باب ما ينتصب فيه الخبر
لأنه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء، قدمته أو أخرته وذلك قولك: فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما.
فعبد الله ارتفع بالابتداء لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به، وإنما هو موضعٌ له، ولكنه يجرى مجرى الاسم المبني على ما قبله.
ألا ترى أنك لو قلت: فيها عبد الله حسُن السكوت وكان كلاما مستقيما، كما حسن واستُغنى في قولك: هذا عبد الله.
وتقول: عبد الله فيها، فيصير كقولك عبد الله أخوك.
إلا أن عبد الله يرتفع مقدَّماً كان أو مؤخرا بالابتداء.
ويدلك على ذلك أنك تقول: إن فيها زيدا، فيصير بمنزلة قولك: إن زيدا فيها؛ لأن فيها لما صارت مستقَراً لزيد يستغنى به السكوت وقعَ
موقع الأسماء، كما أن قولك: عبد الله لقيتُه يصير لقيتُه فيه بمنزلة الاسم، كأنك قلت: عبد الله منطلق، فصار قولك فيها كقولك: استقر عبد الله، ثم أردت أن تُخبِر على أية حالٍ استقر فقلت قائما، فقائم حال مستقَرٌّ فيها.
وإن شئت ألغيت فيها فقلت: فيها عبد الله قائمٌ.
قال النابغة:
فبتُّ كأنّى ساورتْني ضئيلةٌ ... من الرُقشِ فى أَنيابِها السمُ ناقعُ
وقال الهذلى:
لا درَّ درّيَ إنْ أطعمتُ نازلَكم ... قِرفَ الحَتىِّ وعندى البُرُّ مكنوزُ
كأنك قلت: البرُّ مكنوزٌ عندي، وعبد الله قائمٌ فيها.
فإذا نصبت القائم ففيها قد حالت بين المبتدإ والقائم واستُغني بها، فعمل المبتدإ حين لم يكن القائم مبنيا عليه، عمل هذا زيدٌ قائما، وإنما تجعل فيها، إذا رفعت القائم، مستقرَّاً للقيام وموضعا له، وكأنك لو قلت: فيها عبد الله، لم يجز عليه السكوت.
وهذا يدلك على أن فيها لا يُحدث الرفع أيضا في عبد الله؛ لأنها لو كانت بمنزلة هذا لم تكن لتُلغى، ولو كان عبد الله يرتفع بفيها لارتفع بقولك عبد الله مأخوذٌ؛ لأن الذي يرفع وينصب ما يستغني عليه السكوت وما لا يستغنى، بمنزلة واحدة.
ألا ترى أن كان تعمل عمل ضرب، ولو قلت كان عبد الله لم يكن كلاما، ولو قلت ضرب عبد الله كان كلاما.
ومما جاء فى الشعر أيضا مرفوعا قوله، لابن مقبل:
لا سافِرُ النّيّ مدخولٌ ولا هَبِجٌ ... عاري العِظامِ عليه الودْع منظومُ
فجميع ما يكون ظرفا تلغيه إن شئت، لأنه لا يكون آخِراً إلا على ما كان عليه أولا قبل الظرف، ويكون موضع الخبر دون الاسم، فجرى في أحد الوجهين مجرى ما لا يستغنى عليه السكوت، كقولك: فيك زيدٌ راغبٌ فرغبتُه فيه.
ومثل قولك فيها عبد الله قائما: هو لك خالصا، وهو لك خالصٌ؛ كأن قولك هو لك بمنزلة أهبُه لك ثم قلت خالصا.
ومن قال فيها عبد الله قائم، قال هو لك خالص، فيصير خالص مبنيا على هو كما كان قائم مبنيا على عبد الله، وفيها لَغوٌ، إلا أنك ذكرت فيها لتبين أين القيام، وكذلك لك إنما أردت أن تبين لمن الخالصُ.
وقد قُرئ هذا الحرف على وجهين: " قُل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةٌ يوم القيامة "، بالرفع والنصب.
وبعض العرب يقول: هو لك الجماء الغفيرُ، يرفع كما يرفع الخالص.
والنصبُ أكثر، لأن لجمّاء الغفير بمنزلة المصدر، فكأنه قال هو لك خُلوصاً.
فهذا تمثيلٌ ولا يُتكلم به.
