باب ما يَنتصب فيه الصفةُ لأنّه حالٌ
وقع فيه الألفُ واللام
شبّهوه بما يشبَّه من الأسماء بالمصادر، نحوَ قولك: فاهُ إلى فىَّ، وليس بالفاعل ولا المفعول.
فكما شبّهوا هذا بقولك عَوْدَه على بَدْئه وليس بمصدر، كذلك شبّهوا الصفة بالمصدر، وشذّ هذا كما شذّتِ المصادرُ فى بابها حيث كانت حالاً وهى معرفةٌ، وكما شذّت الأسماءُ التى وُضعت موضعَ المصدر.
وما يشبه بالشيء فى كلامهم وليس مثلَه فى جميع أحواله كثيرٌ، وقد بُيّن فيما مضى وستراه أيضا إن شاء الله.
وهو قولك: دخلوا الأول فالأول، وجرى على قولك واحداً فواحداً ودخلوا رجُلا رَجُلا.
وإن شئت رفعتَ فقلت: دخَلوا الأوّلُ فالأوّلُ، جعله بدلا وحمله على الفعل، كأنه قال: دخل الأوّلُ فالأوّلُ.
وإن شئت قلت: دخلوا رجلٌ فرجلٌ، تجعله بدلاً كما قال عزّ وجلّ: " بالناصية.
ناصية كاذبة ".
فإِن قلتَ: ادْخُلوا، فأمرتَ فالنَّصبُ الوجهُ، ولا يكون بدلاً؛ لأنك لو قلت: ادْخُلِ الأوّلُ فالأوّلُ أو رجلٌ رجلٌ، لم يجز، ولا يكون صفةً، لأنه ليس معنى الأوّلِ فالأوّلِ أَنّك تريد أن تعرفه بشيء تحلَّيه به.
لو قلت: قومُك الأوّلُ فالأوّلُ أَتَوْنا لم يَستقم، وليس معناه معنى كلَّهم فأُجرىَ مجرى خمستَهم ووحدَه.
ولا يجوز فى غير الأول هذا، كما لا يجوز أن تقول: مررتُ به واحِدَه ولا بهما اثْنَيْهما.
وكان عيسى يقول: ادْخُلوا الأَوّلُ فالأوّلُ؛ لأنّ معناه ليَدخل، فحمله على المعنى، وليس بأَبعدَ من: " ليُبْكَ يَزيدُ ضارِعٌ لخصُومةٍ "
فإِذا قلت: ادْخُلوا الأوّلُ والآخِرُ والصغيرُ والكبيرُ، فالرفع؛ لأن معناه معنى كلهم، كأنه قالك ليَدْخلوا كلُّهم.
وإذا أردتَ بالكلام أن تُجريه على الاسم كما تُجرى النعتَ لم يجز أن تُدْخِلَ الفاءً؛ لأنَّك لو قلت: مررتُ بزيد أخيك وصاحبك، كان حسنا، ولو قلت: مررتُ بزيدٍ أخيك فصاحِبك، والصاحبُ زيدٌ، لم يجز.
وكذلك لو قلت: زيد أخزك فصاحبُك ذاهبٌ، لم يجزْ.
ولو قلتَها بالواو حَسُنتْ، كما أنشد كثيرٌ من العرب، والبيت لأمّيهَ بن أبى عائذٍ:
ويَأْوِى إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِى
ولو قلتَ " فشعث " قبح.
" وقال الخليل: ادخلوا الأول فالأول والوسط والآخِرُ.
لا يكون فيه غيرُه وقال: يكونُ على جواز كلُّكم، حملَه على البدل ".
هذا باب
ما يَنتصب من الأسماءِ والصفات لأنَّها أَحوالٌ
تقع فيها الأمورُ وذلك قولك: هذا بُسراً أَطْيَبُ منه رُطَباً.
فإِنْ شئت جعلتَه حيناً قد مضى، وإن شئتَ جعلتَه حينًا مستقبَلا.
وإنَّما قال الناسُ هذا منصوبٌ على إضمارِ إذَا كانَ فيما يُستقبل، وإذْ كانَ فيما مضى، لأن هذا لمّا كان ذا معناه أَشْبَهَ عندهم أن يَنتصب على إذَا كانَ.
