كأنه لما قال فيها قائم، قيل له مَن هو؟ وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله.
وقد يجوز على ضعفه.
وحُمل هذا النصب على جواز فيها رجلٌ قائما، وصار حين أخر وجه الكلام، فرارا من القبح.
قال ذون الرمة:
وتَحْتَ العّوالِى في القَناَ مستِظلةً ... ظِباءٌ أعارتُها العيونَ الجآذرُ وقال الآخر: وبالجِسْم مِنِّي بَيِّناً لو علمْتِه ... شُحوبٌ وإنْ تَستشهِدِى العينَ تشهدِ وقال كُثيّر: لمَيَّةَ موحِشاً طللُ
وهذا كلامٌ أكثر ما يكون في الشعر وأقل ما يكون في الكلام.
واعلم أنه لا يقال قائما فيها رجلٌ.
فإن قال قائل: أجعله بمنزلة راكبا مر زيدٌ، وراكبا مر الرجلُ، قيل له: فإنه مثله في القياس، لأن فيها بمنزلة مر، ولكنهم كرهوا ذلك فيما لم يكن من الفعل، لأن فيها وأخواتها لا يتصرفن تصرف الفعل، وليس بفعل، ولكنهن أنزلن منزلة ما يستغنى به الاسم من الفعل.
فأجرِه كما أجرته العرب واستحسنتْ.
ومن ثم صار مررت قائما برجل لا يجوز، لأنه صار قبل العامل في الاسم، وليس بفعل، والعامل الباء.
ولو حسن هذا لحسن قائما هذا رجل.
فإن قال: أقول مررت بقائما رجل، فهذا أخبث، من قبل أنه لا يُفصل بين الجار والمجرور، ومن ثم أُسقط رُبّ قائما رجلٍ.
فهذا كلام قبيح ضعيف؛ فاعرفْ قبحه، فإن إعرابه يسير.
ولو استحسناه لقلنا هو بمنزلة فيها قائما رجل، ولكن معرفة قبحه أمثل من إعرابه.
وأما بك مأخوذٌ زيد فإنه لا يكون إلا رفعا، من قبل أن بك لا تكون مستقرا لرجل.
ويدلك على ذلك أنه لا يستغنى عليه السكوت.
ولو نصبت هذا لنصبت اليوم منطلقٌ زيدٌ، واليومَ قائمٌ زيد.
وإنما ارتفع هذا لأنه بمنزلة مأخوذ زيد.
وتأخير الخبر على الابتداء أقوى، لأنه عاملٌ فيه.
ومثل ذلك: عليك نازلٌ زيد؛ لأنك لو قلت: عليك زيد، وأنت تريد النزول، لم يكن كلاماً.
وتقول: عليك أميرا زيد، لأنه لو قال عليك زيد وهو يريد الإمرةَ كان حسنا.
وهذا قليل في الكلام كثير في الشعر، لأنه ليس بفعل.
وكلما تقدم كان أضعف له وأبعد، فمن ثم لم يقولوا قائما فيها رجل، ولم يحسن حُسن: فيها قائما رجلٌ.
؟ باب ما يثنى فيه المستقر توكيدا
وليست تثنيته بالتي تمنع الرفع حاله قبل التثنية، ولا النصب ما كان عليه قبل أن يثنى.
وذلك قولك: فيها زيد قائما فيها.
فإنما انتصب قائم باستغناء زيد بفيها.
وإن زعمتَ أنه انتصب بالآخِر فكأنك قلت: زيد قائما فيها.
فإنما هذا كقولك قد ثبت زيد أميرا قد ثبت، فأعدتَ قد ثبت توكيدا، وقد عمل الأول في زيد وفي الأمير.
ومثله في التوكيد والتثنية: لقيتُ عمرا عمرا.
فإن أردتَ أن تُلغي فيها قلت فيها زيدٌ قائم فيها، كأنه قال زيد قائم فيها فيها، فيصير بمنزلة قولك فيك زيدٌ راغبٌ فيك.
وتقول في النكرة: في دارك رجلٌ قائم فيها، فتجرى قائم على الصفة.
وإن شئت قلت: فيها رجل قائما فيها على الجواز، كما يجوز فيها رجلٌ قائما.
وإن شئت قلت أخوك في الدار ساكنٌ فيها، فتجعل فيها صفة للساكن.
ولو كانت التثنية تنصب لنصبتْ في قولك: عليك زيدٌ حريص عليك، ونحو هذا مما لا يُستغنى به.
فإن قلت: قد جاء: " وأَمَّا الَّذِينَ سَعِدوا ففي الجثّة خالدِينَ فِيهَا " فهو مثل " إن المتقين في جنات وعُيون.
آخذين " وفي آية أخر: " فاكهين ".
؟
هذا باب الابتداء
فالمبتدأ كل اسم ابتُدى ليُبنى عليه كلامٌ.
والمبتدأ والمبنى عليه رفعٌ.
فالابتداء لا يكون إلا بمبنى عليه.
فالمبتدأ الأول والمبنى ما بعده عليه فهو مسنَد ومسنَد إليه.
واعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبنى عليه شيئا هو هو، أو يكون في مكان أو زمان.
وهذه الثلاثة يُذكر كل واحدٍ منها بعد ما يُبتدأ.
فأما الذي يُبنى عليه شيء هو هو فإن المبنى عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق؛ ارتفع عبد الله لأنه ذُكر ليُبنى عليه المنطلق، وارتفع المنطلق لأن المبنى على المبتدأ بمنزلته.
وزعم الخليل رحمه الله أنه يستقبح أن يقول قائم زيد، وذاك إذا لم تجعل قائما مقدَّماً مبنيا على المبتدإ، كما تؤخر وتقدم فتقول: ضرب زيدا عمرٌو، وعمرٌو على ضرب مرتفع.
وكان الحد أن يكون مقدَّماً ويكون زيد مؤخرا.
وكذلك هذا، الحد فيه أن يكون الابتداء فيه مقدَّماً.
وهذا عربي جيد.
وذلك قولك تميميٌّ أنا، ومَشنوءٌ مَن يشنَؤك، ورجلٌ عبدُ الله، وخزٌّ صُفّتك.
فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقوله يقوم زيدٌ وقام زيد قبح، لأنه اسم.
وإنما حسن عندهم أن يجرى مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف أو جرى على اسم قد عمل فيه؛ كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره فتقول: هذا ضاربٌ زيدا وأنا ضارب زيدا ولا يكون ضاربٌ زيدا على ضربتُ زيدا وضربت عمرا.
فكما لم يجز هذا كذلك استقبحوا أن يجرى مجرى الفعل المبتدإ، وليكون بين الفعل والاسم فصيل وإن كان موافقا له في مواضع كثيرة؛ فقد يوافق الشيء الشيءَ ثم يخالفه، لأنه ليس مثله.
وقد كتبنا ذلك فيما مضى، وسنراه فيما يُستقبل إن شاء الله.
؟