ومما جاء في الشعر قد انتصب خبرُه وهو مقدَّم قبل الظرف، قوله:
إنّ لكمْ أصلَ البِلادِ وفرعَها ... فالخَيْرُ فيكمْ ثابِتا مَبذولاَ
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: أتكلم بهذا وأنت ههنا قاعدا.
ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه أمر قول العرب: هو رجلُ صدقٍ معلوما ذاك، وهو رجل صدق معروفا ذاك، وهو رجل صدق بينا ذاك، كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحُه، فصار حالا وقع فيه أمر، لأنك إذا قلت: هو رجل صدقٍ فقد أخبرتَ بأمر واقع، ثم جعلتَ ذلك الوقوع على هذه الحال.
ولو رفعتَ كان جائزا على أن تجعله صفة، كأنك قلت: هو رجل معروفُ صلاحُه.
ومثل ذلك: مررت برجل حسنةٍ أمه كريما أبوها، زعم الخليل أنه أخبر عن الحُسن أنه وجبَ لها في هذه الحال.
وهو كقولك: مررت برجلٍ ذاهبةٍ فرسُه مكسورا سرجُها، والأول كقولك: هو رجل صدق معروفا صدقه، وإن شئت قلت معروفٌ ذلك ومعلوم ذلك، على قولك: ذاك معروفٌ وذاك معلوم.
سمعتُه من الخليل.
؟ هذا بابٌ من المعرفة
يكون فيه الاسم الخاص شائعا في الأمة
ليس واحدٌ منها أولى به من الآخر، ولا يُتوهّم به واحدٌ دون آخر له اسمٌ غيره، نحو قولك للأسد: أبو الحارث وأسامة، وللثعلب: ثُعالة وأبو الحُصَين وسَمسَم، وللذئب: دأَلان وأبو جَعدة، وللضّبُع: أم عامر وحَضاجر وجَعار وجيْأل وأم عنثل وقَثام، ويقال للضِّبعان قُثَم.
ومن ذلك قولهم للغراب: ابن بَريح.
فكل هذا يجرى خبره مجرى خبر عبد الله.
ومعناه إذا قلت هذا أبو الحارث أو هذا ثُعالة أنك تريد هذا الأسد وهذا الثعلب؛ وليس معناه كمعنى زيد وإن كانا معرفة.
وكان خبرهما نصبا من قبل أنك إذا قلت هذا زيدٌ فزيد اسم لمعنى قولك هذا الرجل إذا أردتَ شيئا بعينه قد عرفه المخاطَب بحلْيته أو بأمر قد بلغه عنه قد اختُص به دون من يعرف.
فكأنك إذا قلت هذا زيد قلت: هذا الرجل الذى من حِليته ومن أمره كذا وكذا بعينه، فاختُصّ هذا المعنى باسم عَلَم يلزم هذا المعنى، ليُحذف
الكلام وليُخرَج من الاسم الذى قد يكون نكرة ويكون لغير شيء بعينه.
لأنك إذا قلت هذا الرجل فقد يكون أن تعنى كماله، ويكون أن تقول هذا الرجل وأن تريد كل ذكَر تكلم ومشى على رجلين فهو رجل.
فإذا أراد أن يُخلِص ذلك المعنى ويختصه ليُعرَف من يُعنى بعينه وأمره قال زيد ونحوه.
وإذا قلت: هذا أبو الحارث فأنت تريد هنا الأسد، أى هذا الذى سمعتَ باسمه، أو هذا الذى قد عرفتَ أشباهه، ولا تريد أن تشير الى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك، كمعرفته زيدا، ولكنه أراد هذا الذى كل واحد من أمته له هذا الاسم، فاختُصّ هذا المعنى باسم كما اختُص الذي ذكرنا بزيد لأن الأسد يتصرف تصرف الرجل ويكون نكرة، فأرادوا أسماء لا تكون إلا معرفة وتلزم ذلك المعنى.
وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسمٌ معناه معنى زيد، أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس فيحتاجوا إلى أسماء يعرفون بها بعضا من بعض، ولا تحفَظ حُلاها كحفظ ما يَثبت مع الناس ويقتنونه ويتخذونه.
ألا تراهم قد اختصوا الخيل والإبل والغنم والكلاب وما تثبت معهم واتخذوه، بأسماء كزيد وعمرو.
ومنه أبو جُخادب، وهو شيء يشبه الجندُب غير أنه أعظم منه،
وهو ضربٌ من الجنادب كما أن بنات أوبَر ضربٌ من الكمأة، وهى معرفة.