" ولو كان على إضمارٍ كانَ لقلت: هذا التَّمْرَ أطيبُ منه البُسْرَ؛ لأنّ كانَ قد يَنصب المعرفةَ كما يَنصب النكرةَ، فليس هو على كانَ ولكنَّه حال ".
ومنه: مررتُ برَجُلٍ أَخْبَثَ ما يكونُ أَخْبَثَ منك أَخْبَثَ ما تكونُ، وبرجل خيرَ ما يكون خيرٍ منك خيرَ ما تكونُ، وهو أخْبَثَ ما يكون
أخبث منك أخبث ما تكون.
فهذا كلُّه محمولٌ على مثل ما حملت عليه ما قبله.
وإنْ شئت قلتَ: مررتُ برجلٍ خيرُ ما يكون خيرٌ منك، كأَنّه يريد برجلٍ خيرُ أَحوالهِ خيرٌ منك، أى خيرٌ من أَحوالك.
وجاز لهُ أن يقول: خيرٌ منك، وهو يريد: " خير " من أَحوالك، كما جاز أن تقول: نهارُك صائمٌٍ وليلُكَ قائم.
وتقول: البُرُّ أَرخصُ ما يكون قَفيزانِ، أى البرُّ أَرخصُ أَحوالِه التى يكون عليها قَفيزانِ، كأَنّك قلت: البرُّ أَرخصُه قَفيزان.
ومن ذلك هذا البيتُ تُنشِده العربُ على أَوْجُهٍ، بعضُهم يقول، وهو قول عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ:
الحَرْبُ أوّل ما تكونْ فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول
أي أعرب أوّلُها فتيَّة ولكنّه أنَّث الأوّلَ، كما تقول: ذهبتْ بعضُ أصابعه.
وبعضُهم يقول:
" الحربُ أوّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ "
أى إذا كانت فى ذلك الحينِ.
وبعضهم يقول:
" الحربُ أوّلُ ما تكون فُتَيَّةً "
كأَنّه قال: الحربُ أوّلُ أَحوالِها إذا كانتْ فتَيَّةً، كما تقول: عبدُ الله أحسنُ ما يكون قائما.
ومن رَفَعَ الفُتَيَّة ونَصَب الأوّل على الحال قال: البُرُّ أَرْخَصَ ما يكون قَفيزانِ.
ومن نَصَبَ الفُتَيَّة ورَفَعَ الأوّل قال: البُرُّ أَرْخَصُ ما يكون قَفيزَيْن.
وأمَّا عبدُ الله أحسنُ ما يكونُ قائماً فلا يكون فيه إلاّ النصبُ؛ لأنه لا يجوز لك أن تَجعل أحسنَ أَحوالِه قائماً على وجهٍ من الوجوه.
وتقول: عبدُ الله أَخْطَبُ ما يكون يومَ الجمعة، والبَداوة أطيبُ ما تكون شهرَىْ ربيع، كأَنّك قلت: أخطبُ ما يكون عبدُ الله فى يوم الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ فى شهرى ربيع.
ومن العرب من يقول: أخطبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ شهرَا ربيع، كأنّه قال: أَخطبُ أيّام الأمير يومُ الجمعة، وأطيبُ أَزمنِة البداوة شهرا ربيع.
وجاز أخطبُ أيّامه يومُ الجمعة على سعة الكلام، وكأنّه قال: أطيبُ الأزمنة التى تكون فيها البداوةُ شهرا ربيع، وأخطبُ الأيّام التى يكون فيها الأمير خَطيبًا يومُ الجمعة.
وتقول: آتيك يوم الجمعة أبطوه، على معنى ذاك أبطؤه.
كأنّه قيل له أىُّ غاية هذه عندك وأىُّ إتيان ذا عندك، أسريع أم بطيء؟ فقال: أبطوه، على معنى: ذاك أَبْطَؤُه.
وتقول: آتيك يومَ الجمعة أَو يومَ السبت أبطؤُه أو يومُ السَّبتِ أبطؤه، وأَعطُيته درهما أو درهمين أكثرَ ما أعيته، " وأعطيتهُ درهما أو درهمان أكثرُ ما أعطيتُه ". وإن شَاء نصب الدرهمين وقال: أكثر ما أعطيته.
وإن شاء نصب أكثرَ أيضاً على أنّه حالٌ وقعت فيه العطيةُ.
وإن شاء قال: آتيك يومَ الجمعة أبطأه، أي أبطأ الإتيان يوم الجمعة.