ومن ذلك ابنُ قِتْرة، وهو ضربٌ من الحيات، فكأنهم إذا قالوا هذا ابن قتْرة فقد قالوا هذا الحية الذى من أمره كذا وكذا.
وإذا قالوا بنات أوبَر فكأنهم قالوا هذا الضرب الذى من أمره كذا وكذا من الكمأة، وإذا قالوا أبو جُخادب فكأنهم قالوا هذا الضرب الذى سمعتَ به من الجنادب أو رأيته.
ومثل ذلك ابنُ آوى كأنه قال هذا الضرب الذى سمعته أو رأيته من السباع؛ فهو ضرب من السباع كما أن بنات أوبر ضربٌ من الكمأة.
ويدلك على أنه معرفة أن أوى غير مصروف وليس بصفة.
ومثل ذلك ابنُ عِرس وأم حُبَين وسام أبرص.
وبعض العرب يقول أبو بُريص وحمار قبان، كأنه قال فى كل واحد من هذا الضرب الذى يعرَف من أحناش الأرض بصورة كذا.
وكأنه قال فى المؤنث نحو أم حُبين هذه التى تعرَف من أحناش الأرض بصورة كذا.
واختصت العرب لكل ضرب من هذه الضروب اسما على معنى الذى تعرفها به لا تدخله النكرة كما أن الذى تعرف لا تدخله النكرة، كما فعلوا ذلك بزيد والأسد.
إلا أن هذه الضروب ليس لكل واحد منها اسم يقع
على كل واحد من أمته يدخله المعرفة والنكرة، بمنزلة الأسد يكون معرفة ونكرة، ثم اختُص باسم معروف كما اختُص الرجل بزيد وعمرو، وهو أبو الحارث، ولكنها لزمت اسما معروفا، وتركوا الاسم الذى تدخله المعانى المعرفة والنكرة، ويدخله التعجب، وتوصَف به الأسماء المبهمة كمعرفته بالألف واللام نحو الرجل.
والتعجب كقولك: هذا الرجل وأنت تريد أن ترفع شأنه.
ووصفُ الأسماء المبهمة نحو قولك: هذا الرجل قائم.
فكأن هذا اسمٌ جامع لمعان.
وابن عِرس يراد به معنى واحد، كما أريد بأبى الحارث وبزيد معني واحد واستُغني به.
ومثَل هذا فى بابه مثَل رجل كانت كُنيته هى الاسم وهى الكنية.
ومثَل الأسد وأبى الحارث كرجل كانت له كنية واسمٌ.
ويدلك على أن ابن عرس وأم حُبين وسامَّ أبرص وابن مَطَر معرفة، أنك لا تدخل في الذي أُضِفن إليه الألف واللام، فصار بمنزلة زيد وعمرو.
ألا ترى أنك لا تقول أبو الجُخادب.
وهو قول أبى عمرو، حدثنا به يونس عن أبى عمرو.
وأما ابن قترة وحمار قبان وما أشبههما، فيدلك على معرفتهن ترك صرف ما أُضفن إليه.
وقد زعموا أن بعض العرب يقول: هذا ابنُ عرس مُقبلٌ، فرفعه على وجهين: فوجهٌ مثل: هذا زيد مقبل، ووجه على أنه جعل ما بعده نكرة فصار مضافا إلى نكرة، بمنزلة قولك هذا رجلٌ منطلق.
ونظير ذلك هذا قيسُ قُفّةٍ آخر منطلق.
وقيسُ قُفة لقب، والألقاب والكُنى بمنزلة الأسماء نحو زيد وعمرو، ولكنه أراد في قيس قُفة ما أراد في قوله هذا عُثمان آخر، فلم يكن له بد من أن يُجعل ما بعده نكرة حتى يصير نكرة، لأنه لا يكون الاسم نكرة وهو مضاف إلى معرفة.
وعلى هذا الحد تقول: هذا زيد منطلق، كأنك قلت هذا رجل منطلق، فإنما دخلت النكرة على هذا العلَم الذي إنما وُضع للمعرفة ولهذا جيء به، فالمعرفة هنا الأوْلى.
وأما ابن لَبون وابن مَخاض فنكرة، لأنها تدخلها الألف واللام.
وكذلك ابن ماء.
قال جرير، فيما دخل فيه الألف واللام:
وابنُ اللَبون إذا ما لُزّ فى قَرَن ... لمَ يستطعْ صولةَ البُزْلِ القناعيسِ
وقال أبو عطاء السِّندي: مفدَّمةً قَزَا كأنّ رِقابها ... رِقاب بناتِ الماءِ أفزَعها الرّعدُ وقال الفرزدق: وَجَدْنا نهشَلاً فضلَتْ فقيْماً ... كفَضْلِ ابنِ المَخاض على الفصيلِ
فإذا أخرجتَ الألف واللام صار الاسم نكرة.
قال ذو الرمة:
ورَدتُ اعتِسافاً والثرّيَّا كأنّها ... على قِمّةِ الرأس ابنُ ماءٍ مُحلّقُ
وكذلك ابن أفعلَ إذا كان أفعل ليس باسمٍ لشيء.
وقال ناسٌ: كلُ ابن أفعلَ معرفة لأنه لا ينصرف.
وهذا خطأ؛ لأن أفعل لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول هذا أحمرُ قُمُذٌ فترفعه إذا جعلته صفة للأحمر، ولو كان معرفة كان نصبا، فالمضاف إليه بمنزلته.
قال ذو الرمة:
كأنَّا على أولادِ أحقَبَ لاحَها ... ورمْيُ السّفا أنفاسَها بِسَهامِ
جَنوبٌ ذَوَتْ عنها التَّناهى وأنزلتْ ... بها يومَ ذبّابِ السَّبيبِ صيامِ كأنه قال: على أولاد أحقبَ صيامٍ.
؟
باب
ما يكون فيه الشيء غالبا عليه اسم
يكون لكل من كان من أمته، أو كان في صفته، من الأسماء التي يدخلها الألف
واللام، وتكون نكرتُه الجامعة لما ذكرتُ لك من المعاني.
وذلك قولك فلان بنُ الصَّعِق.
والصعقُ في الأصل صفة تقع
على كل من أصابه الصعق، ولكنه غلب عليه حتى صار عَلَماً بمنزلة زيد وعمرو.
وقولهم النجمُ، صار علَماً للثريا.
وكابن الصّعِق قولُهم: ابن رالان، وابنُ كُراع، صار علما لإنسان واحد، وليس كل من كان ابنا لرألان وابنا لكُراع غلب عليه هذا الاسم.
فإن أخرجت الألف واللام من النجم والصعق لم يكن معرفة، من قبل أنك صيرته معرفة بالألف واللام، كما صار ابنُ رألان معرفة برألان، فلو ألقيتَ رألان لم يكن معرفة.
وليس هذا بمنزلة زيد وعمرو وسَلْم، لأنها أعلامٌ جمعت ما ذكرنا من التطويل وحذفوا.
وزعم الخليل رحمه الله أنه إنما منعهم أن يُدخلوا في هذه الأسماء الألف واللام أنهم لم يجعلوا الرجل الذي سُمّي بزيد من أمةٍ كلُّ واحد منها يلزمه هذا الاسم، ولكنهم جعلوه سُمّي به خاصا.
وزعم الخليل رحمه الله أن الذين قالوا الحارث والحَسَن والعباس، إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه، ولم يجعلوه سُمّي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصفٌ له غلَب عليه.
ومن قال حارثٌ وعباس فهو يُجريه مُجرى زيد.
وأما ما لزمته الألف واللام فلم يسقُطا منه، فإنما جُعل الشيء الذي يلزمه ما يلزم كل واحد من أمته.
وأما الدّبَران والسِّماك والعيوق وهذا النحو، فإنما يُلزَم الألفَ واللام من قبل أنه عندهم الشيء بعينه.
فإن قال قائل: أيقال لكل شيء صار خلف شيء دَبَران، ولكل شيء عاق عن شيء عيّوق، ولكل شيء سمك وارتفع سِماك، فإنك قائل له: لا، ولكن هذا بمنزلة العِدل والعَديل.
والعديل: ما عادَلك من الناس، والعِدل لا يكون إلا للمتاع، ولكنهم فرقوا بين البناءين ليفصلوا بين المتاع وغيره.
ومثل ذلك بناء حصين وامرأة حصان، فرقوا بين البناء والمرأة، فإنما أرادوا أن يُخبروا أن البناء مُحرز لمن لجأ إليه، وأن المرأة محرزة لفرجها.
ومثل ذلك الرزين من الحجارة والحديد، والمرأة رزان، فرقوا بين ما يُحمَل وبين ما ثقُل في مجلسه فلم يخف.
وهذا أكثر من أن أصفه لك في كلام العرب؛ فقد يكون الاسمان مشتقّين من شيء والمعنى فيهما واحد، وبناؤهما مختلف، فيكون أحد البناءين مختصاً به شيء دون شيء ليفرق بينهما.
فكذلك هذه النجوم اختُصّت بهذه الأبنية.
وكل شيء جاء قد لزم الألف واللام فهو بهذه المنزلة.
فإن كان عربيا نعرفه ولا نعرف الذي اشتُق منه فإنما ذاك لأنا جهلنا ما علم غيرُنا،
أو يكون الآخِر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمى.
وبمنزلة هذه النجوم الأربعاء والثلاثاء، إنما يرايد الرابع والثالث.
وكلها أخبارها كأخبار زيد وعمرو.
فإن قلت: هذان زيدان منطلقان، وهذان عَمران منطلقان، لم يكن هذا الكلام إلا نكرة، من قبل أنك جعلته من أمة كل رجل منها زيد وعمرو، وليس واحد منها أولى به من الآخَر.
وعلى هذا الحد تقول: هذا زيد منطلق.
ألا ترى أنك تقول: هذا زيد من الزيدين، أي هذا واحد من الزيدين، فصار كقولك: هذا رجل من الرجال.
وتقول: هؤلاء عَرَفات حسنة، وهذان أبانان بينين.
وإنما فرقوا بين أبانين وعرفات، وبين زيدَين وزيدِين، من قبل أنهم لم يجعلوا التثنية والجمع علما لرجلين ولا لرجال بأعيانهم، وجعلوا الاسم الواحد علماً لشيء بعينه، كأنهم قالوا، إذا قلت ائتِ بزيد إنما تريد: هاتِ هذا الشخص الذي نشير لك إليه.
ولم يقولوا إذا قلنا جاء زيدانِ فإنما نعني شخصين بأعيانهما قد عُرفا قبل ذلك وأُثبتا، ولكنهم قالوا إذا قلنا قد جاء زيد فلان وزيدُ بن فلان فإنما نعني شيئين بأعيانهما فهكذا تقول إذا أردت أن تُخبر عن معروفين.
وإذا قالوا هذان أبانان وهؤلاء عرفات فإنما أرادوا شيئا أو شيئين بأعيانهما اللذين نشير إليهما.
وكأنهم قالوا إذا قلت ائت أبانين، فإنما نعني هذين الجيلين بأعيانهما اللذين نشير لك إليهما.
ألا ترى أنهم لم يقولوا: امرر بأبان كذا وأبن كذا، لم يفرقوا بينهما لأنهما جعلوا أبانين اسماً لهما يُعرفان به بأعيانهما.
وليس هذا في الأناسى ولا في الدواب، إنما يكون هذا في الأماكن والجبال وما أشبه ذلك، من قبل أن الأماكن والجبال أشياء لا تزول، فيصير كل واحد من الجبلين داخلا عندهم في مثل ما دخل فيه صاحبُه من الحال في الثبات والخِصب والقحط، ولا يشار إلى واحد منهما بتعريف دون الآخر، فصارا كالواحد الذي لا يزايله منه شيء حيث كان في الأناسى وفي الدواب.
والإنسانان والدابتان لا يثبتان أبدا بأنهما يزولان ويتصرفان، ويشار إلى أحدهما والآخر عنه غائب.
واما قولهم: أعطِكم سُنّة العُمَرين فإنما أُدخلت الألف واللام على عُمَرين وهما نكرة فصارا معرفة بالألف واللام كما صار الصّعِق معرفة بهما، واختُصا به كما اختُص النجم بهذا الاسم، فكأنهما جُعلا من آمة
كل واحد منهم عُمر، ثم عُرّفا بالألف واللام فصارا بمنزلة الغرِيَّيْن المشهورين بالكوفة، وبمنزلة النَّسرين، إذا كنتَ تعني النجمين.
؟
باب
ما يكون الاسم فيه بمنزلة الذي في المعرفة
إذا بُني على ما قبله، وبمنزلته في الاحتياج إلى الحشو، ويكون نكرة بمنزلة رجل.
وذلك قولك: هذا مَن أعرف منطلقا، وهذا مَن لا أعرف منطلقا، أي هذا الذي علمتُ أني لا أعرفه منطلقا.
وهذا ما عندي مَهيناً، وأعرف ولا أعرف وعندي حشوٌ لهما يتمان به، فيصيران اسما كما كان الذي لا يتم إلا بحشوه.
وقال الخليل رحمه الله: إن شئت جعلتَ مَن بمنزلة إنسان وجعلت ما بمنزلة شيء نكرتين، ويصير منطلقٌ صفة لمن ومَهينٌ صفة لمَا.
وزعم أن هذا البيت عنده مثل ذلك، وهو قول الأنصارى:
فكَفَى بنا فَضْلاً على مَن غيرِنا ... حبُّ النبيّ محمَّدٍ إيّاناَ.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
إنَّي وإيّاكَ إذْ حَلَّتْ بأرحُلنا ... كَمنْ بِوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ ممطورِ
وأما هذا ما لديّ عنيد فرفعُه على وجهين: على شيء لدى عنيد، وعلى هذا بعلى شيخٌ.
وقد أدخلوا في قول من قال إنها نكرة فقالوا: هل رأيتم شيئا يكون موصوفا لا يُسكَت عليه؟ فقيل لهم: نعم، يا أيها الرجل.
الرجل وصفٌ لقوله يا أيها، ولا يجوز أن يُسكَت على يا أيها.
فرُب اسم لا يحسن عليه عندهم السكوت حتى يصفوه وحتى يصير وصفُه عندهم كأنه به يتم الاسم، لأنهم إنما جاءوا بيا أيها ليصلوا إلى نداء الذي فيه الألف واللام، فلذلك جيء به.
وكذلك مَن وما إنما يُذكران لحشوهما ولوصفهما، ولم يُرَد بهما خِلوَين شيء، فلزمه الوصف كما لزمه الحشو، وليس لهما بغير حشو ولا وصف معنى، فمن ثم كان الوصف والحشو واحدا.
فالوصف كقولك: مررت بمَن صالحٍ، فصالحٍ وصف.
وإن أردتَ الحشو قلت مررت ممن صالحٌ.
والحشو لا يكون أبدا لمن وما إلا وهما معرفة.
وذلك من قبل أن الحشو إذا صار فيهما أشبهتا الذي، فكما أن الذي لا يكون إلا معرفة لا يكون ما ومَن إذا كان الذي بعدهما حشوا، وهو الصلة، إلا معرفة.
وتقول: هذا مَن أعرف منطلقٌ، فتجعل أعرف صفة.
وتقول: هذا مَن أعرف منطلقا، تجعل أعرف صلة.
وقد يجوز منطلقٌ على قولك: هذا عبد الله منطلق.
ومثل ذلك الجماء الغفير، فالغفير وصفٌ لازم، وهو توكيد لأن الجماء الغفير مَثَل، فلزم الغفيرُ كما لزم ما في قولك إنك ما وخَيراً.
واعلم أن كفى بنا فضلا على مَن غيرُنا أجود وفيه ضعفٌ إلا أن يكون فيه هو، لأن هو من بعض الصلة، وهو نحو مررت بأيُّهم أفضلُ،
وكما قرأ بعض الناس هذه الآية: " تماما على الذي أحسَنُ ".
واعلم أنه يقبح أن تقول هذا مَن منطلق إذا جعلتَ المنطلق حشوا أو وصفا، فإن أطلتَ الكلام فقلت مَن خيرٌ منك، حسُن في الوصف والحشو.
زعم الخليل رحمه الله أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءا، وما أنا بالذي قائل لك قبيحا.
فالوصف بمنزلة الحشو المَحشو لأنه يَحسن بما بعده كما أن الحشو المحشوَّ إنما يتم بما بعده.
ويقوى أيضا أن مَن نكرة، قول عمرو بن قَميئة:
يا رُبَّ مَن يُبغض أذوادَنا ... رُحنَ على بغْضائه واغتدَيْنْ
ورُبّ لا يكون ما بعدها إلا نكرة.
وقال أمية بن أبي الصلت:
رُبّ ما تكره النفوس من الأمر ... له فَرْجةٌ كحَلّ العِقالِ وقال آخر: أَلا رُبّ مَن تغتَشَّهُ لكَ ناصحٍ ... ومؤتَمن بالغَيب غيرِ أمينِ وقال آخر: ألا رُبّ مَن قَلْبِي له اللهَ ناصحٌ ... ومَن هو عندي في الظباء السوانحِ
؟